باريس – «القدس العربي»: إذا دخلت «عنبر 8 غرب» في مستشفى الأمراض العقلية، فاعلم أنك قبل الدخول، عليك أن تخلع أفكارك التقليدية عن «المرض النفسي»، لأنك هنا أمام أشخاص يرتدون ثيابهم الملائكية البيضاء، لكنهم، في الجزء المظلم من عالمهم الخاص، ارتكبوا جرائم غير منطقية، وقتلوا أقرب الناس لهم بسبب الجنون أو بفعل مسّ من الشيطان، كما يخبرنا فيلم «الفيل الأزرق».
يمتد الجزء الثاني من فيلم «الفيل الأزرق» ليستكمل حلقات جديدة للسلسلة المُغلقة في الجزء الأول، يفتح أمامنا إشكالية جديدة بأدوات سابقة، وهم الأبطال، وبالتحديد البطل الرئيس «دكتور يحيى راشد» الذي نراقبه في أول ظهور في الفيلم وهو تائه، مخمور، يعود إلى بيته شاردا بعد غياب في حالة تؤكد أن حياته لا تسير على أفضل حال، رغم زواجه من حبيبته «لبنى» وتكوين أسرة تبدو سعيدة.
حاله الشرود تلك تُذكّرنا بالتعرف الأول على يحيى في الجزء الأول. تتطور شخصيته وتُحاصر بالخيالات والأحلام الغريبة، لكنه لا يزال في فقاعته الخاصة التي يحاول «الشرير» اختراقها.
في الطريقة نفسها، كما في الجزء الأول، يتم استدعاء «يحيى» إلى عنبر 8 غرب للاطلاع على حالة مريضة نفسية حلّت لتوها على المستشفى ثم ارتكبت جريمة بشعة، هنا نعرف أنه ترك مجال الطب النفسي منذ أعوام، وأن استدعاءه تم لأن المريضة طلبته بالاسم بعد أن رفضت الحديث مع أي شخص سواه، وهذا الاستدراج هو البوابة التي سيتورّط فيها البطل في رحلته مع المريضة «فريدة» التي تحفّها الأسرار والألغاز.
دائما ما تكون الشخصيات الجديدة في أفلام الأجزاء متصلة هي الطرف الغريب، الذي لا يأمن له الجمهور في قاعة السينما.
نشاهد الظهور الجديد للدكتور «أكرم/إياد نصار»، لكنه مجرد شخصية تقود البطل إلى عالم المستشفى ولا يتطور دوره في الأحداث بصورة كبيرة. في المقابل، تُمثل الشخصية الجديدة «فريدة/هند صبري» المحور الرئيس لدفع الأحداث وتطوها. نحن نعرف يحيى ونثق فيه، لكننا لا نعرف ما الذي تحمله فريدة تلك، ومع تتابع مسارات الأحداث التي تُغذيها الإثارة والرعب نقع في شباك الغموض والشك، في كل اللقاءات بين يحيى والمريضة النفسية فريدة، نطالع المشهد من زاويته هو، لكننا نكتشف لاحقا أن ما نراه في عيونه غير حقيقي وأن فريدة لم تطر في الهواء ولم تسقط على الأرض، كما شاهدنا، وأن يحيى هو من جذبها من ثيابها البيضاء وأسقطها أرضا، هنا تتزايد شكوك المشاهد في سلوك البطل، الذي أضحى غير موثوق فيه، لنأخذ مسافة منه أيضا لمراقبته وفهم ما الذي يحدث بعيدا عنه؟
في مشاهد غرفة العزل التي تقبع فيها فريدة تحدث المواجهة بينها وبين يحيى، يغلب على تلك المشاهد لقطات «كلوز شاط)، التي تقربنا أكثر من الوجوه، هذا القرب والتفحص يترك لنا انطباعات مخيفة عن الشخصيات وبالتحديد فريدة التي أجادتها هند صبري في تجسيد كل تناقضاتها عبر تقلب ملامحها بين الابتسام والانتفاض والجنون والشر. ومن زاوية أخرى فإن كل ما يفعله يحيى هو النظر لها ومطالعتها، وهو ما يوحي على مدار أحداث الفيلم بأهمية فعل النظر لفهم ما الذي يحدث.
السفر عبر الزمن وفك شفرات اللغز
ما زالت «حبوب الفيل الأزرق» هي الأداة السحرية التي تُمكّن يحيى من السفر عبر الزمن وفك شفرات اللغز، ومع تناول ثلاث حبوب سنعرف كل شيء ونتأكد أن «نائل» العفريت أو الجني يفتش عن يحيى ويبحث عنه، وأن كل الإشارات طوال الفيلم تخبرنا بأن جسد يحيى هو الهدف الجديد لنائل ليستقر فيه، وأن يحيى منذ بداية الفيلم هو العدو الأول لنفسه، لا فريدة.
في واحد من الكوابيس، التي تهاجمه في منامه يطارد يحيى نفسه داخل عربة قطار، وفي عراك طويل مع نفسه ينتهي بأن يقضي على نفسه بقبضة دامية، يحل هذا الكابوس انعكاسا للحالة الذهنية والنفسية التي يعيشها البطل، لماذا يواجه نفسه؟ وما طبيعة صراعه الداخلي؟ وهل حياته مدمرة أم أنه مستسلم لواقعه؟ الكثير من التساؤلات التي لن نفسرها ولن يساعدنا إيقاع الفيلم اللاهث على التفكير في إجابتها، لكننا نتأكد أن يحيى، بعيدا عن أمور الجن والعفاريت، يعاني من مشكلة نفسية ما مع نفسه، وأن الرؤية الكاملة ستتضح في آخر مشهد في الفيلم.
عودة إلى فعل النظر وعلاقته بأزمة البطل، سنعرف لاحقا أن الجني «نائل» العدو القديم ليحيى ينتقل إلى جسد فريدة من منطقة ذاتية للغاية وغير متوقعة، وهي النظر إلى المرآة، وهي بطبيعة الحال لكونها امرأة فإن طقسها اليومي يتضمن مطالعة نفسها في المرآة، من ثم اخترق نائل جسدها عبر المرآة، تلك البوابة التي تكشف لنا نفوسنا وأجسادنا.
وبربطنا لنظرية المرآة ورؤية يحيى لنفسه في أحلامه، لتصل بنا خيوط اللغز إلى مشهد النهاية الذي يفيق فيه يحيى ولا يفهم أين هو؟ وما الذي يحدث له؟ ثم يتجه إلى المرآة ليرى نفسه، ثم نعرف أن جسده يكسوه وشم يتحرك كفروع اللبلاب، لنفهم أن نائل احتل جسده، وهي النهاية التي انتهت بها الرواية المقتبسة منها أحداث الجزء الأول من الفيلم.
قد لا تعجب الكثيرين معالجةُ الفيلم – والرواية – لحالات المرض النفسي التي تنتصر للحكاية التقليدية الشعبية المؤمنة بالسحر الأسود والمنكرة للمرض النفسي، لكنه أمر يبعدنا تماما عن مساحة تلقي الفيلم وفق وجهة نظر صُنّاعه، واختيارهم تقديم معالجة تبعد عن الواقع وتحلق في فضاءات الخيال هدفها هنا أن تقدم نوعا سينمائيا غائبا عن السينما المصرية وهو الرعب والتشويق.
في سؤال «القدس العربي» للدكتور هيمن التهامي عن رؤيته للتصنيف النوعي لفيلم «الفيل الأزرق» يرى أنه ينتمي بوضوح إلى سينما الرعب، لكن، تكمن المشكلة في مصدر هذا الرعب، وهو الجني «نائل». يوضح هيمن أن البناء الدرامي لأفلام الرعب يعتمد على وجود وحس (الوحش) الذي يحيلنا سبب وجوده إلى خطيئة ما ارتكبها البطل أو أي شخصية في العالم الدرامي بشكل أو بآخر، وهنا يكتسب الوحش سمة تجعله أكثر قوة من البطل الرئيس الذي سيتحول إلى مجرد رد فعل لما يحدث له في عالمه الخاص، إلى أن ينتهي الحال بكشفه لطبيعة هذا الوحش بشكل كامل والذي يتطرق في الأغلب إلى صراع بهدف ديني بين البطل والوحش وصولا إلى النهاية التي قد ينتصر أو لا ينتصر فيها البطل.
الخطيئة المتسببة في ظهور الجن
ما شاهدناه في الجزء الأول من الفيلم يضعنا في حالة من عدم الوضوح أمام «نائل» الذي لم يكن صاحب خطة واضحة أو يملك قدرات خارقة، وفي المقابل لم يكن يحيى يعاني أي مشكلة دينية تجاه لقائه مع الوحش ينتهي إلى إعادة التفكير في الإيمان، كما أن أصل الخطيئة المتسببة في ظهور الجن، هو السحر الأسود الذي قامت به «ديجا/شيرين رضا» وانتهى الحال في الجزء الأول من الفيلم بنهاية بسيطة وشبه هادئة لنائل، وانتهى الأمر بسهولة لم تكن موفقة.
ربما لم يسر السيناريو في كل خطواته على المسارات المعتادة لمعالجات أفلام الرعب العالمية، لكن استكمال الحكاية في جزء ثان أزال الستار عن غموض مصدر التهديد والرعب في حياة البطل، وكان التركيز الأكبر على أهدافه وجذوره دون الحاجة إلى الإغراق في التعريف بتفاصيل عالم البطل الذي نعرفه، وهو ما تم التعامل معه بحذر وعدم إغراق في الجزء الجديد. لكن مع النهاية المثيرة التي انتهى عليها الفيلم، يُطرح تساؤل: هل سيعمل صُنّاعه على معالجة جديدة لاستكمال القصة في جزء ثالث يضعنا أمام بوابة جديدة من التشويق والرعب النفسي؟ وهل جمهور الفيلم متشوق لمعرفة المصير المجهول لبطل الفيلم «الفيل الأزرق»؟ على صُنّاع الفيلم التفكير مليا قبل الإجابة على هذه الأسئلة، حتى لا يهدموا بأيديهم واحدا من أكثر الأفلام الجماهيرية في الفترة الحالية من صناعة السينما المصرية.