الكتابة الفنية أو الأدبية في الأساس لا تنبت في فراغ، وإنما هي بناء وتشييد على ما سبق، وحلقة متداخلة ومتلاحمة مع حلقات أخرى سابقة، وتحديد قيمة الكتابة الآنية لا تتم إلا من خلال الوعي بالمؤسس السابق، لكي نقيس حجم الإضافة المتحققة، وطبيعة تلك الإضافة، سواء أكانت الإضافة مرتبطة بإيغال في مقاربة ظاهرة أو توجه ما، أو معارضة الظاهرة بشكل ساخر، أو بتشييد أبنية موازية للسابق.
يمكن أن نستحضر في ذلك السياق مفهوم القراءة الضالة أو الخاطئة لهارولد بلوم حيث تعتبر كل كتابة أو كل إبداع جديد إعادة أو إساءة قراءة لنص سابق داخل إطاره النوعي او خارج هذا الإطار النوعي. فالقراءة الضالة أو الخاطئة ليست مشدودة إلى الخطأ أو الضلال بالمعنى المتعارف عليه في التأويل، وإنما مرتبطة بالانفتاح على زوايا جديدة في مقاربة الظاهرة انطلاقا من التغيير الدائم للسياقات الحضارية المختلفة.
إن هذا التصور يجعل لاكتشافات باختين الخاصة بالحوارية، وكذلك فكرة التناص لدى جوليا كريستيفا مشروعية مستمرة ودائمة، خاصة حين يتحرك هذا التداخل بين السابق واللاحق داخل متن أكبر بعيدا عن النصوصية المحدودة التي لا تتجلى إلا في إطار ضيق يبحث عن الأبوة أو المصدر الذي يستحيل الوصول إليه بدقة. حين يتعلق الأمر بتصورات فكرية وتجلياتها من لحظة زمنية إلى أخرى مغايرة يأخذ التناول هنا منحى مغايرا، لا يرتبط بالإنجاز الفردي، سواء في السابق أو الآني أو القادم، وإنما يتعلق بتجليات فكرية، تتأسس لها ملامح فاعلة متباينة مع كل طبقة تتشكل وتصبح صلبة بالتدريج، وتستمر حتى تتأسس رؤية مغايرة تجترح حدودها من نقاطها الحصينة أو الهشة، وذلك من خلال إضافة محددة قائمة على التمدد والنمو في الاتجاه ذاته أو على المغايرة والمعارضة في اتجاه مباين يؤسس وجوده بشكل لافت للنظر.

سطوة النسق وآليات المقاومة
في المجموعة القصصية “رأس مستعمل للبيع” للكاتبة شيرين فتحي تتجاوب كل قصص المجموعة لتشكيل نقطة مركزية واحدة، أو تأطير إطار فكري مشدود إلى النسوي في طبقاته وتحديداته المعرفية السابقة. وهذا التجاوب والتلاحم فيما يخص المناحي الفكرية التي تقاربها كتابة فنية قصص المجموعة تجعل رموزها وإشاراتها الدلالية بها نوع من الهشاشة. ففي القصص إشارات رمزية لأنماط وأنساق مؤسسة سابقا، ولن يشعر القارئ بكبير معاناة في الوصول إلى الدلالة أو الشعور بالإيحاء إلا في بعض القصص التي تشتبك بالخيالي والعجائبي.
في هذه المجموعة هناك فاعلية وحضور لافتان لسطوة النسق، ويدرك المتلقي أنه أمام سيرة كتابية تعيد تحبيك حدودها على سير منضدة سابقا في كتابات الآخرين. ومع سطوة النمط أو النسق نجد أن المرأة في هذه المجموعة بشكل عام مؤطرة داخل عالم يغيبها، يتعامل معها بوصفها شيئا مهملا، يغيب روحها، وفي سياق سطوة ذكورية لا يفكر أصحابها إلا في تحقيق رغباتهم بعيدا عن التفكير في حضور أو غياب رغبة المرأة. تتأسس قيمة القصص في ارتباطها بالمؤسس الذي يجد القارئ نفسه متورطا بمعرفة مسبقة به، مثل معظم الحكايات الشائعة المعروفة والمشدودة للنسوي وتقليم حوافه المستمر، ولكن الجديد في قصص المجموعة يتمثل في إسدال الدهشة، والإيهام بالجدة، فيطالعها القارئ وكأنها جديدة.
في أي عمل فني في العقود الأخيرة، وبعد تجذير فكرة التخصص الفكري بزواياه المختلفة في الكتابة الإبداعية شعرا أم نثرا من خلال تكاتف مجموعة السمات والمظاهر لطرح مقاربة لفكرة محددة، دائما ما يكون هناك قصة أو قصيدة يمكن أن تشكل المركز أو البؤرة أو المنطلق الضوئي الذي يجمع الخيوط والقصص أو القصائد إليه. والوصول إلى تلك القصة يجعل عملية الدخول إلى مقاربة المجموعة بوصفها نطاقا واسعا سهلا. فوعينا بهذا المركز الذي يبدو وكأنه نقطة الضوء التي تشع على بقية الأجزاء يجعلنا نعيد المقاربة وفق توجه جديد.
ففي قصة “دمية” هناك تأسيس لنسق القمع النسوي بجزئياته ومظاهره، فالتعامل من الأنماط الثلاثة – الأم، والزوج، والأولاد التي تشكل المحيط الفاعل للمرأة – يأتي كاشفا عن ارتهانات سابقة، فالأم أو السيدة الكبيرة تقوم بدور التكوين والتطويع لموجبات النسق، ومن ثم تدفعها للانسحاب داخل ذاتها والانزواء داخل حدودها وداخل النسق المحدد الذي تفرضه السياقات الاجتماعية الجاهزة الضاغطة والأعراف، والطفل البالغ- داخل نسقه من البداية – يؤسس للمرحلة التالية، فتصير أكثر إذعانا للاستجابة لتغييب الفاعلية، فانفتاح الوقت – في اللهو بساقيها – يشير إلى تغييب مشاعرها ورغبتها، فليس هناك من جهته استحضار للوجود ومن ثم المشاركة الناتجة عن رغبة، وقد ألحت قصص كثيرة في المجموعة على تلك الفكرة، واختيار العنوان نفسه- الدمية- يأتي كاشفا عن مشروعية المنحى الدلالي.
ويأتي النمط الأخير ممثلا في الأطفال بوصفه مرحلة تالية للمرحلتين السابقتين، وبوصفه إشارة دالة لتحول الاهتمام من الذات إلى الآخر الذي يؤسس بالتدريج هوة واسعة لمحاولة التراجع والانعتاق من سطوة نسق يقمع الروح، للبحث عن صوت وفاعلية. في السطر الأخير من القصة (ولم يبذل أي منهم أي جهد لقراءة تعليمات التشغيل التي كانت معها من البداية) هناك كشف عن أن تعامل الأنماط الثلاثة ينطلق من القوة والجهل، ولم يستحضر أي نمط وجودها أو رغباتها، ولم يبذل أي جهد للوصول إلى روحها التي تجعل مجمل الأفعال السابقة تتجلى بشكل مغاير.
فكل نمط من الأنماط الثلاثة مهموم للاستجابة لمحددات نسقه المولد من سلطته ونوعه، وتاريخ تلك السلطة وأسس ذلك النوع. فقراءة السطر الأخير تشعر القارئ أن هناك استمرارا واستقرارا لنسق الفعل القائم على القهر، فلم تتعب الأم- حارسة استمرار النسق من خلال فعل التطويع والتهيئة- نفسها، ولم يتعب الزوج- ممثل السلطة الذكورية- نفسه، ولم يتعب الأولاد- ممثلو الارتهان للأمر الواقع بنسقه ونسف أي محاولة للتذمر للبحث عن الروح والعودة إليها- أنفسهم ببذل أي جهد للوعي بالحالة، فكل هؤلاء لم يتعبوا أنفسهم للوصول إلى الروح التي تتساوق مع تعليمات التشغيل المشدودة إلى فهم لاحتياجات شديدة الخصوصية والرهافة، هذه الاحتياجات التي ستكون- حتما إذا تم الاهتمام بها- كاشفة عن تجل مغاير يستحضر فعل المشاركة بدلا من القهر والتغييب.
القصة السابقة التي لا تزيد عن سطور قليلة تقوم بفعل الموجه للقراءة، فيلتقط القارئ كل الإشارات الكاشفة لسطوة النسق ومظاهره وأدواته وفاعليته. فالأم في الثقافة العربية بشكل إجمالي – خاصة حين يمتد بها العمر وتصبح في المساحة الفاصلة أو مساحة الريب بين عالمي الرجال والنساء – تتجلى في قصص كثيرة وكأنها حارسة النسق، وتقوم بجهود لافتة لاستمراره، قاتلة أي محاولة خافتة لخرقه أو لزحزحته من مكانه وسطوته، فيستمر النسق فاعلا، يمارس دوره، ليس فقط في الوجود وإنما في تحويل نمط الثوار المناوئين إلى خانعين منضوين في إطاره.
إذا استحضرنا القسيمين الفاعلين (الرجل والمرأة) في قصص المجموعة نجد أننا أمام قسيم له سطوة، بجوار قسيم ذاهب للتناقص والتلاشي، كما في قصة “قابلة للقضم”. فالانطلاق هنا من منطق القوة الذي لا يهمه استحضار أو التفكير في فاعلية القسيم الآخر النسوي المقابل، لأن هذه المشاركة – لو وجدت – تكفل تغييبا لفعل القضم، لأن المشاركة تجعل تجلي الرغبات على بساط متساو، وهي المشاركة التي تكفل لها الوصول إلى لحظة واحدة سحرية استنادا إلى المتخيل النموذجي بالأجزاء المجموعة والمشكلة، كما في قصة “وقطعت أياديهن”، ولكن حضور القوة بعيدا عن تلمس الروح في مقاربة الذكوري للنسوي يكشف عن النتوءات الجسدية بالإضافة لنتوءات الروح التي لا تندمل انطلاقا من حضور قسيم وتغييب قسيم آخر. فالمرأة في قصص المجموعة تتعرض لكل آليات التهميش كما في قصة “حرف الدال” حيث تتحول المرأة إلى (أم فلان أو أم فلانة…) تغييبا لحضورها المختلف علميا.
الذات النسوية في مقاومتها للنسق الضاغط عليها لا تفقد القدرة في استيلاد آليات تتدثر بها للاستمرار، فهذه الذات- بالرغم من هشاشتها وانكسارها وتلاشيها- تبني ملامحها لاستعادة وجودها وللوصول إلى روحها المختفية خلف طبقات التصحر المتراكمة، من هذه الآليات التغيير الواقعي كما في قصة “جميل”. فالتغيير السنوي لألوان دهان الشقة يكفل تغييرا شكليا جزئيا، ولكنه يبقي لهذه الروح مساحة زمنية للتغلب على فكرة الفقد المتواصلة بالنسبة للأم التي تمثل نسقا نسويا سابقا، وبالنسبة للفتاة البطلة الفعلية التي فقدت الكتف التي ترتاح إليه بفعل حصار زوجة الأخ حيث كان التربط بين الشقيقين يهدهد الإحساس بالعنوسة بشكل جزئي. في هذه القصة هناك منطلقان لاستعادة الهدوء وتلمس الروح المتوارية للتغلب على الفقد من جهة الأم، والنقصان من جانب الساردة الفعلية للنص. فالأولى تقوم بتغيير ألوان طلاء الشقة، وإن كان أثر هذه الحركة لا يدوم طويلا، والأخرى تقوم بالانتقال من سياق مكاني إلى سياق آخر لتضع قشرة رهيفة على الجرح المنفتح دائما. فإعادة الطلاء والحركة كلاهما يحمل نوعا من إنعاش وتجديد وإيجاد مزيد من دهشة الفضاء بعيدا عن عالم ساكن آسن بثباته.
تتمثل الآلية الثانية في صناعة العالم الخاص بها، حيث يتاح لها في هذا العالم مساحة قد تكون كافية لمراقبة الروح، واستبقاء نزوعها الفردي حاضرا بعيدا عن الموات المستمر، وربما يكون هذا العالم متجليا بشكل ما في الاستهلال بوصفه نوعا من خطاب الملحقات الذي يوجه عملية القراءة من البداية، ففي الوحدة- داخل هذا العالم المصنوع- تستعيد روحها جزئيا. فحين يقول الاستهلال (كانت تتمنى لو ترك لها مساحة مناسبة اليوم، فمساحة الأمس لم تكفها، كي تتمكن من المرور ما بين حجرات المنزل دون أن تصيبها بعض الخدوش) يشعر المتلقي بحدود العالم المستقطع بعيدا عن حياة طافحة بالعادة والتسليم لسطوة قابضة.
هذا العالم المصنوع يأخذ مدى أكثر حرية حين يتشكل واقعا بعيدا عن حدود الفضاء المشترك، ففي البراح الخارجي يخف الثقل الضاغط، فالارتباط الخاص بالأغاني أو الموسيقي في قصة “رأس مستعمل للبيع” يشير في دلالته الأولى إلى الشخصيات المهزومة التي تستحلب عالمها رثاء وأملا وتشكلا ومراقبة في مداد الأغاني، لأن ميراث الفقد أو النقصان يجعل الإحساس بصداها مغايرا، فالأغاني أو الموسيقى لكل مهزوم باب متخيل للاستقواء والشعور بالنصر. ويشير هذا الارتباط إلى أن هناك حياة مقهورة نائمة تحتاج فقط مثيرا كي تطل برأسها، وأن هناك روحا محبوسة تتوق للحياة والحركة دون محددات وأطر جاهزة وأعراف تعرقل نموها وتشكلها.
في القصة هناك حضور وتجل للنسق وتمدده زمنيا، فحضور الموسيقى أو الغناء- بالرغم من محاولات صاحب السلطة الذكورية القضاء عليها من خلال حشو الرأس بجزئيات حياتية مشدودة للانصياع والارتباط به- يأخذ مظهرا آخر من التجمع الكبير لبعض النساء، والانهماك في الرقص بحثا عن حرية الجسد. وتدرج أعمار النساء في حلبة الرقص يشير إلى حضور النسق تاريخيا(انضمت إليها عدة فتيات، وامرأة مسنة، ركنت عكازها إلى أحد الأعمدة، ودارت معهن بخفة). الرقص هنا يتحول إلى فعل من أفعال الحرية، والقصة هنا ليست معنية بفرد، أو بالبطلة الفعلية للنص، وإنما معنية بجنس حبيس يشعر دائما بتهميشه، ويتوق للحرية والحياة، خاصة بعد فشل عملية الاتكاء على تحويل التوق الطبيعي الجسدي لكل قسيم إلى سلطة مدار شد وجذب. ففي قصة (الملقاط) تتوجه الذات الأنثوية اتجاها مغايرا إثباتا للفاعلية والحضور والتحكم، طالما القسيم الآخر- انطلاقا من قوته وسلطته الممتدة- لا يستحضر فعل المشاركة والوجود، ومن ثم نجد أن هذا (الفعل المقدس) ينغمس في سياق مادي مهموم بتحديد قيمته عند كل نزال، طلبا للقيمة والشعور بفاعلية شكلية، وقدرة على تحريك الفضاء المحيط، ربما يأتي بنتيجة يخرجها من خندق السكون، والتمدد كدب أو دمية بلا روح.
تتمثل الآلية الأخيرة في المراقبة والانتظار لحركة الزمن وتجسيدها المستمر وما تحدثه من خلخلة. فالزمن – بما يسدله من متغيرات كما تجلى في قصة “بالمثل”- يشكل براحا للتحول والانتقام المضاد، فالجلطة أو الغيبوبة التي أصابت الزوج خلخلت التراتب والفاعلية بين القسيمين، بين الموجِه والموجَه، بين المحرك والثابت، ومن ثم تتجلى جزئيات لافتة وكاشفة عن تمثيل الذات بحرية، أولها: الحق في التكلم الذي كان مسلوبا أو مغيبا في السابق، وثانيها: التحكم في طعامه وشرابه، وآخرها: الفاعلية في تشكيل السياق والفضاء والأولاد وتشكل فكرة المعارضة.
حضور العجائبي
الذات الأنثوية خروجا من مأزقها الوجودي الخاص تستخدم في الغالب سلطة المتخيل، للقدرة على الاستمرار، خاصة إذا كان المنحى الكتابي- نسق التحيز ضد المرأة وتغييب حضورها- يرتبط بمنجز سابق في كتابات أجيال مستمرة، سواء أكان ذلك المنجز مشدودا للتجلي العربي، أم مشدودا للتجلي الغربي.
فالتجلي العجائبي في قصص المجموعة أو نسقه السحري مشدود إلى هدفين أساسيين، الأول منهما يرتبط بإسهامات السابقين في هذا المجال، ويأتي العجائبي هنا لإسدال الدهشة التي هو أولى مراتب المعرفة، لأنها تفتح الباب للسؤال عن إمكانية التحقق وصعوبته، أو الوقوع في مساحة الريب بين الواقعي والخيالي، فيغدو العجائبي في ذلك الإطار آلية من آليات إعادة تشكيل المنجز السابق فكريا لدى آخرين، من خلال إضفاء تغييرات تجعل القصة أو الحكاية تتجلى بشكل مغاير يدفع للتساؤل، خاصة إذا تجلى هذا العجائبي مرتبطا بالمعارضة الساخرة.
ينطلق الهدف الأخير من غرابة العالم الذي نعيشه وسطوته القابضة، حيث يتبدى التسليم النمط الأول في التعامل معه، ويأتي العجائبي بوصفه خيارا آخر مباينا للتسليم، لأن الذات بالضرورة مهما كانت- ضعيفة وهشة- قادرة على خلق وسائل حماية تجعل الروح تظل موجودة ودافقة. والعجائبي في ظل هذا الفهم ليس إلا كسرا لنمطية الواقعي بترويضه وتخفيف أثره على الذات، ويكفل لها حرية نابعة من الخيال من خلال توليد حياة موازية تكفل لها الاكتمال والبعد عن النقصان. فهذا العالم الواقعي لا يمكن تحمله، ولا يمكن تحمل ارتكاساته أو محددات أنساقه وقوالبه الجاهزة خاصة مع الكائنات البسيطة الهشة التي تحاول تثبيت روحها في إطار يكفل لها حرية الحركة إلا من خلال التعلق بالعجائبي.
حضور العجائبي في قصص المجموعة لافت للنظر، ويمكن للقارئ أن يقف وقفات تأويلية خاصة مع قصص عديدة، بداية من قصة “موظفون للعالم الآخر”، ومرورا بالقصتين “انتقام” و”ذاكرة هلامية”، وانتهاء بقصة “رأس مستعمل للبيع”. تتوزع وظيفة وجدوى العجائبي في قصص المجموعة إلى وظائف عديدة، تتمثل الوظيفة الأولى في تنضيد وتشكيل فارق واضح بين عالمين، واقعي وعجائبي متخيل، بحيث تبدو الذات في الإطار العجائبي المتخيل منطلقة من قدرتها على الفعل، والحركة والتوجيه والتأثير في الفضاء المحيط، وفي الإطار الوقعي تبدو- الذات نفسها- مسحوقة وفي طريقها للتلاشي.
في قصة “انتقام” يتجلى الخيال المشدود للعجائبي بوصفه الوجه المقابل للواقعي بأنساقه وقوالبه، وكأن القصة تعرض لنا وضع المرأة في إطارين، حيث تطل في واحد منهما منفعلة هشة، تحركها سطوة فاعلة منسجمة ومنطلقة من القوالب الجاهزة والنمطية، وتتحمل في ذلك الإطار الحمولات العديدة انطلاقا من تحديدات وتوصيفات القالب التي تضع الكثير من هذه المتاعب على عاتقها. وتبدو في إطار المتخيل الملتحم بالعجائبي في صورة مغايرة، تحتل مكان الفاعلية، ويطل القسيم المهيمن في الإطار السابق في هيئة أشخاص عديدين متلبسين بالانسحاق كسرا لتحديدات النمط. وكونهم أشخاصا عديدين يجعل مشروعية التأويل الذي افترضناه لمقاربة العمل حاضرة بقوة، فالنسق الجمعي في القسيمين هو مناط الاهتمام، وليس النسق الفردي، وهذا التصور يجعل المجموعة وثيقة الصلة بالتأمل الموضوعي العام بعيدا عن الذاتي الضيق.
لا تقف قيمة العجائبي ووظيفته – كما رأينا في القصة السابقة- عند حدود تنضيد مجالين للحركة، أو إطارين يكفل التوزع بينهما مساحة تقوم بدور ترويضي، بحيث يشعر المتلقي أن هناك مجالا لتخطي الحدود المرسومة بدقة. بل نجد في بعض الأحيان قصصا تتعاظم على وظيفة تنضيد المجالين. على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (ذاكرة هلامية)، فالعجائبي يتجلى في هذه القصة وفق ملمح جديد، ينطلق من حتمية الصراع، ومن أن الحياة الواقعية يمكن أن تستمر لأن هناك نافذة مهمة تسمى الخيال. فالقصة تكشف حدود الصراع المستمر والأبدي بين القسيمين، بالإضافة إلى الكشف عن نتائجه الجسدية من خلال الأصابع على وجه القسيم الأنثوي.
تتمثل دفقة العجائبي- انطلاقا من صعوبة الصراع وأثره- من خلال برمجة خاصة تعيدنا إلى القالب الموروث تنميطا للعلاقة بين القسيمين، فالجملة في بداية القصة التي جاءت من إحدى الزميلات بالمدرسة بعد أن أبصرت أثر العنف الجسدي(أنتِ بحاجة إلى مبرمج جيد)، تعطي تجليا جديدا للعجائبي الذي لا يقف عند حدود الإشارة إلى إطارين، وإنما يتكفل بالقيام بوظيفة أكبر تقوم على المعارضة الساخرة من القسيم الآخر وسلطته.
إن البرمجة- في تحليلها الأخير- ليست إلا الدخول في القالب الساكن الذي يكشف عن التقوقع حول الذات، وغياب الفاعلية، والانسحاق والتسليم تجاه سطوة تقلّم المشاعر والأحاسيس والتوجهات ووجهات النظر، فتتحول المرأة ليست إلى كيان تابع فحسب، بل إلى درجة أشد وطأة ترتبط بالسكون التام، والسير وفق القصور الذاتي.
أما في قصة “رأس مستعمل للبيع”، وهي القصة التي تحركت لأهميتها الفكرية من الداخل لتصبح عنوانا للمجموعة، وكأنها أيقونة دالة على مجمل التوجهات الفكرية والمعرفية، فيأخذ العجائبي منحى خاصا، حيث تصبح الموسيقى أفق الروح وإطارها الخاص يحافظ على وجودها، ولو فكرة سابحة في الفضاء. ولكن سطوة النسق الذكوري تكشف عن فاعلية وجودها من خلال الإشارة إلى كونها مضيعة للوقت، ومن ثم إصدار قرار بالحرمان منها.
ولا يتبقى أمام الذات – في ظل الحضور المانع للموسيقى – سوى الاستماع إليها بحرية أثناء قيادة السيارة، ولكن هذا الوضع يجعلها لا تتفاعل مع الموسيقى جسديا وحركيا كما يجب، ولذلك بدأت هذه الموسيقى المشدودة بالضرورة لحركة الجسد المحبوسة تتجمع في الرأس، وأصبحت تصدر موسيقى أثناء سيرها، وتعود إليها في شكل نوبات تصيبها في المنزل أو الشارع.
تدفق الموسيقى الكاشف عن الروح المحبوسة يكشف عن وسائل الحماية التي تخترعها بداية من هذا التدفق وصولا إلى نوبات محمومة راقصة. ولكن القسيم الآخر لا يقف عاجزا أمام ثورة التغيير، فيقوم بأعمال تدريجية مضادة تبطل عمل الثورة والخروج من القالب، فيحشو هذه الرأس بجواربه القديمة التماسا لفعل تثبيت النسق المشغول باهتمامات حياتية.
العجائبي هنا لا يقف عند فكرة الصراع بين قسيمين، لأن سلطة وقوة الروح تلفظان هذه الجوارب بشدة حتى ترفعها لسقف الحجرة لتسقط على وجهه. فيأتي بفعل أكثر حدة من خلال عرض هذه الرأس للبيع، ويعرض عليها في النهاية أن تعيش بدون رأس، بدون تفكير، لتستمر في قالبها النمطي المحدد الذي يحدد طبيعة حركتها النسق الجاهز.
القصة هنا على هذا النحو لا تقف عند حدود الصراع، وكأن في وجود أحدهما تغييبا للآخر، ولكن من خلال الخطاب العجائبي الذي يتجلى بوصفها خطابا يعارض ويهشم الواقعي، يقدم خطابا قائما على المعارضة الساخرة، تكشف عن انحيازات وارتكاسات الخطاب الذكوري، من خلال تعرية أسسه، وتهشيم مرتكزاته من خلال فضح سلطويته، وأحاديته، والإشارة إلى هشاشته، وحتمية تفتته، لأن الذات قادرة من خلال وسائلها في الالتفاف حوله، وتفريغه من مضمونه الذي لا يخلو من هشاشة.
شيرين فتحي: “رأس مستعمل للبيع“
الهالة للنشر والتوزيع، القاهرة 2019
106 صفحة.