في مجموعته القصصية الأولى «أحلام الدوبلير» للكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان، نجده يجدل ضفيرة ذات خصوصية في كتابة القصة القصيرة، لا يكتفي فيها بالسرد، وإنما يأتي متساوقا ومكوّنا أفكارا تجعل المتلقي يتوقف أمامها طويلا، ويعيد التفكير والنظر خاصة بعد اعتماده على معارضة قصص عالمية تركت أثرها وشكلت وجودها في العقل العربي، من خلال شخصيات تحولت إلى أيقونات في الأدب العالمي مثل شخصية جوزيف ك في «المحاكمة» لكافكا أو شخصية زهرة في «ميرامار» لنجيب محفوظ.
السيرة الذاتية للإنسان
في هذه المجموعة هناك استناد للجانب القدري القامع للحياة بأنماطها وأسسها الضاغطة وقوانينها المشدودة للنهاية الحتمية بداية من لحظة الصحو الأولى، فاللحظة الأولى تحمل بالضرورة اللحظة الأخيرة وتستدعيها. ليس هناك قدرة للانفكاك عن هذا القانون، هناك التسليم والرضوخ، لأن أي محاولة للخروج من محددات هذا القانون ترتد كسيرة. فقراءة المجموعة تكشف عن الشك في صفاء ونصاعة المفاهيم، فالحرية – أو ما نتوهم أنه حرية – سجن، فكل شيء يؤدي إلى نقيضه ويستدعيه.
بداية من العنوان والملاحق النصية قبل كل جزء ندرك أن للأحلام منطقها بوصفها وسيلة للاستمرار بعيدا عن المواجهة الكاشفة عن النقصان، وأن للحياة قوانينها التي لا تستجيب بسهولة لسلطة المتخيل، فقصص المجموعة تدور حول هذا المتخيل من بدايته ومراحل تشكله ونموه، واصطدامه بسطوة الواقع وتلاشيه أو تحوله إلى أنماط مباينة لحال البهاء الأولي الذي تشكل في إطاره، واستمد وجوده من بريقه.
تكشف قصص المجموعة عن وعي بالأفكار التجريدية الخاصة بالأزمة الوجودية، وترتيب القصص نفسه مقصود ومتعمد وكاشف عن ذلك، واختيار النماذج الهامشية الدالة المنعزلة يفتح الباب لتلّقٍ ينطلق من تأمل البنية وتشكيلها. البشر لا ينعزلون إلا عن معرفة ووعي. فالقصص بترتيبها تؤرخ لحياة الإنسان وتوزعه بين أمل يشكله في مرحلة الطفولة، وهي – لاقترابها من الرحم السابق – ترصد الأشياء والوجود وفق وعيها الذي لا يزال على طراوة انسجامه. فبائع الأحلام في القصة الأولى يتماس مع بابا نويل في القصة قبل الأخيرة في كونهما يجعلان المتخيل والواقعي يتداخلان بطريقة خطية، فليس هناك أصل وصورة، وليس هناك شيء يقابله تجل له، وإنما هناك حالة من حالات الانسجام التام شبيهة بالحالة الأولى قبل السقوط.

الذات أو الأنا في تلقيها للعالم تحاول أن تشكل العالم وفق محددات عالمها السابق الذي تملكه من خلال ذاكرة منسجمة، ولكن للحياة قانونها الضاغط الذي نشعر به بداية من مغادرة مرحلة الطفولة، تظل عيوننا مفتوحة على الأحلام أو على المتخيل النموذجي، وتتولد لدينا لأننا قريبو عهد بالانسجام السابق قدرة على تحقيق هذه الأحلام، ثم يتولد لدينا يقين بعد النزال مع الواقع بصعوبة تحقيق هذا المتخيل. ومن خلال هذا اليقين يتولد التحول، ويتشكل التكوين الجديد، فيغدو الفتى الذي كان يشكل أحلامه وفق هواه، إلى مراقب في أسى شفيف، نتيجة لارتباطه بالواقع وخيوطه الضاغطة.
ففي القصص الموضوعة تحت عنوان (باب الأحلام) مثل (دائرة معوجة) و(الحب على رقعة الشطرنج) و(الحفل) تبدو الحوائط المطبقة حاضرة لا تترك مساحة للحركة، ففي قصة (الحفل) يتجلى الشخص القادم من دنيا الأحلام إلى دنيا الواقع بعيدا عن خلق مساحة كافية للاهتمام أو الملاحظة وقت دخوله إلى الحفل أو وقت خروجه، فالراوي في هذا الإطار الواقعي وبعيدا عن دنيا الحلم ليس مؤثرا. فالقصة من خلال بنيتها وارتباطها بالتعدد، والانفتاح في مقابل فرد منزو إلى ذاته تكشف عن هشاشة الفرد في مواجهة العالم، الفرد الذي يأتي إلى الدنيا أو إلى العالم يراقب من بعيد، ويخرج منها دون أثر أو دون وجود ملحوظ. وفي (موت البطل المغوار) يأتي الفعل مشدودا إلى تلك الحالة من الضآلة وعدم القدرة على الفعل والتأثير، فكأن الانفجار المصنوع الذي صنعه البطل للإشارة أو للفت الأنظار ليس إلا محاولة لجعل هذا العالم الكبير يشعر بوجوده.
هذا الصراع بين المتخيل النموذجي بصورته التي ترسمها الذات لآمالها وأحلامها والواقع يؤدي في النهاية إلى تسرّب هذه الأحلام، ومن ثم تغادر طبيعتها من نسق مطروح للتحقيق إلى نسق غير محدد المعالم تفقد فيه الأحلام والآمال هويتها وأطرها المعهودة، وتفقد بوصلة الحركة وطريق الهدف. ففي قصص (باب الكابوس) تتجلى الحياة برمتها كابوسا قائما على الصراع أو التنافس دون هدف، وركضا دون طائل. وهذا الحكم يشمل كل المستويات والطبقات. في قصة (المباراة) تتأسس بنية النص على فكرة الصراع داخل ملعب لكرة القدم، يحتوي على الركض والصراع دون هدف، دون كرة تركلها الأقدام، ودون إدراك إلى أي فريق ينتمي البطل، مما يكشف عن أن الملعب هنا يغادر دلالته البسيطة ليلتحم بدلالة أعمق تتعلق بالوجود والحياة المرتبطة بالتعب والعناء دون هدف واضح، فالقانون الوجودي يحسمها لنتيجة محددة سلفا.
ولكي تكتمل حدود هذه المأساة أو الكابوس، لا تقف حدود النسق المطبق عند أطرها الوجودية، وإنما يتشكل في إطارها نوع آخر لا يقل حدة وعنفا يتمثل في السلطة البشرية بأنماطها المختلفة التي تمارس دورها، وتؤسس وجودها بشكل لا يخلو من قداسة في صب الجميع في قوالب جاهزة وحركات محسوبة بدقة. ففي قصة (نقطة التفتيش) تتساوق المأساة الوجودية مع المأساة الحياتية المرتبطة بفاعلية السلطة في تحديد طبيعة الحركة، ومراقبة الآخرين، والاطمئنان إلى ثبات النسق وفاعليته المستمرة في القضاء على أي بادرة خروج من خلال رجل الشرطة الذي يمارس دوره في التفتيش وتحسس الأماكن التي يمكن أن يتوارى فيه الشر.
في قصته (الكفالة) المعارضة لقصة المحاكمة لكافكا المرتبطة بالسؤال الوجودي و والنقصان بداية من الخطيئة الأولى لا يتوقف النص عند حدود ذلك التأويل وإنما يؤسس النص مرتكزاته منطلقا من طبيعة تغوّل السلطة ونعومتها، فهذه النعومة تعطيها سمة التوجيه وكأنه محايدة بشكل موضوعي، ولكنها في الحقيقة تشعرك في كل لحظة بالضآلة وتجبرك على السير في دروب محددة سلفا.
إذا كانت قصة كافكا تتحرك في إطار دلالي يرتبط بعبثية الحياة أو العدمية، وتتحرك أيضا في بعض التأويلات إلى نفي البراءة عن الإنسان، فهو يحمل بين ضلوعه – ارتباطا بذنب آدم – ذلك الإحساس الأولي بالخطيئة، فهو على امتداد حياته لا يفارقه الشعور بالذنب، فإن نص الكفالة مهموم بمقاربة طبيعة السلطة، ويعيد زحزحة المفاهيم، وتبدل الأدوار وتشابهها في النتيجة.
دوائر الدوبلير
في ظل الفهم السابق من التباين الواضح بين المتخيل النموذجي والمتحقق الواقعي، وفي ظل حضور عنوان المجموعة «أحلام الدوبلير»، وحضور المغايرة المقصودة في عنوان القصة بداخلها (هياج الدوبلير)، والقيام بفعل يحركه من الصورة إلى الأصل من الهامشية إلى البطولة من خلال قتل البطل، تتشكل في المجموعة دلالات خاصة مرتبطة بثنائيات ظل لها وجود، بداية من النزوع نحو هذا المتخيل والتجذر في الواقع، ومرورا بالأصل والصورة أمام زجاج البنك، وتحول الصورة المقابلة في بعض الأحيان لتصبح شبيهة ببابا نويل.
في كل قصص المجموعة هناك فاصل وتباين بين المتخيل والواقع، بين صورة الذات المتحققة فعلا وتمثالها المتخيل الذي تفقد الذات في طريقها إليه أشياء، وتكتسب أشياء أخرى. فالذات لتعلقها بنموذج متخيل تفقد سماتها المثالية، وتكتسب سمات ترتبط بالمطاوعة للوصول للهدف المرتجى. يمكن للمتلقي أن يعاين هذا الفارق، وأن يتوقف أمام التشوهات التي تصيب الصورة النموذجية المتخيلة فهذه التشوهات المتحققة هي في كل حالة إشارة أو رمز لحالة من حالات الصور أو تشكل حالة الدوبلير في معناه الواسع، فالدوبلير ليس بديلا لبطل ويحتل مكانة أدنى فقط، وإنما هو دال لكل حالات القصور أو العجز أو الهزيمة على المستوى الفردي أو الجماعي.
إذا توقفنا عند قصة تتماس مع شخصية زهرة في رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، من خلال قصة (الفصل المنسي) في الجزء الأخير الكاشف عن اختلاط الأحلام بالكوابيس، نجد التباين السابق واضحا بين صورتين لزهرة، الأولى متطلعة ما زالت تؤمن بالأمل وبقدرتها على تحقيقه كما في رواية محفوظ، والأخرى مهزومة كسيرة.
لا تخلو قصة (الفصل المنسي) في تصويرها لزهرة من المقارنة بين توجهين، ونتائج السير في واحد منهما دون الآخر، فزهرة – في نص نجيب محفوظ – لم تفقد إيمانها بتفوقها بالرغم من الهزيمة، وظلت على قناعاتها وإيمانها وتطلعها، بينما تلمع في الخلفية صورة سرحان البحيري بسماته الخاصة – هو الوحيد من بين الرواة أو الشخصيات التي اقتربت منه عاطفيا – في التحول من كونه وفديا إلى منتم إلى الاتحاد الاشتراكي، مما يكشف عن سلوك مملوء بالانتهازية. يلتقط الكاتب هذا الخيط – الثبات على المبدأ – ليقارن بين سلوك شخصيتين، إحداهما تتماس مع تشكلات الهوية، والأخرى يوكل إليها أو إلى الشخصيات الشبيهة عملية القيادة لإجادتها المطاوعة والحركة، وفي هذا تفسير للحالة التي انتهت إليها زهرة من حركة روتينية أقرب إلى الثبات، أشبه بالقصور الذاتي، فقد تلاشت الآمال والأحلام، وتحولت واختلطت بالكوابيس، وفقدت قدرتها على الصراع، وقدرتها على التعلق بالمتخيل.
تتعدد في قصص المجموعة صور الدوبلير، منها الحياة التي نحياها الكاشفة عن التشتت والتشظي وغياب الهدف مقابل حياة الانسجام قبل السقوط، والصورة من كل شيء مقابل الأصل المتعين المحدّد، والمتحقق من كل شيء مقابل المثالي المكلّل بالبهاء أو الخيالي الجميل، والشخصية (في القصة شخصية ممثل في سن كبيرة) المملوءة بالأخاديد في مقابل بابا نويل أو بائع الأحلام، الدوبلير – الشخص المحدد في القصة – في مقابل البطل، والصورة التي ننتهي إليها في مقابل التمثال الذي نظل نلهث وراءه.
«أحلام الدوبلير» مجموعة قصصية لا تخلو من مدارات فكرية باستنادها إلى معارضة كتابية لسابقين لهم دور في إثارة هذه الأفكار والارتباط بها مثل كافكا ومحفوظ، والمجموعة مهمومة بالذات وأسئلتها الوجودية المرتبطة بالكون والوجود، وبقيمة المتخيل ودوره في تشكيل حركة الذات الدائبة ولهاثها، أو وقوفها مستكينة بقصورها الذاتي في انزلاقها إلى نهايتها المحددة سلفا، والمشدودة إلى سياجات جاهزة.
أحمد عبد المنعم رمضان: «أحلام الدوبلير»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2018
122 صفحة.