القاص‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المنعم‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬الدوبلير‮»‬‭:‬ السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬للإنسان‭ ‬والخطيئة‭ ‬الأولى

عادل‭ ‬ضرغام
حجم الخط
0

في‭ ‬مجموعته‭ ‬القصصية‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬الدوبلير‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬أحمد‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬رمضان،‭ ‬نجده‭ ‬يجدل‭ ‬ضفيرة‭ ‬ذات‭ ‬خصوصية‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬فيها‭ ‬بالسرد،‭ ‬وإنما‭ ‬يأتي‭ ‬متساوقا‭ ‬ومكوّنا‭ ‬أفكارا‭ ‬تجعل‭ ‬المتلقي‭ ‬يتوقف‭ ‬أمامها‭ ‬طويلا،‭ ‬ويعيد‭ ‬التفكير‭ ‬والنظر‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬معارضة‭ ‬قصص‭ ‬عالمية‮ ‬تركت‭ ‬أثرها‭ ‬وشكلت‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخصيات‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أيقونات‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬مثل‭ ‬شخصية‭ ‬جوزيف‭ ‬ك‭ ‬في‭ ‬‮«‬المحاكمة‮»‬‭ ‬لكافكا‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬زهرة‭ ‬في‭ ‬‮«‬ميرامار‮»‬‭ ‬لنجيب‭ ‬محفوظ‭.‬
السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬للإنسان
في‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬هناك‭ ‬استناد‭ ‬للجانب‭ ‬القدري‭ ‬القامع‭ ‬للحياة‭ ‬بأنماطها‭ ‬وأسسها‭ ‬الضاغطة‭ ‬وقوانينها‭ ‬المشدودة‭ ‬للنهاية‭ ‬الحتمية‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬الصحو‭ ‬الأولى،‭ ‬فاللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬تحمل‭ ‬بالضرورة‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وتستدعيها‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬قدرة‭ ‬للانفكاك‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬هناك‭ ‬التسليم‭ ‬والرضوخ،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬محددات‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬ترتد‭ ‬كسيرة‭. ‬فقراءة‭ ‬المجموعة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬صفاء‭ ‬ونصاعة‭ ‬المفاهيم،‭ ‬فالحرية‭ – ‬أو‭ ‬ما‭ ‬نتوهم‭ ‬أنه‭ ‬حرية‭ – ‬سجن،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نقيضه‭ ‬ويستدعيه‭.‬
بداية‭ ‬من‭ ‬العنوان‭ ‬والملاحق‭ ‬النصية‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬للأحلام‭ ‬منطقها‭ ‬بوصفها‭ ‬وسيلة‭ ‬للاستمرار‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المواجهة‭ ‬الكاشفة‭ ‬عن‭ ‬النقصان،‭ ‬وأن‭ ‬للحياة‭ ‬قوانينها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬بسهولة‭ ‬لسلطة‭ ‬المتخيل،‭ ‬فقصص‭ ‬المجموعة‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المتخيل‭ ‬من‭ ‬بدايته‭ ‬ومراحل‭ ‬تشكله‭ ‬ونموه،‭ ‬واصطدامه‭ ‬بسطوة‭ ‬الواقع‭ ‬وتلاشيه‭ ‬أو‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬مباينة‭ ‬لحال‭ ‬البهاء‭ ‬الأولي‭ ‬الذي‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬إطاره،‭ ‬واستمد‭ ‬وجوده‭ ‬من‭ ‬بريقه‭.‬
تكشف‭ ‬قصص‭ ‬المجموعة‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬بالأفكار‭ ‬التجريدية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأزمة‭ ‬الوجودية،‭ ‬وترتيب‭ ‬القصص‭ ‬نفسه‭ ‬مقصود‭ ‬ومتعمد‭ ‬وكاشف‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬واختيار‭ ‬النماذج‭ ‬الهامشية‭ ‬الدالة‭ ‬المنعزلة‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لتلّقٍ‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تأمل‭ ‬البنية‭ ‬وتشكيلها‭. ‬البشر‭ ‬لا‭ ‬ينعزلون‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬ووعي‭. ‬فالقصص‭ ‬بترتيبها‭ ‬تؤرخ‭ ‬لحياة‭ ‬الإنسان‭ ‬وتوزعه‭ ‬بين‭ ‬أمل‭ ‬يشكله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة،‭ ‬وهي‭ ‬–‭ ‬لاقترابها‭ ‬من‭ ‬الرحم‭ ‬السابق‭ – ‬ترصد‭ ‬الأشياء‭ ‬والوجود‭ ‬وفق‭ ‬وعيها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬طراوة‭ ‬انسجامه‭. ‬فبائع‭ ‬الأحلام‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬الأولى‭ ‬يتماس‭ ‬مع‭ ‬بابا‭ ‬نويل‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬قبل‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬كونهما‭ ‬يجعلان‭ ‬المتخيل‭ ‬والواقعي‭ ‬يتداخلان‭ ‬بطريقة‭ ‬خطية،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬أصل‭ ‬وصورة،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬يقابله‭ ‬تجل‭ ‬له،‭ ‬وإنما‭ ‬هناك‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الانسجام‭ ‬التام‭ ‬شبيهة‭ ‬بالحالة‭ ‬الأولى‭ ‬قبل‭ ‬السقوط‭.‬


الذات‭ ‬أو‭ ‬الأنا‭ ‬في‭ ‬تلقيها‭ ‬للعالم‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬العالم‭ ‬وفق‭ ‬محددات‭ ‬عالمها‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذاكرة‭ ‬منسجمة،‭ ‬ولكن‭ ‬للحياة‭ ‬قانونها‭ ‬الضاغط‭ ‬الذي‭ ‬نشعر‭ ‬به‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬مغادرة‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة،‭ ‬تظل‭ ‬عيوننا‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬الأحلام‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المتخيل‭ ‬النموذجي،‭ ‬وتتولد‭ ‬لدينا‭ ‬لأننا‭ ‬قريبو‭ ‬عهد‭ ‬بالانسجام‭ ‬السابق‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأحلام،‭ ‬ثم‭ ‬يتولد‭ ‬لدينا‭ ‬يقين‭ ‬بعد‭ ‬النزال‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬بصعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬المتخيل‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬يتولد‭ ‬التحول،‭ ‬ويتشكل‭ ‬التكوين‭ ‬الجديد،‭ ‬فيغدو‭ ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬أحلامه‭ ‬وفق‭ ‬هواه،‭ ‬إلى‭ ‬مراقب‭ ‬في‭ ‬أسى‭ ‬شفيف،‭ ‬نتيجة‭ ‬لارتباطه‭ ‬بالواقع‭ ‬وخيوطه‭ ‬الضاغطة‭.‬
ففي‭ ‬القصص‭ ‬الموضوعة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ (‬باب‭ ‬الأحلام‭) ‬مثل‭ (‬دائرة‭ ‬معوجة‭) ‬و‭(‬الحب‭ ‬على‭ ‬رقعة‭ ‬الشطرنج‭) ‬و‭(‬الحفل‭) ‬تبدو‭ ‬الحوائط‭ ‬المطبقة‭ ‬حاضرة‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬مساحة‭ ‬للحركة،‭ ‬ففي‭ ‬قصة‭ (‬الحفل‭) ‬يتجلى‭ ‬الشخص‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬دنيا‭ ‬الأحلام‭ ‬إلى‭ ‬دنيا‭ ‬الواقع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬مساحة‭ ‬كافية‭ ‬للاهتمام‭ ‬أو‭ ‬الملاحظة‭ ‬وقت‭ ‬دخوله‭ ‬إلى‭ ‬الحفل‭ ‬أو‭ ‬وقت‭ ‬خروجه،‭ ‬فالراوي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الواقعي‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬دنيا‭ ‬الحلم‭ ‬ليس‭ ‬مؤثرا‭. ‬فالقصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بنيتها‭ ‬وارتباطها‭ ‬بالتعدد،‭ ‬والانفتاح‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬فرد‭ ‬منزو‭ ‬إلى‭ ‬ذاته‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العالم،‭ ‬الفرد‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬الدنيا‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬يراقب‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬ويخرج‭ ‬منها‭ ‬دون‭ ‬أثر‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬ملحوظ‭. ‬وفي‭ (‬موت‭ ‬البطل‭ ‬المغوار‭) ‬يأتي‭ ‬الفعل‭ ‬مشدودا‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الضآلة‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬والتأثير،‭ ‬فكأن‭ ‬الانفجار‭ ‬المصنوع‭ ‬الذي‭ ‬صنعه‭ ‬البطل‭ ‬للإشارة‭ ‬أو‭ ‬للفت‭ ‬الأنظار‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬محاولة‭ ‬لجعل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الكبير‭ ‬يشعر‭ ‬بوجوده‭.‬
هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬المتخيل‭ ‬النموذجي‭ ‬بصورته‭ ‬التي‭ ‬ترسمها‭ ‬الذات‭ ‬لآمالها‭ ‬وأحلامها‭ ‬والواقع‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬تسرّب‭ ‬هذه‭ ‬الأحلام،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تغادر‭ ‬طبيعتها‭ ‬من‭ ‬نسق‭ ‬مطروح‭ ‬للتحقيق‭ ‬إلى‭ ‬نسق‭ ‬غير‭ ‬محدد‭ ‬المعالم‭ ‬تفقد‭ ‬فيه‭ ‬الأحلام‭ ‬والآمال‭ ‬هويتها‭ ‬وأطرها‭ ‬المعهودة،‭ ‬وتفقد‭ ‬بوصلة‭ ‬الحركة‭ ‬وطريق‭ ‬الهدف‭. ‬ففي‭ ‬قصص‭ (‬باب‭ ‬الكابوس‭) ‬تتجلى‭ ‬الحياة‭ ‬برمتها‭ ‬كابوسا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬الصراع‭ ‬أو‭ ‬التنافس‭ ‬دون‭ ‬هدف،‭ ‬وركضا‭ ‬دون‭ ‬طائل‭. ‬وهذا‭ ‬الحكم‭ ‬يشمل‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬والطبقات‭. ‬في‭ ‬قصة‭ (‬المباراة‭) ‬تتأسس‭ ‬بنية‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الصراع‭ ‬داخل‭ ‬ملعب‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬الركض‭ ‬والصراع‭ ‬دون‭ ‬هدف،‭ ‬دون‭ ‬كرة‭ ‬تركلها‭ ‬الأقدام،‭ ‬ودون‭ ‬إدراك‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬فريق‭ ‬ينتمي‭ ‬البطل،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الملعب‭ ‬هنا‭ ‬يغادر‭ ‬دلالته‭ ‬البسيطة‭ ‬ليلتحم‭ ‬بدلالة‭ ‬أعمق‭ ‬تتعلق‭ ‬بالوجود‭ ‬والحياة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتعب‭ ‬والعناء‭ ‬دون‭ ‬هدف‭ ‬واضح،‭ ‬فالقانون‭ ‬الوجودي‭ ‬يحسمها‭ ‬لنتيجة‭ ‬محددة‭ ‬سلفا‭.‬
ولكي‭ ‬تكتمل‭ ‬حدود‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬أو‭ ‬الكابوس،‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬حدود‭ ‬النسق‭ ‬المطبق‭ ‬عند‭ ‬أطرها‭ ‬الوجودية،‭ ‬وإنما‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬حدة‭ ‬وعنفا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬البشرية‭ ‬بأنماطها‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬دورها،‭ ‬وتؤسس‭ ‬وجودها‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬قداسة‭ ‬في‭ ‬صب‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬جاهزة‭ ‬وحركات‭ ‬محسوبة‭ ‬بدقة‭. ‬ففي‭ ‬قصة‭ (‬نقطة‭ ‬التفتيش‭) ‬تتساوق‭ ‬المأساة‭ ‬الوجودية‭ ‬مع‭ ‬المأساة‭ ‬الحياتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفاعلية‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬الحركة،‭ ‬ومراقبة‭ ‬الآخرين،‭ ‬والاطمئنان‭ ‬إلى‭ ‬ثبات‭ ‬النسق‭ ‬وفاعليته‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬بادرة‭ ‬خروج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رجل‭ ‬الشرطة‭ ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬التفتيش‭ ‬وتحسس‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوارى‭ ‬فيه‭ ‬الشر‭.‬
في‭ ‬قصته‭ (‬الكفالة‭) ‬المعارضة‭ ‬لقصة‭ ‬المحاكمة‭ ‬لكافكا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسؤال‭ ‬الوجودي‭ ‬و‭ ‬والنقصان‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬الخطيئة‭ ‬الأولى‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬النص‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬ذلك‭ ‬التأويل‭ ‬وإنما‭ ‬يؤسس‭ ‬النص‭ ‬مرتكزاته‭ ‬منطلقا‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬تغوّل‭ ‬السلطة‭ ‬ونعومتها،‭ ‬فهذه‭ ‬النعومة‭ ‬تعطيها‭ ‬سمة‭ ‬التوجيه‭ ‬وكأنه‭ ‬محايدة‭ ‬بشكل‭ ‬موضوعي،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تشعرك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬بالضآلة‭ ‬وتجبرك‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬محددة‭ ‬سلفا‭.‬
إذا‭ ‬كانت‭ ‬قصة‭ ‬كافكا‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬دلالي‭ ‬يرتبط‭ ‬بعبثية‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬العدمية،‭ ‬وتتحرك‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التأويلات‭ ‬إلى‭ ‬نفي‭ ‬البراءة‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬فهو‭ ‬يحمل‭ ‬بين‭ ‬ضلوعه‭ – ‬ارتباطا‭ ‬بذنب‭ ‬آدم‭ – ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الأولي‭ ‬بالخطيئة،‭ ‬فهو‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬حياته‭ ‬لا‭ ‬يفارقه‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب،‭ ‬فإن‭ ‬نص‭ ‬الكفالة‭ ‬مهموم‭ ‬بمقاربة‭ ‬طبيعة‭ ‬السلطة،‭ ‬ويعيد‭ ‬زحزحة‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وتبدل‭ ‬الأدوار‭ ‬وتشابهها‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭.‬

دوائر‭ ‬الدوبلير
في‭ ‬ظل‭ ‬الفهم‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬التباين‭ ‬الواضح‭ ‬بين‭ ‬المتخيل‭ ‬النموذجي‭ ‬والمتحقق‭ ‬الواقعي،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬حضور‭ ‬عنوان‭ ‬المجموعة‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬الدوبلير‮»‬،‭ ‬وحضور‭ ‬المغايرة‭ ‬المقصودة‭ ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬القصة‭ ‬بداخلها‭ (‬هياج‭ ‬الدوبلير‭)‬،‭ ‬والقيام‭ ‬بفعل‭ ‬يحركه‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬من‭ ‬الهامشية‭ ‬إلى‭ ‬البطولة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قتل‭ ‬البطل،‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭ ‬دلالات‭ ‬خاصة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بثنائيات‭ ‬ظل‭ ‬لها‭ ‬وجود،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬النزوع‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬المتخيل‭ ‬والتجذر‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬ومرورا‭ ‬بالأصل‭ ‬والصورة‭ ‬أمام‭ ‬زجاج‭ ‬البنك،‭ ‬وتحول‭ ‬الصورة‭ ‬المقابلة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬لتصبح‭ ‬شبيهة‭ ‬ببابا‭ ‬نويل‭.‬
في‭ ‬كل‭ ‬قصص‭ ‬المجموعة‭ ‬هناك‭ ‬فاصل‭ ‬وتباين‭ ‬بين‭ ‬المتخيل‭ ‬والواقع،‭ ‬بين‭ ‬صورة‭ ‬الذات‭ ‬المتحققة‭ ‬فعلا‭ ‬وتمثالها‭ ‬المتخيل‭ ‬الذي‭ ‬تفقد‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إليه‭ ‬أشياء،‭ ‬وتكتسب‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭. ‬فالذات‭ ‬لتعلقها‭ ‬بنموذج‭ ‬متخيل‭ ‬تفقد‭ ‬سماتها‭ ‬المثالية،‭ ‬وتكتسب‭ ‬سمات‭ ‬ترتبط‭ ‬بالمطاوعة‭ ‬للوصول‭ ‬للهدف‭ ‬المرتجى‭. ‬يمكن‭ ‬للمتلقي‭ ‬أن‭ ‬يعاين‭ ‬هذا‭ ‬الفارق،‭ ‬وأن‭ ‬يتوقف‭ ‬أمام‭ ‬التشوهات‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الصورة‭ ‬النموذجية‭ ‬المتخيلة‭ ‬فهذه‭ ‬التشوهات‭ ‬المتحققة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬إشارة‭ ‬أو‭ ‬رمز‭ ‬لحالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الصور‭ ‬أو‭ ‬تشكل‭ ‬حالة‭ ‬الدوبلير‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬الواسع،‭ ‬فالدوبلير‭ ‬ليس‭ ‬بديلا‭ ‬لبطل‭ ‬ويحتل‭ ‬مكانة‭ ‬أدنى‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬دال‭ ‬لكل‭ ‬حالات‭ ‬القصور‭ ‬أو‭ ‬العجز‭ ‬أو‭ ‬الهزيمة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي‭ ‬أو‭ ‬الجماعي‭.‬
إذا‭ ‬توقفنا‭ ‬عند‭ ‬قصة‭ ‬تتماس‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬زهرة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬ميرامار‮»‬‭ ‬لنجيب‭ ‬محفوظ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصة‭ (‬الفصل‭ ‬المنسي‭) ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأخير‭ ‬الكاشف‭ ‬عن‭ ‬اختلاط‭ ‬الأحلام‭ ‬بالكوابيس،‭ ‬نجد‭ ‬التباين‭ ‬السابق‭ ‬واضحا‭ ‬بين‭ ‬صورتين‭ ‬لزهرة،‭ ‬الأولى‭ ‬متطلعة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تؤمن‭ ‬بالأمل‭ ‬وبقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيقه‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬محفوظ،‭ ‬والأخرى‭ ‬مهزومة‭ ‬كسيرة‭.‬
لا‭ ‬تخلو‭ ‬قصة‭ (‬الفصل‭ ‬المنسي‭) ‬في‭ ‬تصويرها‭ ‬لزهرة‭ ‬من‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬توجهين،‭ ‬ونتائج‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬دون‭ ‬الآخر،‭ ‬فزهرة‭ – ‬في‭ ‬نص‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ – ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬إيمانها‭ ‬بتفوقها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وظلت‭ ‬على‭ ‬قناعاتها‭ ‬وإيمانها‭ ‬وتطلعها،‭ ‬بينما‭ ‬تلمع‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬صورة‭ ‬سرحان‭ ‬البحيري‭ ‬بسماته‭ ‬الخاصة‭ – ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الرواة‭ ‬أو‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬اقتربت‭ ‬منه‭ ‬عاطفيا‭ – ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬وفديا‭ ‬إلى‭ ‬منتم‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬سلوك‭ ‬مملوء‭ ‬بالانتهازية‭. ‬يلتقط‭ ‬الكاتب‭ ‬هذا‭ ‬الخيط‭ – ‬الثبات‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭ – ‬ليقارن‭ ‬بين‭ ‬سلوك‭ ‬شخصيتين،‭ ‬إحداهما‭ ‬تتماس‭ ‬مع‭ ‬تشكلات‭ ‬الهوية،‭ ‬والأخرى‭ ‬يوكل‭ ‬إليها‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الشخصيات‭ ‬الشبيهة‭ ‬عملية‭ ‬القيادة‭ ‬لإجادتها‭ ‬المطاوعة‭ ‬والحركة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬تفسير‭ ‬للحالة‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬إليها‭ ‬زهرة‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬روتينية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الثبات،‭ ‬أشبه‭ ‬بالقصور‭ ‬الذاتي،‭ ‬فقد‭ ‬تلاشت‭ ‬الآمال‭ ‬والأحلام،‭ ‬وتحولت‭ ‬واختلطت‭ ‬بالكوابيس،‭ ‬وفقدت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصراع،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التعلق‭ ‬بالمتخيل‭.‬
تتعدد‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬المجموعة‭ ‬صور‭ ‬الدوبلير،‭ ‬منها‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬نحياها‭ ‬الكاشفة‭ ‬عن‭ ‬التشتت‭ ‬والتشظي‭ ‬وغياب‭ ‬الهدف‭ ‬مقابل‭ ‬حياة‭ ‬الانسجام‭ ‬قبل‭ ‬السقوط،‭ ‬والصورة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مقابل‭ ‬الأصل‭ ‬المتعين‭ ‬المحدّد،‭ ‬والمتحقق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مقابل‭ ‬المثالي‭ ‬المكلّل‭ ‬بالبهاء‭ ‬أو‭ ‬الخيالي‭ ‬الجميل،‭ ‬والشخصية‭ (‬في‭ ‬القصة‭ ‬شخصية‭ ‬ممثل‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬كبيرة‭) ‬المملوءة‭ ‬بالأخاديد‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬بابا‭ ‬نويل‭ ‬أو‭ ‬بائع‭ ‬الأحلام،‭ ‬الدوبلير‭ – ‬الشخص‭ ‬المحدد‭ ‬في‭ ‬القصة‭ – ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬البطل،‭ ‬والصورة‭ ‬التي‭ ‬ننتهي‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬التمثال‭ ‬الذي‭ ‬نظل‭ ‬نلهث‭ ‬وراءه‭.‬
‮«‬أحلام‭ ‬الدوبلير‮»‬‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬مدارات‭ ‬فكرية‭ ‬باستنادها‭ ‬إلى‭ ‬معارضة‭ ‬كتابية‭ ‬لسابقين‭ ‬لهم‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬إثارة‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬والارتباط‭ ‬بها‭ ‬مثل‭ ‬كافكا‭ ‬ومحفوظ،‭ ‬والمجموعة‭ ‬مهمومة‭ ‬بالذات‭ ‬وأسئلتها‭ ‬الوجودية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكون‭ ‬والوجود،‭ ‬وبقيمة‭ ‬المتخيل‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬حركة‭ ‬الذات‭ ‬الدائبة‭ ‬ولهاثها،‭ ‬أو‭ ‬وقوفها‭ ‬مستكينة‭ ‬بقصورها‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬انزلاقها‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها‭ ‬المحددة‭ ‬سلفا،‭ ‬والمشدودة‭ ‬إلى‭ ‬سياجات‭ ‬جاهزة‭.‬
‮ ‬
أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المنعم‭ ‬رمضان‭: ‬‮«‬أحلام‭ ‬الدوبلير‮»‬
الهيئة‭ ‬المصرية‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب،‭ ‬القاهرة‭ ‬2018
122‭ ‬صفحة‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية