لا ينكر الخبراء والمراقبون ان الدولة المصرية عاشت ردحاً طويلاً من الزمن أسيرة تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أمضت سنوات أخرى قبل ذلك متحالفةً خارجياً مع المعسكر الاشتراكي المعادي لواشنطن، في ما عرف بحقبة الحرب الباردة، حدث هذا التحول عام 1974 بعد أن اقتنع الرئيس الأسبق أنور السادات – لظروف دولية محددة – أن 99 ‘ من أوراق اللعبة السياسية في الشرق الأوسط بيد واشنطن. هذا التحالف التعاقدي مع الولايات المتحدة الأمريكية اتسع وتعمق بعد وفاة السادات وحتى قيام ثورة يناير 2011، ورغم التفكك الذي لحق بالإمبراطورية السوفييتية، إلا أن عوامل التقارب مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة ظلت هي المؤثر الفعال في منظومة السياسة الخارجية المصرية، بينما حرصت موسكو على الالتزام بمتطلبات التعاون العسكري مع القاهرة، ربما لهذا السبب لم تقطع العلاقات بين الطرفين أو تُجمد على امتداد أكثر من ثلاثة عقود. الملاحظة التي يجب الالتفات إليها أنه، في أعقاب ثورة 30 يونيو مال المزاج المصري الشعبي والرسمي إلى إستعادة أجواء المودة والتعاون بين نظام حكمه والنظام الحاكم في روسيا، بعد أن كشفت واشنطن عن موقفها المعادي للمجتمع المصري وثورته، من خلال إصراراها على وصف ما جرى بأنه انقلاب من ناحية، وحرصها المعلن من ناحية أخرى على دعم ما تنادي به جماعة الإخوان بعودة الشرعية، ليس حبا فيها ـ أي الجماعة – ولكن دفاعاً عن مصالحها التي كان الطرفان قد اتفقا عليها ضمن عدد من الصفقات التي أبرمت بينهما. لذا لم يكن مستغرباً أن يتوافق التقدير الشعبي المصري مع الرؤية التي تبنتها وزارة الخارجية، حول أهمية خروج الدولة المصرية من إشكالية علاقتها بواشنطن، خاصة بعد أن جمدت إدارة الرئيس أوباما المعونة العسكرية للعام الحالي لحين التأكد من أن خارطة الطريق تسير في مسارها الديمقراطي المُعلن بمشاركة كافة القوى السياسية. من هنا يمكن القول ان زيارة وزير الخارجية الأمريكية المفاجئة للقاهرة ـ لبضع ساعات ـ يوم 3 الجاري ضمن جولته في عدد من العواصم العربية، كانت لتأكيد أن الشراكة مع مصر مسألة محورية ضمن خيوط إستراتيجية بلاده، لا يمكن التفريط فيها، وأن الفتور الحالي بين الطرفين مسألة وقتية سرعان ما يتم تجاوزها، وأن المعونات العسكرية ستستأنف فور إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية القادمة. عكست الزيارة مدى تأخر واشنطن في استيعاب حق الشعب المصري في القيام بثورة تصحيح لما وقع فيه من خطأ، عندما ارتكن فقط الى صندوق الانتخاب لكي يحقق أهداف ثورة يناير 2011، وخطيئتها في استنتاج وفهم أن الأسلوب العقابي لا يجدي معه، واقتناعها بعد أخذ ورد كبيرين على مستويات متعددة، بأن الخسارة التي لحقت بغالبيته بعد عام واحد فقط من وقوعه تحت حكم جماعة الاخوان كانت هائلة وباهظة التكاليف داخلياً وخارجياً. قد يكون صحيحاً أن الفهم الأمريكي لما جرى ولا زال يجري في مصر جاء بعد فوات الأوان، لكن الصحيح أيضاً أن تعامل جهاز الدبلوماسية المصرية لمرات عديدة مع واشنطن عَلمها أن البيت الأبيض ووزارة خارجيته ومجلسيه التشريعيين لا تملك قدرة رؤية الطريق الصحيح إلا بعد أن تكون قد غاصت إلى ركبتيها في وحل الخطأ التكتيكي، ربما بسبب تعدد التقارير ومصادر المعلومات. أزعم أن نية تصحيح واشنطن لمسارها حيال القاهرة ، برز إلى السطح في ضوء نتائج جلسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي التي عقدت يوم 29 تشرين الاول/اكتوبر الماضي حيث دارت كافة المناقشات: حول ضرورة الحفاظ على المصالح المشتركة للطرفين الأمريكي والمصري، وحتمية الحرص على تأكيد الشراكة المصرية في كافة الملفات المتعلقة بالسياسات الأمريكية في المنطقة. والتوصية بأهمية العمل على استعادة التواصل الإيجابي مع النظام الحاكم في مصر ‘لضمان استمرارية تقوية المصالح المشتركة على المدى الطويل’، هذا الضغط الداخلي الذي مارسه مجلس النواب على البيت الأبيض وأدى إلى الاتصال الفوري بالقاهرة، تمهيداً للزيارة المفاجئة التي قام بها جون كيري، نبع من عدة حقائق جوهرية: 1 تزايد النبرة الرسمية المصرية المدعومة بتوجه شعبي طاغ، يدعو إلى التخفيف من حدة خصوصية العلاقة مع واشنطن، التي أثبتت تجربتان ثوريتان أنها لا يُعتمد عليها عندما يتعلق الأمر بحياة ومستقبل الشعب المصري وحريته في الاختيار. 2 استعادة القاهرة لحقها في أن يكون لها أكثر من محور صداقة مع أقطاب أخرى لها وزنها العالمي، وفق ما تمليه مصالحها العليا كدولة لم يعد في مقدورها بعد تجارب عدة، أن تضع كل أوراق اللعب في يد واحدة غير مضمونة الأداء. 3 الرفض المجتمعي الصارخ لما كُشف عنه من ارتباطات بين واشنطن وجماعة الإخوان، أثبتت الوقائع أنها لم تكن تخدم المصلحة العليا للوطن المصري وعلاقاته الخارجية القريبة والبعيدة. 4 أن القاهرة في توجهها الخارجي لتوسيع مجال علاقاتها بالعالم وسعيها الأكيد لتوسيع مراكز صداقاتها الخارجية وتنويع مصادر دعم مصالحها الإستراتيجية، بما فيها الأمنية والعسكرية، لا تخطط لعقد تحالفات معادية لأطراف أخرى ولا للمنافسة غير محسوبة العواقب ولا للوقوف في خندق معاد لواشنطن. 5 هذا التوجه الخارجي بكل مشتملاته ينطلق من قدرة مصر على استعادة دورها الإقليمي شرقاً وغرباً، الذي تقزم لأسباب غير موضوعية، كان على رأسها الإستسلام غير المنطقي لمسارات التحالف الأمريكي الذي لم تقم واشنطن من خلاله بدروها الإيجابي في كل ما يتعلق بمصالح شعب مصر الحيوية. وفي هذا الخصوص، تؤكد التقارير الأوروبية أن لدى أمريكا من المؤشرات ما يجلعها على يقين بأن العلاقات بين القاهرة وموسكو تتجه نحو صفحة جديدة من العلاقات أكثر وئاماً ومودةً على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، من دون أن يعكس ذلك عداء لها أو تهميشا لعلاقاتها التحالفية معها. يؤيد هذه الخلاصة، ان القاهرة أعلنت على لسان وزير خارجيتها أنها مصممة على ألا يكون توسيع إطار علاقتها مع روسيا على حساب أي طرف آخر، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأمريكية. وأن موسكو الروسية في اللحظة الراهنة لا تتبع أسلوب موسكو السوفييتية، فهي تعي تماماً أن عصر الحرب الباردة ولى، وأن مصر تتميز بقدرات سياسية ومهارات تفاوضية توفر لها البيئة الصالحة لأن تكون على وفاق متوازن معها ومع واشنطن في نفس الوقت، بحكم موقعها وتجاربها وقدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي. في نفس الوقت لم تشأ الإدارة الأمريكية أن تواصل التباعد غير المنطقي عن الأجواء الثورية التي تعيشها القاهرة، فأرسلت رسائل عدة تفيد بأنها لم تعد تؤيد جماعة الإخوان وليس لها شأن بمحاكمة الرئيس السابق محمد مرسي، وانها لن تقف حجر عثرة في وجه الانفتاح على علاقات متطورة مع موسكو، وأنها ترغب في إنهاء فترة الجفاء بين الطرفين، وأنها ستقف إلى جانب خارطة الطريق التي ترى أنها ستفتح آفاق الديمقراطية في مصر. على الجانب الآخر يمكن القول ان روسيا في حاجة إلى زيادة توثيق علاقتها المتواصلة مع مصر، ليس على حساب علاقتها بواشنطن، أو علاقة هذه الأخيرة بالقاهرة، روسيا تناور القوى الغربية على مستويات عدة، ملفات متشابكة في المنطقة ليس بغرض المواجهة، ولكن من أجل إثبات الحق في الوجود دفاعا عن مصالحها الآنية والمستقبلية، روسيا لم تَغب عن الشرق الاوسط ، ولكن علاقاتها غير التفاعلية بالقاهرة لم تمنحها القدرة على التأثير الإيجابي في العديد من الملفات المعقدة على مستوى المنطقة، روسيا تعلم مسبقاً أن علاقتها بالملف السوري، على وجه التحديد، وعلاقتها الوثيقة بطهران ستتأثر إيجابا في ظل خطوات تطوير علاقتها بالقاهرة، لأن تعافي الدولة المصرية، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، سيجعلها أكثر قدرة على القيام بمتطلبات دورها الإقليمي الذي افتقدته لعدة سنوات. مصر المحورية ذات الأهمية لدى كل من موسكو وواشنطن عليها أن تعرف حدود دورها بين القطبين الأمريكي والروسي، وأيضا على مستوى الأقطاب الأربعة إذا أضفنا الاتحاد الأوروبي والصين، وأنها في حاجة إلى صداقة مع كل منهما معاً لتحقيق مصلحتها العليا في البناء والتنمية المتوازنة والإصلاح السياسي والاقتصادي، وفي حاجة إلى الدعم الروسي الذي لا يتخلي وقت المحن عن حلفائه، وإلى التنسيق مع أمريكا لأجل تحقيق الأمن والاستقرار لصالح الشعوب العربية كلها وليس لصالح إسرائيل فقط، وذلك ليس بالمستحيل على مصر الجديدة.