القاهرة ــ «القدس العربي» : لا يزال الوسط الثقافي المصري، سواء من خلال الصحف ــ ملفات ومقالات ــ أو مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا الندوات يتناول موضوع رحيل الكاتب صنع الله إبراهيم (24 فبراير/شباط 1937 ــ 13 أغسطس/آب 2025)، لما قدّمته أعماله ـ التي لا تنفصل عن مسيرته ـ من تطور للرواية المصرية والعربية، وهو ما كشف عن مدى تأثير الرجل على الكثيرين من أدباء الأجيال المختلفة. وفي ظل هذه الأجواء أقامت (ورشة الزيتون الأدبية) ندوة عن صنع الله إبراهيم، جاءت بمثابة تقديم شهادات عن حياة وأدب الكاتب الراحل. أدار الندوة الإذاعي عمرو الشامي، بمشاركة الشاعر والناقد شعبان يوسف، والأكاديمية والناقدة فاطمة الصعيدي، والعديد من المهتمين بالشأن الثقافي. في ما يلي جانب منها..
سجن كبير
بدأ الحديث الإذاعي عمرو الشامي، فأشار إلى قراءة رواية «تلك الرائحة» مرّة أخرى منذ عدة أيام، وهي عمل صنع الله إبراهيم الأول، الصادر عام 1966. أشار الشامي إلى عدة نقاط في المقدمة التي كتبها صنع الله إبراهيم، ذلك من حيث مراعاة اللغة والمشكلات الناجمة عن تدريس العربية، فالحرص على سلامة اللغة يعد شكلاً من أشكال الحفاظ على الهوية، ورد فعل مقاوم للتغريب. كذلك يرى الشامي أن صنع الله إبراهيم كان كاتباً واعيا بذاته، وإن كان ينطلق من الواقع، إلا أنه يُعيد صياغة هذا الواقع وفق رؤيته الفنية والجمالية. فـ»تلك الرائحة» لا تشير إلى الأزمة ـ المعتقل ـ بل إلى الحياة بعد الاعتقال، حيث لا فارق، فالقاهرة أصبحت بالفعل سجنا كبيرا.
الأب المفقود
أما الشاعر والناقد شعبان يوسف فتناول جانبا تاريخيا من حياة صنع الله إبراهيم.. بداية من طفولته وحكايات الأب التي أثرت فيه تأثيراً كبيراً، ففارق السن الكبير بينه وبين أبيه، جعل العلاقة أشبه بمثابة الجد للطفل. وأشار يوسف إشارة مهمة إلى فترة ما قبل 1952، فقد كانت فترة زخم ثقافي، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الزخم السياسي وانتشار الحركات الثورية والاشتراكية التي كانت تطالب بالجلاء الإنكليزي والاستقلال. بعد موت الأب تعرّف صنع الله إبراهيم على شهدي عطية الشافعي (1911 ــ 1960)، فأصبح بمثابة الأب، وعمل معه في الترجمة وسُجن معه ـ من 1959 حتى 1964 ـ وشهد إبراهيم لحظة موت شهدي عطية في المعتقل، وهو ما سجّله في روايته «يوميات الواحات» 2002. وكأنها امتداد لـ»تلك الرائحة».

«تلك الرائحة»
ويعود شعبان يوسف إلى «تلك الرائحة»، التي يراها امتداداً لرواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب» 1961، والتي تعد علامة في تطور الرواية العربية، حيث التكثيف والجمل القصيرة، إضافة إلى الرواية الجديدة في فرنسا، التي نظّر لها وكتب من خلالها كل من آلان روب غرييه وناتالي ساروت، والتي كانت بمثابة رد فعل ماركسي على الرواية وتطورها. فتحت هذين الهاجسين.. «اللص والكلاب» والرواية الجديدة، كتب صنع الله روايته الأولى، مع العلم أنه أول كاتب ستيني يكتب الرواية، فمعظم جيله بدأ بكتابة القصة القصيرة. هذه الرواية التي كُتبَت في أبريل/نيسان 1965 ونشرت في فبراير/شباط 1966، وصودرت في العام نفسه، ذلك العام الذي شهد صدور عدة أعمال هامة، مثل «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، «الفتى مهران» لعبد الرحمن الشرقاوي، و»مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، وكلها أعمال تناولت أزمة السلطة والحرية، وعبّرت عن مناخ وحال مصر ما قبل 1967.
من ناحية أخرى يضيف الكاتب أمل سالم أن «تلك الرائحة» تعتبر وثيقة ثقافية في شكل اعتراض ثقافي على هزيمة تيار سياسي ـ اليسار المصري ـ حامل للثقافة المصرية.
قررت أن أكون كاتباً
تحت هذا العنوان قدمت الأكاديمية والناقدة فاطمة الصعيدي شهادتها، وهي عبارة قالها صنع الله إبراهيم في «يوميات الواحات»، فهناك عدة أشياء كان يعتمدها حتى يُعد نفسه كاتباً.. التذكّر، القراءة، العلاقات الشخصية، والإصغاء إلى الآخرين. هذه العناصر هي ما كان يعيشه صنع الله إبراهيم ويعمل من خلالها، فالكتابة تُصنع، وكأنه يعد عدته كما يقول.. «كنتُ قد قررتُ أن أصبح كاتباً». من ناحية أخرى تضيف الصعيدي أن فكرة (التلصص) التي أصدر صنع الله رواية بالعنوان نفسه، تبدو كأسلوب في الكتابة إضافة إلى السخرية. هذا التلصص لا يقتصر على الشخصيات الروائية محل الرواية، بل يمتد إلى القارئ نفسه، فالكاتب يوضح للقارئ مباشرة أنه يدرك تماماً ما يفكر به الأخير وهو يقرأ، فكأنه يتلصص على وعيه وتأويلاته، فيصبح الكاتب كظل للقارئ طوال الرواية، واضعاً حدوداً واضحة لتأويل القارئ وخيالاته التي يدركها الكاتب سلفاً. كما تبدو حالة الاحتفاء بالبشر وقيمتهم في الحياة، من خلال توثيق حياة الناس العادية، فصُنّاع الهامش هم المتن عند صنع الله إبراهيم.