مصرف الذكريات

حجم الخط
2

الذكريات هي عضو منا، ولكنه غير مرئي، تساهم العين، وهي أعلى سلطة، وعبر الوعي في ترتيبها ورصفها في مخازن الذاكرة، فتندرج الذكرى في رفوف، وكلما تقدّم بنا السن نسعى إليها لنستعين بها، فهي الخزنة، أو المصرف المودع فيه كل السنوات الجميلة والمرة، تلك التي عشناها، ونحن نضاجع الحياة لتنجب لنا الذكريات، والذاكرة في هذا المجال هي كالسرداب الذي نضع فيه المؤونة من الذكريات. فهي هناك تتربّى ولا تكبر، بل تظل مكتفية بذاتها، وكلما احتجنا إليها تظهر، وتقول: هأنذا لكل إنسان فوق هذا الكوكب. الأصدقاء في المقهى يجلسون، يتسامرون وبطريقهم يمرّون على الذكريات، فإذا كانوا طلاباً في يوم ما تذكّروا سنوات الدراسة، وإذا كانوا عمّالاً تذكروا معاً محطات عملهم، سيتذكرون الحوادث والملمّات والخطوب، وكذلك العوائل حين يتحلّقون حول مائدة في المنزل، قد يميل بعضٌ من حديثهم حول ذكرياتهم، الأخ والأخت والزوج والزوجة، وكذلك الحبيب والحبيبة، ولاسيّما إذا كانوا جيراناً، أو طلاب دراسة، أو موظفين وعاملين في مكان ما. الناس تتذكر لترمم الحياة، لتبني قلعتها مع الآخرين، كون الذكريات هي شراكة غالباً.

والذكريات أنواع بينها الفرديّ والعام، فالفرديّ هو تلك الواقعة التي حدثت لنا يوماً، ولشدة وقعها التصقت بذاكرتنا، وهناك الذكرى الأليمة، والذكرى الجارحة، والذكرى الحزينة، كغياب قريب، أو حدوث حدث معيّن لشخص مقرّب، كالأب والأم والأخت والأخ، أو أحد أفراد العائلة المتواشجة مع أقارب أو مع أفراد آخرين قريبين منهم، وثمة الذكرى الجماعية التي تخص شعوباً ومجتمعات وكيانات، حين يحدث حدث بارز وكبير وتغييري وبالشراكة مع التاريخ، كالثورات والانقلابات والتحولات الكبرى في مسيرة الشعوب، مثل الحروب العالمية والجوائح والغزوات، وما ينتج عنها من هزائم وخسائر وانتكاسات، كهزيمة العرب مجتمعين في حرب عام 1948 وعام 1967، أو كانتصارهم المحدود في عام 1973 على إسرائيل، أو تواريخ مثل النكبة، والنكسة، وداء الطاعون، وحصار بيروت والحرب الأهلية في لبنان والعراق، أو مقتل عبد الكريم قاسم، أو موت جمال عبد الناصر، والسيدة أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، والفيس بريسلي، ومايكل جاكسون، والاجتياح الأمريكي للعراق واجتياح العراق للكويت، واحتلال سوريا للبنان عبر قوات سرايا الدفاع، أو عبور خط بارليف، قصف قناة السويس، رحيل الملك فاروق، مقتل الملك فيصل الثاني، إعدام صدام حسين، حرب غزة وحصارها وتجويعها، مصادرة الأراضي الفلسطينية، عمليات وديع حداد، استشهاد غسان كنفاني، نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل إلى آخره.

والذكريات لا تحصى وكثيرة، ولا نستطيع عدّها، ولكنها مؤرشفة ومحفوظة في السرداب كمؤونة للمؤرخ والجيولوجي والميثولوجي، وللباحث والمفكر والدارس والمستقصي والمستكشف، كلها موجودة ومتوفرة للروائي والشاعر والكاتب والباحث والعالم، موجودة كمواد خام يمكن الرجوع إليها في كل لحظة، لاستخراجها من مصرف الذكريات، أو من الخزنة التي أودعنا فيها ذات يوم ما جرى لنا في الحياة. فرواية مثل «الرجع البعيد» للروائي العراقي فؤاد التكرلي، هي نوع من الغوص في أحداث الستينيات العراقية، بتمثلها لفترة من فترات العراق السياسية والاجتماعية المحتدمة، والتحوّلات التي طرأت حينذاك على شخصية العراقي وبنيته السايكولوجية، في نزوع البعض إلى العنف كغاية وطريق وهدف، من أجل محو فئة سياسية معيّنة من الوجود لممارسة حقها في الحياة، وسيرها في نهج أيديولوجي مغاير لأفكار وطروحات وممارسات الطرف الآخر، هذا الآخر الذي سيكون نصيبه السجن والمعتقلات والاغتيالات والقتل والتغييب، كونه لا ينتمي إلى الفكرة المختلفة عن فكرته ورؤيته الحياتية والسياسية والأيديولوجية.

هذا المسار الفني بالذات، وأعني مسار الذكريات، كان قد انعكس على الروائي وتركت أحداثه أثرها وجرحها النفسي عليه، فاستبطنها كنوع من الحادثات التي مرت في بلده، فرسبت في عمق وعيه الإنساني، كانقلاب عام 1963 في العراق، حيث جسّدت شخصيات الرواية تلك الفترة بدراية فنية عالية، أظهرت عمق تلك الفترة المأساوية لشريحة سياسية كبيرة من فئات المجتمع العراقي، وهذا النهج ظهر لدى كتاب عرب آخرين، كان أبرزهم الروائي المصري الراحل صنع الله إبراهيم في روايته اللافتة «تلك الرائحة»، وهي من الروايات اللاذعة التي أدانت وعلى نحو واضح الفترة الناصرية، وسعيها الصريح في التضييق على الحريات والأفكار والإرادات، فأدانت الرواية بأسلوبها التقني، الجمالي والفني، الممارسات القمعية للنظام، وكشفت باتساق متواتر هول وعمق المأساة هناك في القاع المصري، الغارق في وحل السياسة الجديدة لنظام عبد الناصر، ومن خلال تجربة شخصية في استقدام ذكرياته في السجون المصرية. وهنا يتبدى لنا العمل على أنه نوع مدعوم بالرائحة التي اختزنتها الذاكرة، من ذكريات أليمة ألمّت بالوطنيين الأحرار في تلك الفترة الرهيبة، والمشابهة إلى حد ما للفترة العارفية في سيتينات القرن المنصرم من تاريخ العراق.

إذن الذكريات هي المادة الخام النائمة في وعينا المطوي، والكامنة ومنذ زمن في خزانة الذاكرة، فالذكريات هنا هي تحف نادرة، للذي يعرف كيف يتمثلها، ليستخرجها من باطن عميق، ويظهرها في النهاية إلى الضوء، فهي لها جانبان جانب معتم وآخر مضيء. فكاتب المذكرات ليس أمامه سوى باب الذكريات، وما عليه سوى أن يلجه ويدخل، ليجول في غابة الذكريات ودروبها الظليلة، والسير بدراية في هذه الغابة، التي هي بالأساس تكمن في داخله، إنه يحملها في باطنه كشيفرات ورموز وحكايات وقصص وأقنعة. هناك روايات هي عبارة عن سيَر ذاتية، والسيرة الذاتية تعتمد على الذكريات، فروايات المغربي محمد شكري تستلهم الذكريات، وجلّها عبارة عن ذكريات حدثت له في حياته، التي لم تكن مريحة في الغالب، لاسيّما في فترات طفولته وفتوته وشبابه، فصورة الأب القاتل لابنه هي نوع من الذكرى الدرامية التراجيدية، التي لا يمكن لأي شيء أن يمحوها، إلا في حالة واحدة هي فقدان الذاكرة.
الشعراء العرب أغلبهم لجأوا إلى الذكريات، السياب في غربته اللندنية واستذكاره لولده غيلان ولزوجته إقبال، وكذلك لزميلته الشاعرة لميعة عباس عمارة وقوله « تذكرتكِ يا لميعة والعراق…» نزار قباني ومقتل زوجته ورحيل نجله، سعدي يوسف واستحضاره للسجون العراقية التي كان نزيلها في فترة الستينيات، حسب الشيخ جعفر وذكرياته عن صديقته الروسية في موسكو، إذ كتب أجمل القصائد المدوّرة عنها، مستحضراً إياها في بغداد، ناهيك من روايته وسيرته الذاتية في الموضوع ذاته، البياتي وحنينه إلى بلده العراق وتذكر ولده علي عبر قصيدته التي حملت هذا القول الشعري: «مدنٌ بلا فجر تنامْ، ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلامْ».
كاتب وشاعر عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية