المدوّنة الجمالية في قوة العمر

حجم الخط
1

 تأسرني سرديّات الواقع العيني، واليوميات المفصلة لحظة بلحظة من لدنّ الكاتبة الوجودية سيمون دوبوفوار. فهي في تفاصيلها المنغمسة بالحياة والكتابة لا تترك تفصيلاً مهملاً، أو منسيّاً ما لم تتحدّث عنه إلا في ما ندر، وهذا ما تلمّسناه في كل ما كتبتْ ونشرتْ، ولاسيّما بخصوص المسرود والمدوّن واليومي، من مهمّات لحيَوات جاورتها وعايشتها عن كثب، لتروي تفاصيلها هي مع الحياة، وما واكب الحياة من خطوب وحروب وانتصارات، أبرزها طفولتها وحياتها مع أهلها، ومن ثم دراستها للفلسفة في جامعة السوربون، ولقاؤها التاريخي مع المفكر والفيلسوف جان بول سارتر، رفيق الرحلة الطويلة، في مساقها الفكري والفلسفي والمعرفي، رحلة كُللت بالإبداع والإنتاج الدائم، والسفر إلى بلدان الدنيا لغرض التواصل الأدبي والفكري مع العالم، أو السفر والترحال من أجل المتعة والاكتشاف، خصوصاً حينما كانا شابَين في بدايات بزوغهما، سفر للريف وللمدن الفرنسية، إما لأجل العمل والتدريس، أو لغرض التزوّد بالحياة الريفية، المفتقدة في باريس.
من هنا كانت دوبوفوار أكثر من سارتر غزارة وإنتاجاً لسردية التدوين والكتابة التفصيلية اليومية. لقد برَعتْ في هذا المساق الفني الذي لا يحتاج إلى الخيال، بل إلى العين التسجيلية، المثقفة الذكية، فثقافة العين، مع الذكاء والفطنة والدراية، تمنح الكاتب المقتدر والمتمكّن القدرة على لفت انتباهه لأهم المسائل التي يصادفها في طريقه، وهو يجول ويرى ويستكشف معاني الحياة. فسيمون دوبوفوار هنا هي الأقرب إلى ملامسة الهاجس اليومي، المترع بالتصاوير والمشاهدات والحركة الدائبة للأشياء، وتموّجها في المسار اليومي للإنسان الذي تشغله مهام أخرى، فيكاد لا ينتبه للتفصيل الصغير المخبأ في ثنايا المكان، والمنسيّ في الزوايا المظلمة.

الفيلسوفة دوبوفوار والروائية المُحبّة للحياة، والمشطورة إلى نصفين، هي كاتبة من طراز رفيع، وقارئة متعمّقة وشمولية، في ما يتعلق بمهنتها الفلسفية والروائية، دون أن ننسى ثقافتها الواسعة في عالم الفن عموماً، كالشعر والمسرح والفن التشكيلي، فهي فضلاً عن رؤاها الفلسفية، جسّدت مثل سارتر أفكارها في روايات ومسرحيات، وكانت لديها علاقات واسعة بممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو، مثل الشاعر جاك بريفير، على سبيل المثال، أو أنطونان آرتو المسرحي والكاتب، إضافة إلى فلاسفة أصدقاء، أبرزهم الروائي والفيلسوف الوجودي البير كامو وميرلو بونتي وأندريه مالرو وأندريه جيد، وكوكبة لامعة من الرسامين والصحافيين، وبعض مسؤولي أو أصحاب دور النشر، أبرزهم، غاليمار وليريس وغيرهما ممن كانوا ينتظرون منها أن تبزغ، وتسلمهم شيئاً مما دوّنته في مفكّرتها الممتعة، من رواية، مسرحية، أو مذكرات يومية، تسرد فيها مشكلات الحياة وطبيعة العيش في مختبرها اليومي.
لاحظت من خلال قراءاتي المتعددة ليوميات سارتر وديبوفوار أن الاثنين كانا يتشابهان ويلتقيان في مساقات عدّة، أبرزها الانغماس الكتابي والقرائي، فضلاً عن طرق التفكير والولوع بكتابة الأفكار والرؤى الجديدة، ثم اجتراح منافذ تعبيرية ذات سمة فلسفية غير مطروقة، أو هي مشاريع تكملة وإضافة لنهج هيغل وهوسرل وديكارت وسبينوزا، على الأقل في ما يخص سارتر من الجهة الفلسفية، وبدرجة أقل لدى ديبوفوار. ذلك أن سارتر كان يحوّل أفكاره الجديدة عن الوجود في كتب فلسفية، مثل كتابه الأبرز «الوجود والعدم» وثلاثية «دروب الحرية»، وفي مسرحياته مثل «الذباب» و»الهذيان» و»الجدار» وغيرها من الروايات. وعلى صعيد التدوين له مذكراته، وهي تقع في جزأين. بينما ديبوفوار كانت تسعى إلى أن تصبّ كل أفكارها وتفاصيلها اليومية في سيَر ذاتية، وأخرى روائية مثل «الضيفة» و»دماء الآخرين»، وتحاول من خلالها أن تسرّب رسالتها الفلسفية ولاسيّما في كتابها المهم «الجنس الآخر»، وفي كتابها الشامل «المثقفون»، وفي كتابها المذكراتي «قوة الأشياء»، وفي مواضع أخرى تُرجم «سلطة الأشياء».

هنا في هذه السطور أحاول أن ألقي بعضاً من الضوء على كتابها الجديد «سلطة العمر»، وهو من إصدار «دار المدى» وبترجمة من محمد فطومي. كتاب ضخم بحجم كتاب «قوة الأشياء»، أنار جزءاً كبيراً من حياتها مع سارتر، ولاسيما بعد تخرّجها من جامعة السوربون ونيلها شهادة عليا في الفلسفة. فهي في هذا الكتاب تدوّن كل صغيرة وكبيرة مرّت بها في فترة سطوعها، وهي الفترة نفسها التي سطع فيها نجم سارتر، ما قبل وبعد سنوات الحرب العالمية الثانية، راسمة معالم يومهما وتحركهما ما بين السكن والعمل والكتابة والقراءة، فضلاً عن السفر في العالم، وتقصّي أبعاد شهرتهما التي طبقت الآفاق. فهي لا تفوّت شيئاً دون الكتابة عنه في مسيرة يومها مع سارتر، إن كان موجوداً، أو مع أصدقائها من الكتاب والصحافيين، أو مع عائلتها المتكوّنة من أب وأم وأخت، وأولاد عم، أو مع طالباتها المتأثرات بها، أو الناشدات المساعدة وطلب العون الدراسي والفكري وحتى المادي، فبعضهنّ لا يملكن المال، فتميل هي وسارتر لمساعدة بعض الأشخاص، أو تبنّيهم ومساعدتهم على نحو دائم، وكأنهم قطعة من جسدهما، دون حساب للمال، وما سوف يحدث لهما في الغد، خصوصاً من جهة سارتر، الذي كان يتدفّق عليه المال، بعد اتساع رقعة شهرته، نظير ما تدرّه عليه كتبه من مبيعات وعقود نشر جديدة، في كل زوايا العالم.
في مدوّنة كتاب «قوّة العمر» وهو كتاب أنيس وممتع تنهل، ديبوفوار مادتها من الواقع العيني والتفصيلي. والمكان في هذا الكتاب هو البطل الرئيس والمحور الدائم، الذي تتردد عليه شخصيات هذا الكتاب، الملوّن بالرغبات والهواجس والخيبات، تلك التي راودت الكاتبة والفيلسوفة ديبوفوار وسارتر أيضاً، أيام سنوات الحرب العالمية الثانية واحتلال باريس. فهنا نرى المواقف كيف تتجلى، من جهة أصدقائهما والأحزاب الموجودة في الراهن الفرنسي أو آنذاك، وكيف يعمل القادة والمفكرون وعامة الناس في تلك الأجواء المتوترة، التي تتيح أحياناً فرَصاً قليلة للمرح والتنزّه وتناول الطعام والشراب، حيث اللقاء بالأصدقاء في الأماكن المعهودة إياها في «سان جرمان دو بيريه» إياها وهما مقهيا «فلور» و»الديماغو»، أو في حانات مثل «الفرسان الثلاثة»، وكذلك في دور المسارح والسينما وشرفات مقاهي الفنادق، التي يترددان عليها طلباً للمبيت، أو لتقضية سهرة معيّنة في منطقة «مونبرناس» أو التنّزه في حدائق الشانزليزيه، وحدائق «اللوكسمبورغ»، في «السان ميشال»، وهي في قلب باريس العاصمة. تتذكر ديبوفوار الكثير، مما مرّت به خلال هذه السنوات، حتى تلك اللحظات المُخيّبة، فهي لا تتوانى عن نشر نص رسالة من دار نشر باريسية لرفضها أحد كتبها، وكان قارئ الدار هو هنري ميلر، وكذلك لا تخفي تأثرها بهمنغواي، وإعجابها هي وسارتر بأعمال كافكا الروائية.

كاتب وشاعر عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية