شبّاك وفيقة

حجم الخط
1

 كان ذلك الزمان بطيئاً يجري في مطلع السبعينيات ببغداد، والحياة كانت مترعة بالشعر والفنون والغناء والموسيقى، يوم عزمنا على السفر باتجاه الجنوب، ناشدين جيكور وبويب وشباك وفيقة ومنزل الأقنان في أبي الخصيب بالبصرة، حيث يرقد هناك السيّاب، مجدد الشعر العراقي الأبرز والأشمل والأكثر عمقاً في سياق التجربة الجديدة للشعر العربي التي عرفت بالشعر الحديث.
شباباً كنا نسعى الى تسقط منابع الشعر حيثما كان، وما زلنا الى الآن رغم تقدّمنا في العمر وبلوغنا السن المضاعفة لسن السيّاب، فما زلنا نرى في الشعر الحياة المتنوّعة والملوّنة والمتخمة بأنواع لا تحصى بالكثير من الصور والخيالات والأجواء الحالمة والفانتازية، أجواء من التهويمات والتمثّلات والتهيّؤات التي تحاول بدورها لمن يبحث عنها، أن تمنحه ملاذات وكيانات وسلطات سحرية جذابة، تنقله بعيداً عن سواد الواقع، ولو قليلاً، لتجعله يحس بأنه إنسان، ولا يزال يحيا الحياة، مهما حدث فيها من تحوّلات دراماتيكية وتراجيديات أسطورية.
إذن في تلك الأجواء الغنائية عزمنا على السفر باتجاه البصرة، لنقدّم للسياب العرفان والشكران، مواصلين ربط نسبنا الشعري به، ومواصلين المسار الرؤيوي الخيالي نحو ضفاف الشعر الجديد الذي اجترحه هو وزملاؤه نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، لنقول له ولهم ونحن في بيته التراثي الكبير، وهو بيت العائلة، وأظن إنه بيت الجد كما تناهى لنا حينذاك: نحن تناسلنا من صوركم ورموزكم ودلالاتكم واستعاراتكم ورؤاكم، فاقبلونا بينكم، لعلنا نُعلي إن واتانا الحظ المعمار أو الصّرح الشعري الجديد.
هناك نزلنا في سوق البصرة، في ساحة « أم البروم « وهي تسمية لإحدى قصائد السياب المستوحاة أجواؤها وصورها ومشاهدها وأخيلتها من تلك الساحة.
من البصرة نقلنا باص خشبي الى «أبي الخصيب» عبر طريق مسيّج ومحفوف بأشجار النخيل مع ركّاب ينشدون قرى وبلدات وبيوتاً تقع على جانبي الطريق، حتى وصلنا الى بلدة «أبي الخصيب».
كان معنا في الرحلة صديق بصري أديب، هو الساعي والدليل والعارف بملامح المكان، حين وصلنا مشياً الى بلدة «أبي الخصيب « ثم الى «جيكور»، وهي قرية السيّاب الملتمّة على نهرها الوحيد الشبيه بالساقية « بويب « ذلك النهير الصغير.
هناك تنسّمنا هواء الشعر الهابّ من جوف القرية وعمقها التاريخي الممهور بجذوع النخل وسُعيفاته وعثوقه وحلاوة الثمار الذهبية التي يطرحها «سيد الشجر»، بتعبير الجواهري الكبير.
في تلك الأجواء وأثناء جولاننا هناك، انضم إلينا صبي ليرشدنا الى بيت السيّاب، فوصلناه دون عناء. البيت بدا صغيراً، واجهنا بابه الخشبيّ العتيق، ومطرقته النحاسية الصدئة، والى جانب رقم البيت لا زلت أتذكّر عبارة مخطوطة بالصباغ الأبيض « فريق الانتفاضة «، ولا أدري عن أي انتفاضة يعنون، فالعراق مليء بالانتفاضات والانقلابات والثورات وما شابه، فهذه الزيارة كانت قد حدثت في عام 1975، المهم أننا دخلنا البيت المتداعي الى حد ما، كونه مبنياً من الطابوق، أي الطين المفخور بالنار والمقطوع على شكل قوالب حجرية خاصة بالبناء.
تجوّلنا في المنزل، ليس ثمة شيء لافت، لا أثاث هناك، لا حاجيات ولا لوازم شخصيّة للشاعر.
على سبيل المثال كان يجدر بالقائمين على المنزل، دائرة حكومية أو أهلية أو عائلية تخص عائلة السيّاب، أن تحتفظ بسريره مثلاً، مكتبته، ببعض من أوراقه أو دفاتره المتضمّنة أبياتاً من تدويناته الشعرية، عصاه، طبَعات مجموعات شعره الأولى، مثل « أنشودة المطر « و» منزل الأقنان» و « شناشيل ابنة الجلبي»، وما تيسر من صوره حين زار بيروت وروما ولندن، أو صوره الشخصية حين كان يعمل موظفاً في «دائرة الموانئ العراقية» وبعض رسائله وهي كثيرة. فهذه الرسائل طبعت فيما بعد، وهي ما تبقى لنا من أسرار حياته الشخصية، ففيها يذكر السيّاب ّجزءاً كبيراً من أشكال عيشه ومأساته مع المرض، وكذلك يتحدّث في بعضها عن شؤونه الخاصة، المنزلية والمرضية والصداقية، وبعض من الرسائل كان يحمل آراء في الشعر والسياسة وفي مجايليه من الشعراء والأدباء والكتاب والفنانين.
المهم إننا استطلعنا المكان العاري، غرفه الخالية، الجدران المتقشرة، الأبواب المتهالكة والتي تئن من أبسط حركة للريح والهواء، المزاريب المتعبة والشائخة والتي مرّت عليها أحوال السموات وتحوّلاتها في الفصول، الشبابيك النعسى في ظلال الأعمدة الخشبيّة، كما إننا زرنا منزل الأقنان الذي هو جزء من البيت والملحق به خارجاً على ما أتذكر ذلك، وهو منزل الخدم، الذين كانوا يدقّون ويعدّون القهوة وأعمالاً أخرى لضيوف المنزل ولأهله كذلك، وهو أيضاً بمثابة مبيت لهم. وعلى مقربة كان يجري نهر «بويب»، كما يرد في شعر السيّاب. جلنا على ضفة النُهير، واستطلعنا مشارفه، وجسسنا عمقه، واستطلعنا ملامح المكان ولواحقه من زرع وشجر وبيوت قريبة، ومن بينها طبعاً «شباك وفيقة» وهو تابع لأحد البيوت التي كان السياب يمرّ بها حين كان يذهب الى المدرسة، أو الى الحقل حين كان شاباً، يقرأ ويطالع على ضفة النهر ذاهباً جائياً، وهو محمّل بالأشعار الأولى لمحمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه والجواهري والرصافي والزهاوي، والبعض من شعراء المهجر، ينضاف إليهم تي أس إليوت، وإزرا باوند وأودن وإديث ستويل، تلك الشاعرة الإنكليزية التي قدحت له على الأرجح شرارة عمله الهام والأبرز والأسطع «أنشودة المطر».
ونحن هناك نواصل البحث عن التفاصيل الخاصة بالسيّاب، ونتحلق حول الشباك الطينيّ ذي النافذة الخشبيّة الزرقاء، طلّ رجل وقال إنه ابن عم السيّاب، كان أكبر منا بالطبع، شخص عمره يتراوح بين الأربعين والخمسين يرتدي زيّاً عربياً، جلابية وكوفية وعقال للرأس. حين وصلنا «بويب» قال : «هنا كان السيّاب ينفق جلّ وقته قارئاً، جالساً على الضفة الباردة بجلابيّته الريفية، وربما من كثرة الجلوس الطويل على ضفة النهر الباردة، قد تكون الرطوبة تسللت إليه فتحوّلت فيما بعد الى مرض. بعدها وصلنا الى «شبّاك وفيقة» ذلك الشبّاك الذي خصّه السيّاب بقصيدة فتذكرنا بعض أبياتها:
« أطلّي فشباككِ الأزرقُ
سماءٌ تجوعْ،
تبيّنتُه من خلال الدموعْ
كأني بيَ أرتجفَ الزورقُ
إذا انشقّ عن وجهك الأسمرِ
كما انشقَّ عن عشتروت المحارْ
وسارت من الرغوِ في مئزرِ
ففي الشاطئين اخضرارْ
وفي المرفأ المغلقِ
تصلّي البحارْ».
هنا انتفض الرجل الذي تربطه صلة قربى بالسيّاب، ونفى أي صلة للسياب بوفيقة، قائلاً بنبرة حادة وعصبيّة :» حاشا هذه ابنة عمّي « وكل ما قاله السيّاب كذب في كذب، وإنها مجرد أوهام وأحلام شاعر مريض!

شاعر وكاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية