يكفي أن تقول «القاهرة» في أي مكان من العالم، ليفغر الناس أفواههم، وينتظروا ماذا ستقول بعدها. إنها القاهرة التي حار العلماء في سر تسميتها. هذا ما يكتبه كمال مغيث، في مقدمته لكتاب العماني سيف الرحبي «القاهرة.. أو زمن البدايات» الصادر عن سلسلة حكاية مصر، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة.
مغيث يذكر أن أحداث هذا الكتاب تبدأ في عام 1970، بعد تأسيس القاهرة بألف عام وعام، مضيفا أن الرحبي لم يكتفِ بالوصف من بعيد للناس والأماكن والأشياء، كما لم يرَ نفسه سائحا ينتظر ويتأمل من بعيد، بل انغمس بكل كيانه المادي والوجداني فيها، وفي أماكنها وناسها وأحداثها.الرحبي، على حد قول مغيث يقول: «هذه القاهرة سأقضي فيها ثمانية أعوام، يمكن القول إنها من أجمل سنين العمر، وأكثرها حضورا وحنينا وتأثيرا، قبل الأفول الماحق لسنين أخذت تهرب بسرعة البرق من أيدينا، ونحن نرقب المشهد في ذهول منكسر، نرى الشرر والشظايا تتطاير في الفضاء، ونعرف أنها أرواحنا».
سنوات التكوين
أما الرحبي فيقول في صفحات كتابه الأولى إنه عاش في القاهرة سنوات التكوين المعرفي والعاطفي والوجداني الأولى، وكانت هي البوابة بالنسبة له نحو العالم، بما يعنيه من سياسة وحداثة أدبية وفكرية، وهي البداية الحقيقية للتعرف على الذات، جسدا ومشاعر، وكذلك على «الآخر» أو العالم، ليس ذلك العربي البعيد، إنما العربي أيضا الذي ننتمي إلى لغته وثقافته.
الرحبي يصف كتاباته التي ضمها هنا عنوان ودفتان، بأنها لا يجمعها إلا المكان القاهري الغائب وصفة الأدب، ذاكرا أنها كتبت في فترات متباعدة، ولا يخضع ترتيبها داخل الكتاب إلى تسلسل زمني. ما يؤكده الرحبي هنا هو أن الكائن المنفي أو المغترب في برهتنا الراهنة، ليس ذاك المقذوف خارج منطقة مكانية بعينها تسمى وطنا، وإنما ذاك الذي أضاع مكانه جذريّا في العالم، وبدأ رحلة التيه الحقيقية التي لا أمل في العودة منها. الرحبي، في حديثه عن الوطن والمنفى، يتساءل هل ما زالت الأمكنة الأولى، أمكنة الطفولة، دوافع جذب وحنين؟ هل ما زال ذلك النبع الذي تنهل منه مخيلة الكتابة، بؤرة الأماكن في تشظيها وتعددها، مرجع الذاكرة في رحلتها الشاقة بين المدن الغريبة والناس الغرباء؟ أم كفّت عن أن تكون كذلك، وأحكمَ التيه والانخلاع قبضته الأزلية؟
حياة خاصة
هنا أيضا يقول الرحبي إن البعد الوجودي الأنطولوجي للمنفى، بأبعاد اجتماعية وسياسية، وهذه الأخيرة تلهب الأولى وتدفع بها إلى حافة أكثر خطورة ومكابدة. تتضاعف المعاناة وتزدوج، فالإنسان أو الشاعر الذي دفعت به خياراته في ظروف محددة ودفعت به الصدفة إلى أن يكون مُلاحَقا من قِبل دولة وأجهزة لا ريب يعيش حالة حياة خاصة، وتختلط في رأسه الوقائع والأوهام على نحو كابوسي يوصل ليله بنهاره ويطوح به إلى حافة الجنون والموت.
الرحبي يتذكر هنا أول ليلة نزل فيها إلى القاهرة، وذهب ليسكن في حي الدقي المتاخم لحي بولاق الدكرور، سمع صفيرا يشبه النحيب، حسبه صفير بواخر راسية في عرض البحر، وحين ذهب صباحا إلى مصدر الصوت، شاهد قوافل حديدية تعبر السكك والقضبان، وحين عرف أن هذا المارد الخرافي اسمه قطار، راح ليفتش في المعجم عن معنى هذه الكلمة.
يكتب الرحبي أيضا عن أمل دنقل، القادم من الصعيد الأعلى إلى غرفة رقم 8، قائلا عنه إنه لم يكن إلا صدى ذلك الصعيد،، ورجعه وحنينه وصدقه، حد عري النصل ومضائه، الذي سيكون رافدا من روافد الشعر المصري والعربي.
الرحبي الذي يطلق على نفسه هنا لفظة الكائن، يقول بأن المترحل يصل إلى نوع من الوضوح الكاسر، ذاك الذي يحمل شفافية اليأس وقوة انكسار الأمل: لم يعد للتجوال في خرائط الجغرافيا حلم كشف وإشراق، لا للرحيل ولا للعودة إلى الوطن، ولا إلى المنفى. لقد أدى ذلك إلى أن تهشمت في مخيلته ووجدانه هذه الثنائيات، لتحل محلها خريطة متناقضات داخلية متموجة بجمال وقسوة خاصين. كذلك يضيف الكاتــــب قائلا إنـــه في وهم الوطن الموازي أو البديل، أو أي اسم آخر، الذي يسمى الكتابة، تحلم الذات الكاتبة أن تلامس قبس وحدة وجود مبعثرة في الأصقاع، وأن تنقذ ما أمكن وسط جلبة الإعصار والهشيم.
الخطوة الأولى
هنا، وفي رحلته هذه، يرى الرحبي أن الخطوة الأولى هي الأكثر خطورة في تاريخ الإنسان، وهي اللحظة التي تختزل كل شيء باتجاه اللاشيء، ذاكرا أن الأماكن التي رحل إليها قادما من الطرف الأقصى لشبه الجزيرة العربية، كانت جنة الحلم الأول، من فرط حضورها في مخيلة طفل. يرحل الرحبي إلى مدن عدة وبعد سنين من البرد والمسافة والحنين، يعود إلى مواطنه الأولى، ويغمض عينيه على عاصفة ستقتلعه بعد قليل إلى رحيل آخر، منازل تصطفق أبوابها دائما في أعماق الريح بجانب رأسه. في زمن بداياته هنا نعرف أن أول صورة شاهدها لزعيم سياسي هي صورة جمال عبد الناصر، وكانت معلقة على جدار غرفة شبه معتمة في بيت جارهم في القرية، إذ كان أبوه يرفض اقتناء وتعليق الصور البشرية، لأسباب عقائدية ومذهبية. أما حين قَدُم الكاتب إلى القاهرة رآها مفعمة بحضور غياب عبد الناصر وصورته، مضيفا أنه رحل ليبقى ظل أسطورته يحتل الأفئدة من مكانه الآخر، ويمارس سطوته، واصفا مشهد جنازته بالأسطوري: لقد تحطمت السفن قبل أن تبحر إلى البعيد. وحده الزعيم أبحر في مشهده الجنائزي العاصف. ربما تذكر، وهو يعبر في موكبه من ميدان التحرير إلى منشية البكري، ويعبر الأرض العربية قاطبة، أنه قرأ في طفولته أسطورة الإله الفرعوني رع، الذي أوجد العالم من بصاق ودموع، ونام إغفاءته الأخيرة. الرحبي الذي يرى أن الكتابة مكيدة للزمن، ويقول بأن الكثير من معارك التاريخ الفاصلة دارت في ظلام دامس، يذكر هنا أن الأحلام تريح صاحبها، خاصة وهو في رحلته الحلمية يعيش حيوات متعددة، حيوات الحاضر والحياة التي عاشها. هنا يكتب الرحبي كذلك قائلا ربما علينا أن نحشد ما نستطيع من وسائل المواجهة للاستبداد الزمني على مشاعرنا وأجسادنا، وننعم بقسط من سلام الروح، حتى لو كانت له الضربة القاضية في النهاية. لكن قبل تلك الضربة والضربات التي تمهد لها، ثمة واحات نخيل خضراء وحدائق خلفية نمرح فيها، وتحمل صباحاتنا رائحة عشبها الندي.
دنقل وصالح
في كتابه هذا يكتب الرحبي أيضا عن أمل دنقل، القادم من الصعيد الأعلى إلى غرفة رقم 8، قائلا عنه إنه لم يكن إلا صدى ذلك الصعيد،، ورجعه وحنينه وصدقه، حد عري النصل ومضائه، الذي سيكون رافدا من روافد الشعر المصري والعربي، مضيفا أن دنقل كان يحاول الغرف من طين المدينة ودخانها ومخلوقاتها، ومن ذاكرته الصعيدية الشرسة، ومن التاريخ. كذلك يكتب الرحبي هنا عن قاهرة الشاعر علي قنديل واصفا إياه، بأنه كان يؤشر بقصائده للغة شعرية مختلفة عما ساد أجواء الشعر المصري. كما يكتب عن حلمي سالم، وغالب هلسا والقاهرة، وعن سارتر ونجلاء فتحي. إلى جانب مقالاته عن رحلته وبقائه في القاهرة، يضم هذا الكتاب أربعة نصوص شعرية للكاتب، يتحدث في ثلاثة منها عن القاهرة وبعض أماكنها، وفي الرابع يتحدث عن أروى صالح. وفي الأخير يلخص الرحبي رحلة بقائه لسنوات في مصر قائلا، إن علاقته الوجدانية بمصر تبقى قضية حيوية بالنسبة له، غير قابلة للمزايدة والإدراج في النقاشات التي تحركها نزوعات مرضية تحاول الاصطياد دائما.علاقة هي من النأي بمكان بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية.
٭ شاعر ومترجم مصري