في رواية «القتلة يحتفلون بالفلانتين» يكشف الروائي المصري محمد صفوت عن قدرة لافتة في تحويل الحكاية البسيطة إلى سرد له طبيعته الخاصة، فالحكاية البسيطة التي يمكن أن ينصت إليها البشر في دقائق معدودات يعطيها وجودا معرفيا، فالنص الروائي لا يقدم الحكاية عجفاء في استقامتها وخطوطها العريضة، بل يحيلها إلى بنية سردية مهمومة بالإنسان وتجربته الخاصة، وصراعه الوجودي مع الواقع وجزئياته، ويقدم في الوقت ذاته سجلا حافلا للإرغامات والتحولات التي تؤثر على الذات في حركتها، وفي تحوّلها من النقيض إلى النقيض، من قاتل مأجور مطارد إلى عاشق ثابت تهتزّ يده على الزناد.
تؤسس الرواية لمعاينة رحلة الشخصية في صراعها مع الواقع تاريخا يتجلى في لحظات الارتداد، من لحظة الميلاد إلى الحدث النامي، وفي ظل ذلك تبدو التعرجات والتحولات التي تمرّ بها شخصيتا الرواية في قسيمي الذكورة والأنوثة، وكأن بها نوعا من التوازي، فكلّما تشكل فقد في جزئية مؤسسة ترتبط بتعالقات سابقة لديهما، يتشكّل جزء مساو وارتباط جديد، فالفقد والاكتساب يشكلان جزءا مهما من بنية ومنطلقات الرواية. فتحولات كل شخصية منهما مرتبطة بماضيها الذي يؤثر بالضرورة في ردة فعلها وتوجهها.
يعاين القارئ في هذه الرواية سردية لها طابع مختلف، لأنها تحتفي في الأساس بشخصية القاتل المحترف، وتبحث في طبيعة عمله وتكوينه، وتحوّله من شخص يجيد الركض خوفا أمام خصومه ومطارديه، إلى شخص لديه قدرة على التوجه نحوهم، ليقتلهم بقلب عات. وتصوّر الرواية للقارئ الكيفية التي يعود بها إلى إنسانيته مرة أخرى، وتوجه القارئ نحو الشعور بالكيفية التي يبرّر بها فعل القتل، وكأنه فعل من أفعال القتل الرحيم الضرورية إنقاذا للمقتول، فالقتل في منطق الرواية ينقذ الشخصية المقتولة، من مصير أكثر سوءا، فالشخصية المقتولة هي التي تحدد موعد قتلها، وتحدد أيضا الطريقة الأقرب لروحها في عملية القتل.
حافظ النص الروائي – بلغته وحركته السردية – على التشويق المستمر، وكأننا أمام نص بوليسي يؤجل لحظة الكشف للقارئ في تعلقه بالبحث عن نهاية للقاتل، وللشخصية الأنثوية المقابلة (ملك)، في اكتشافها التدريجي المقدم بعناية، بوجود شخص يشاركها الإقامة في المنزل، دون أن تقابله، وهناك إحكام بنائي، فلا يشعر القارئ بخلل ما، فكل شخصية لها مدلولها الذي تتكشّف وظيفته داخل الكون الروائي بالتدريج، وكل إشارة إلى شيء مادي له دلالة وقيمة في لحظة ما.
التحولات المتوازية
للقسيمين ناجي وملك ثمة توازيات تبدأ من الإشكاليات الأولى، فناجي لديه إشكالية الركض المتواصل طالبا ومطلوبا نتيجة للثأر، وبعد مقتل أبيه، ازدادت مساحة الحيطة والحظر والهروب. أما إشكالية ملك فتتمثل في إحساسها الدائم بالكراهية من الأب، بسبب موت والدتها أثناء ولادتها، واستمرّ الأمر الخاص بالكراهية بعد انتقالها إلى كنف عمها. وقد كان لكل إشكالية دور في تأسيس الارتباط بنقيض حالهما، فالأول ظلت حياته بحثا عن إيقاع أو ارتباط أو ثبات، أو عن وجهه الذي توارى خلف الأقنعة، والأخرى ظلت حياتها بحثا عن الحب والقبول.
وفي ظل هاتين الإشكاليتين تولدت الوحدة لديهما، فهي تعاني من الوحدة الفعلية (موت الزوج- وغياب الحبيب يوسف)، وهو يعاني الوحدة الناتجة عن الإفراط في الحركة والركض، فنراه يتدثّر بأشباح المقتولين بعد قيامه بقتلهم، ويعقد تواصله معهم. فبعد أن أبصر من مخبئة ممارسة ملك الحب الافتراضي مع حبيبها، تقول عنه الرواية: (كان يظن أنه أينشتاين الوحدة الذي يفهم وحده معادلاتها وقوانينها الحادة والجافة. لم يتوقع أبدا أن للوحدة هذه المعادلة الغريبة والشاذة التي وضعتها عالمة الوحدة هذه النائمة على السرير).
إن التوازيات بين القسيمين التي شملت أشياء عديدة، ربما كان لها أثر في إحداث تواز يرتبط بنسق التحولات التي تصيب كل واحد منهما. فالرواية تنقسم إلى قسمين، في الأول منهما هناك ارتكان للكشف عن القاتل المحترف الهارب من رجال الأمن، ودخوله إلى منزل امرأة، يقيم معها، يأكل طعامها، ويدخن سجائرها بدون أن تراه، فيدرك إشكاليتها، ويتعرف على روحها، وينتهي الجزء الأول بعد أن يقيم لها حفل عيد ميلاد من دون أن تعرفه أو تراه، ومن هنا تبدأ ملك في الشك بوجود شخص في منزلها. ويبدأ القسم الثاني كاشفا عن تعرفها إليه وجودا شبحيا طيفيا، ويأتي الكارت الذي تركه الضابط الذي كان يطارد (ناجي) من خلال وجوده في فنجان القهوة سببا في الانتباه، يجعلها تستعيد معاينة أشياء مرّت بها، لم تكن تلقي لها بالا، مثل تقصان طعامها وسجائرها، والتغييرات التي تصيب دولابها وأشياءها، أو صندوق رسائلها، بالإضافة إلى إحساسها بظل شخص يتخايل في بعض الأحيان.
يدخلنا القسم الثاني إلى مجموعة من التحولات التي تصيب الرجل والمرأة ممثلي القسيمين، فهو بإدراكه روحها الهشّة والرقيقة تولّد لديه إحساس جديد، وهي بتتبعها لحقيقة وجوده وإقامته بشكل متقطع بمنزلها من دون أن تراه، أصابها الكثير من التغيّر، خاصة بعد إدراكها أن الرسائل الموقعة باسم حبيبها وعرّابها يوسف في نابولي ليست له، لأنها لا تحمل رائحته. فالتحولات التي أصابت كليهما تحولات ترتبط بالفقد التدريجي في مسارها نحو سلطة نموذجها المتخيل. فقد بدأ ناجي بالتخلي بالتدريج عن (الركض) الذي يمثل سمة كل قاتل، منحازا إلى الثبات الذي يتشكل في حدود الارتباط بشخص أو مكان، والحنين إلى كليهما.
أولى أشكال التحوّل تتمثل في الحب والحنين إلى امرأة أو مكان، وهو تحوّل يكشف عن مغايرة، فقد كان يغلق كل الأبواب المؤدية لهذا المشاعر. وربما تجاوب مع فكرة الحب والحنين، القدرة على كتابة رسالة إليها، ففي منطق الرواية هناك تشابه بين فعل القتل وفعل الكتابة، (فالقتلة حين يكتبون خطابات غرامية، يكتبون للنفس الأخير، لأنهم يكتبون بمثل هذا الصدق الذي يقتلون به، لأنهم يعتقدون أنها رسالتهم الأخيرة). ويتجاوب مع ما سبق رغبة حارقة في العودة إلى أماكن الميلاد، وفي ذلك نوع من الوقوف المفضي إلى مساحة من الانكشاف الذي يخشاه أي قاتل، وفيه ولو بشكل جزئي تخلّ عن الركض الدائم.
لكن التحولات بالنسبة لملك في انشداداها إلى ناجي، لم تؤد إلى لقاء مباشر، فقد ظلت الرسائل المتبادلة على آنية الطعام الوسيلة الوحيدة، بالرغم من وجوده في محيط مكانها، فتحسّ فقط بأنفاسه وبوجوده الشبحي، ولهذا يصبح السؤال الذي صاغته الرواية قبل نهايتها (ماذا يمكن أن يقدم لها (ناجي) سوى ما قدمه لها يوسف؟) ذا مشروعية، للتحوّل في طبيعة المنتَظر، وللإشارة إلى روح معذّبة دائما بالحب الخاص الذي لا يقلّص الوحدة وقانونها، ولا يتحقق إلا في شكل افتراضي متخيل، أو من خلال رسائل متبادلة في صندوق وحدتها المملوء بالرسائل التي تتعافى بقراءتها.
القتل المقدس والأقوال المعرفية
القتل في الرواية يتجلى بوصفه عملا له نوع من القداسة، فالرواية لا تجعله فعلا بغيضا، يقوم به القاتل المحترف، بل تجعله فعلا فيه نوع من المشاركة، فالمقتول في النص له دور في الفعل والحركة والمشاركة، فالشخصبة المقتولة – في منطق الرواية- (تقوده إلى عالمها، المسرح الذي تبغي أن يكون على خشبته عرضها الأخير). والقداسة هنا تتجلى في كون القتل حلّا للقاتل، وحلّا- أيضا- للمقتول. فحين عاد (ناجي) من منزل (ملك) متجها إلى القاهرة في جولة جديدة من ركضه المستمرّ للهروب الدائم، يقابل أشباحه المقتولين، ويكشف الحوار بينه وبين أحمد الكاشف، عن أن فعل قتله تمّ في وقته، تقول الرواية (داعب الكاشف زجاجة البيرة، هزّ رأسه، قال: على كل حال أخرجتني نهايتي من ورطات عديدة، لم أكن أعلم كيف يمكنني حلّها إذا بقيت على قيد الحياة).
يبدو القتل في بعض أشكاله داخل الرواية، وكأنه فعل مقدس لديه قدرة على القضاء على ذوي الأمراض السادية، مثل مقتل الثري العربي داخل الفندق، لقاء أفعاله السادية والاستغلالية للفتاة التي ترافقه، فالقتل هنا (للقضاء على الغطرسة إلى الأبد). ويكتسب القتل مسحة من القداسة في قتله للشيخ (أبو العيون)، بوصفه رمزا للسلطة الدينية التي لا تكف عن توغلها في إرهاب البشر، بدعوى الدين، بالرغم من كونهم يقومون بأفعال شائهة في الخفاء، فالقتل هنا يأتي بوصفه تنفيذا لصوت العدالة، والقاتل المحترف ليس سوى أداة لهذه العدالة.
في رواية كهذه، تحاول أن تمرر أفكارها الغريبة وقناعاتها، فهناك بالضرورة حضور لأقوال معرفية لها قدرة على الإقناع والحركة. الأقوال المعرفية في النص الروائي تبدأ مشدودة، إلى الحدث النامي، لكنها في لحظة ما تفرد أجنحتها وتحلق بعيدا عن هذا الحدث موضوع السرد، لتجعل مقاربة الأمر شأنا عاما بالشريحة التي ينتمي إليها البطل، أو بالوجود الإنساني بشكل عام. وهي بوجودها على هذا النحو المزدوج تحمل وظائف سردية عديدة، ولكنها أهمها –فيما أعتقد- يتمثل في التمهيد للحركة أو للنقلة السردية، فهي في الأساس فعل توجيه، أو فعل تهيئة، خاصة إذا كانت الشخصية مركبة، وتحتاج هذا التوجيه المستمر لفعلها أو لاختيارها، وكأن في ذلك تبريرا يمارس وظيفته وحضوره طوال النص الروائي.
هذه الأقوال المعرفية المقتضبة، وبنيتها النصية الملهمة، وكأنها نتاج تجارب ممتدة وليست نتاج لحظة راهنة تحمل –في غالب الأحيان- فخّا من فخاخ الإقناع، يستخدمها السارد- وهو سارد ملتحم بالغياب- ليقنعنا بمشروعية الحركة، ومشروعية الأحاسيس التي تحلّ بالبطل، كشفا عن الحركة القادمة، أو النقلة السردية، فوظيفتها تتشكّل داخل حدود البنية. فالعبارة التي كانت ملهمة، من خلال استحضار مقولة والده (الرجال لا يتوقفون علن الركض)، نجدها في نهاية الرواية – انتصارا لخيارات البطل بالتوقف والثبات- تتعرض للتفكيك، ومن ثمّ يتمّ تغييب أثرها، وتغييب قدرتها على التأثير في الحركة، في إطار سياق عام لا يحفل باللحظة الجزئية السردية، بل تتواشج مع لحظة ترتبط بالبشر بشكل عام، في سياقاتهم العديدة ومقارباتهم وخياراتهم داخل الواقع الإنساني، ومن ثم تتغيّر صياغة المقولة المعرفية بمقولة أخرى، لإحداث مشروعية التوجه نحو الثبات والوقوف، والوقوع في الحب.
وحدث التعرّي – حيث تمارسه بوصفه طقسا يوميا مع نفسها – بعد رحيل صديقتها، لم يؤد إلى وجود إثارة جسدية لديه، وإنما كشف عن بداية ارتباط روحي بين شبيهين، فقد كشف النص الروائي من خلال التداعيات على أنه شبيه بحلقات الذكر الصوفية، ودورها في توليد حالة من النشوة، فيما تتركه من أثر روحاني، ويتجلى أيضا فيما يسدله النص من مشابهة بين أعضائها وأشياء واقعية كاشفة عن القداسة، فالنهد مثل قبّة كنيسة، وكأن المشهد كله يمثل نوعا من التسامي، لعقد اتصال بمطلق روحاني خاص تشكله الذات الأنثوية بتعريها. ويمكن أن تكون الأحلام التي تجلّت كثيرا في النص الروائي داخلة في إطار هذا التوجه الخاص بصناعة وتشكيل الحركة السردية القادمة، لأن الأحلام جزء من الرؤيا التي تتكشّف تدريجيا، وتوجه وتؤثر على الحركة السردية في نقلاتها البنائية.
محمد صفوت: «القتلة يحتفلون بالفلانتين»
دار المحرر/ القاهرة 2024
174 صفحة.