طرابلس-»القدس العربي»: رغم انتصاف سنة 2021 لا تزال ليبيا بدون مشروع ميزانية معتمد من الجهة التشريعية، ما كان له عواقب كثيرة ووخيمة انعكست بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني، بل ما زال يدور حولها الخلاف والجدل لعدة أسباب اختلف فيها المتتبعون للمشهد.
التوسع في الإنفاق كان السبب الأول على حد قول الحكومة لارجاع هذه الميزانية والامتناع عن اعتمادها في الجلسة الأولى للنظر فيها، بل حملت ملاحظات عدة فاقت موضوع التوسع بكثير، بل تخللتها الملاحظات القانونية والفنية والتنظيمية أيضا.
توسع في الإنفاق
حكومة الدبيبة قدمت في البداية مقترحا بمبلغ يقارب 97 مليار دينار، ثم وبعد أن استلم ملاحظات مجلس النواب المطالبة بتقليصها إلى أن تدخل ضمن فئة السبعين مليارا، قلصها لأربعة مليارات فقط مما جعل خيار اعتمادها بعيدا جدا.
حيث أكد نائب بمجلس النواب في تصريح لـ»القدس العربي» أن الحكومة لم تراع الملاحظات المحالة لها من قبل مجلس النواب، موضحا أن التخفيض في النفقات كان قليلا جدا.
وتابع أحد الأعضاء الذي رفض ذكر اسمه، أن مجلس النواب سيحاول أن يقوم بتعديل الميزانية بنفسه قدر الامكان بما يراعي الوضع الاقتصادي للدولة، وحساسية المرحلة، مستبعدا اعتمادها بهذا الحجم والرقم.
وختم النائب، أن الميزانية من المفترض أن تقلص حتى تصل إلى 79 أو 78 مليار دينار إلا أن الحكومة متمسكة بالتوسع في الإنفاق، مضيفا أن المجلس سيناقش الميزانية في جلسته الأسبوع المقبل .
النسخة المعدلة
حصلت «القدس العربي» على نسخة حصرية من مشروع الميزانية الموحدة بليبيا عقب تعديلها من قبل حكومة الوحدة الوطنية، بعد أن أوصى مجلس النواب بإعادتها إلى الحكومة لاحتوائها على عدد كبير من الأخطاء والمغالطات.
وقامت حكومة الوحدة الوطنية بتعديل الميزانية وتخفيضها إلى 93.8 مليار دينار ليبي، عقب أن قدمت في المرة الأولى بمبلغ يقارب من 97 مليار دينار.
وقد شمل التعديل باب المرتبات حيث رفع المخصص له إلى مبلغ 34.6 مليار دينار في مقابل 33.3 خصصت له في البداية، أما الباب الثاني والمتعلق بالميزانية التسييرية للجهات والوزارات التابعة للدولة فقد ارتفع هو الآخر من مبلغ 11.9 مليار دينار ليبي إلى 12.6.
وفي ما يتعلق بالباب الثالث والذي يشمل مخصصات التنمية فقد قامت الحكومة بتخفيضه بمبلغ 2 مليار دينار ليصبح إجمالي المخصص لها، 20 مليار دينار ليبي.
وفي ما يخص الباب الرابع والمتعلق بالدعم فقد قامت الحكومة بتخفيضه بمبلغ تجاوز المليار، حيث وصل المخصص له إلى 22.6 مليار دينار، في مقابل 23.6 خصصت له في المقترح الأول.
تفاصيل المقترح
كما حصلت «القدس العربي» على نسخة من مخصصات كل وزارة وجهة من الميزانية، وقد أظهرت هذه النسخة التفاوت الكبير بين ما منح لوزارات وجهات وأخرى والتوسع الفعلي في نفقات بعض الجهات التسييرية.
ورغم وجود تبريرات منطقية لدى الحكومة لتوسيع الإنفاق في بعض البنود الا إن الوضع الاقتصادي الهش الذي تمر به ليبيا يفرض الحرص والدقة في الإنفاق والصرف، لضمان فائض بين الإنفاق والايراد، ليسدد به دين الدولة العام الذي فاق الخمسين مليار دينار.
وأعلى الجهات التي خصصت لها ميزانيات في الباب التسيري الثاني، كانت وزارة المالية، والنفط والغاز، والشؤون الاجتماعية ، والصحة ومن ثم وزارة الدفاع، فالخارجية والداخلية.
الميزانية خصصت كبداية لمرتبات أعضاء مجلس النواب مبلغ 114 مليون دينار الأمر الذي يتطلب معالجة هذا البند وتخفيض ما يمنح في صورة مرتبات للمجلس ومكافآت وبدلات لكونها وحسب المتتبعين والخبراء، تشكل أحد أكبر أوجه الفساد.
ولم يكن الحال ببعيد عن المخصص من مرتبات للجهات التابعة للمجلس والتي تشكل الجهات الرقابية والسيادية، فديوان المحاسبة خصص له 136 مليونا للمرتبات، وهيئة الرقابة الإدارية خصص لها 169 مليونا أما الرقابة على الأغذية والأدوية فقد خصص لها 148 مليونا.
وتشهد ليبيا تفاوتا كبيرا بين مرتبات الجهات العامة التابعة للدولة، حيث أن الحد الأدنى للمرتبات هو 450 دينارا فقط، أي 100 دولار بسعر الصرف الرسمي، بينما تصل مرتبات جهات كمجلس النواب والرقابة إلى 5000 دينار فأكثر، ورغم وضع جدول جديد للمرتبات من قبل مجلس النواب منذ سنوات إلا أنه لم يعتمد.
ديوان المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء يشهد توسعا هو الآخر في بند المرتبات حيث خصص لديوان رئاسة الوزراء مبلغ 65 مليون دينار كمرتبات، بينما خصص لديوان المجلس الرئاسي 4 ملايين، رغم قلة عدد العاملين في ديوان المجالس، أما التسييرية فقد خصص لديوان مجلس الوزراء لوحده مبلغ 65 مليون دينار وللرئاسي 50 مليونا أخرى.
وزارات الحكومة
حكومة الوحدة الوطنية جاءت بـ27 وزارة و6 وزراء دولة، وهو ما أدى إلى التوسع في الإنفاق أيضا، حيث تحتاج كل وزارة إلى نفقات تسييرية ومرتبات، ما ضاعف من حجم الميزانية المقترحة.
وبتفصيل المخصص لوزارات الحكومة نجد أن ديوان وزارة الدفاع التي لم يوضع على رأسها وزير حتى الآن خصص لها 4.1 مليار دينار كمرتبات فقط و800 مليون كتسييرية، أما مجموع الميزانية للوزارة والجهات التابعة لها فقد وصل إلى أكثر من 4.5 مليار دينار كمرتبات .
وزارة النفط والغاز هي من قلائل الوزارات التي يحمل تخصيص مبالغ كبيرة لها تفسيرات منطقية نظرا للحاجة الملحة على تطوير منشآت النفط والغاز، وتعويض الضرر في البنية التحتية للقطاع، ورفع الإنتاج ضمن خطة وضعتها الوزارة لهذه السنة .
فعقب مطالبات المؤسسة الوطنية للنفط المتكررة بتخصيص ميزانيات كافية للمؤسسة لتتمكن من رفع إنتاج النفط الذي تقوم عليه الدولة اقتصاديا، خصصت لها الحكومة في الميزانية 2.1 مليار دينار ليبي، وللباب الأول 1.9 مليار .
وزارة الداخلية خصص لها 4.3 مليار دينار كمرتبات فقط، ما يطرح في هذا الإطار مشكلة مهمة وحساسة تعاني منها الدولة الليبية حيث يعمل في القطاع العام الليبي أكثر من 2.3 مليون عامل، ما يشكل نسبة كبيرة من السكان والتي وصلت تقريبا إلى 7 مليون نسمة .
هذه المشكلة تأتي جراء اهمال الحكومة للقطاع الخاص، وعدم محاولتها خلق شراكات استراتيجية معه خاصة في المشاريع المهمة والعملاقة، كغيرها من الدول القريبة قبل البعيدة، ما جعل كافة المواطنين يتوجهون للعمل الحكومي، فضلا عن طبيعة العمل الحكومي والبعيد عن الرقابة الإدارية مما يمكن العديد من تقاضي مرتبات دون عمل يذكر .
هذا التوسع مع اتخاد قرار زيادة المرتبات بنسبة 20 في المئة دون اتخاد إجراءات للتصفية والتنظيم ساهم في رفع المخصص للمرتبات لأكثر من 34 مليونا، ما يستوجب معالجة هذه النقطة بشكل سريع جدا .
وزارة العدل خصصت لها حكومة الوحدة الوطنية أكثر من 898 مليون دينار لبند المرتبات بينما خصص لها 222 مليونا كميزانية تسييرية لكافة القطاعات التي تندرج تحتها، ومنها المعهد العالي للقضاء وجهاز الشرطة القضائية .
الملفت في الميزانية ما خصص للسفارات في بند المرتبات والذي تعدى 860 مليون دينار رغم التوصيات المتكررة بتقليص عدد البعثاث الدبلوماسية والسفارات والقنصليات الخارجية حيث تمتلك ليبيا عددا كبيرا منها رغم انقطاع رحلات الطيران وقلة عدد الجالية الأجنبية، وقد اعتبر على مدار سنوات هذا البند من أوجه الفساد .
وضمن التبريرات المنطقية لارتفاع الإنفاق، فقد دخل ضمن إطار مخصصات وزارة المالية التي تعدت 3.5 مليار، 700 مليون دينار لتغطية مرتبات المواطنين قيد الافراج، حيث يعاني آلاف المواطنين من توقف للمرتبات منذ ما يزيد عن خمس سنوات، وهم من أصحاب العقود والتعيينات عقب الثورة ورغم مطالباتهم المتكررة إلا أن أي حلول لم توضع لهم .
ويدخل ضمن نطاق هذه التبريرات أيضا ما خصص لوزارة الشؤون الاجتماعية والذي تعدى 2.4 مليار دينار، حيث من المنتظر أن تكمل الوزارة صرف علاوة الأبناء والأسرة التي صدر فيها قانون من عام 2013 ولم ينفذ حتى عام 2021 بعد مجيء حكومة الوحدة الوطنية .
وضمن ما أثار الاستغراب في تفاصيل الميزانية هو المخصص لمفوضية العليا للانتخابات من ميزانية تسييرية حيث كان 3.5 مليون، رغم حاجتها لمبالغ أكبر لتتمكن من تنفيذ المناط بها من استحقاقات من الجانب التسييري .
كما أن نقطة مهمة تحسب إلى الحكومة أثناء اعدادها للميزانية وهي إلغاء بند مخصصات القيادة العامة للقوات المسلحة وتهميشها، في متابعة لسلسلة اقصاء حفتر والرغبة في إعادة الإعمار .
الخلافات والتأخير
ورغم تقديم الحكومة لمشروع ميزانية معدل إلا أنه لم يحظ بقبول مبدئي من قبل النواب، فتوسع الإنفاق من قبل الحكومة فضلا عن الخلافات التي تعلو قبة البرلمان حامل لواء الاعتماد كانت وستكون سببا رئيسيا في فشل اعتمادها في جلسة الاثنين .
حيث رفض النائب الأول لمجلس النواب أسلوب الدعوة لعقد جلسة مجلس النواب بشكل أحادي من قبل رئيس مجلس النواب بطبرق، واعتبره تجاوزا للقانون ما يثير التوقعات بشأن عدم وصول الجلسة للنصاب المطلوب للاعتماد حتى في حال الرغبة في ذلك .
مكان عقد جلسة مجلس النواب كان أحد الأسباب الرئيسية لهذا الخلاف الدائر حيث يرغب النويري وبعض النواب في عقد جلسة بمدينة طرابلس إلا أن بعضا آخر يصر على عقدها في مدينة طبرق، وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والذي يخشى من الهجوم الشعبي في حالة قرر عقدها في طرابلس، والهجوم من قبل القوى العسكرية .
المحلل الاقتصادي نور الدين حبارات كتب في هذا الإطار أن مشروع الميزانية المعدل يعكس مدى رغبة الحكومة للتوسع في الإنفاق غير المبرر والسير على نهج حكومتي الكيب وزيدان .
ورأى حبارات أن هذا التوسع يأتي لأسباب عدة أبرزها إدراج الحكومة لقيمة الإيرادات النفطية المتبقية عن سنة 2020 م والمقدرة بـ 17.380,000 مليار دينار كمصدر من مصادر تمويل الميزانية وذلك بهدف تجنب أي عجز غير مكتفية بقيمة الإيرادات المتوقعة للعام الحالي والتي قدرتها بـ 92.340,000 مليار دينار في الوقت الذي كان يتوجب على الحكومة عدم المساس بتلك الإيرادات المتبقية وإحالتها إلى حساب الاحتياطي العام .
وتابع حبارات أن نمط الميزانية المتبع أي نمط ميزانية البنود يساعد بشكل كبير وللأسف في إهدار الأموال، فهذا النمط تنظر من خلاله الحكومات على إن التوسع في الإنفاق إلى حد الإسراف جائز طالما الصرف لم يتجاوز الأسقف المحددة للبنود وتدعمه مستندات دون النظر إلى الحاجة أو المبرر من الصرف والنتائج المرجوة منه .
وفي ظل انتصاف وقرب انتهاء السنة المالية يتسائل معظم المحللين حول كيف ستقوم الحكومة بصرف هذه المبالغ الضخمة في غضون ستة أشهر فقط، في المقابل تتصاعد المخاوف من تبعات تأخر اعتماد الميزانية على المواطنين وعلى اقتصاد الدولة المتعطش لبعض الأموال للتطوير .