دمشق– «القدس العربي» : تغيب مظاهر الحياة في قرية الدكاكة التابعة لمخيم الركبان عند المثلث الحدودي بين الأردن والعراق وسوريا، في بقعة جغرافية محاصرة مبنية من أكواخ وخيام طينية بدائية، حيث تستمر معاناة النازحين في تلك المنطقة التي يتجاوز تعداد سكانها 8 آلاف نازح، منذ إطباق النظام السوري الحصار عليه في يوليو/ تموز 2019 وسط أزمة إنسانية قاسية.
ويقع مخيم الركبان ضمن منطقة الـ”55″ كم شرق محافظة حمص، حيث تواجه 1800 عائلة مصيرها في معارك يومية هي الأقسى من نوعها مع لقمة العيش وتأمين الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة.
وفي اتصال عبر خاصية الفيديو، وثقت “القدس العربي” بعضاً من المعاناة اليومية التي تكابدها أسرة صائمة لإعداد وجبة الإفطار في مخيم الركبان.
أم أحمد، سيدة أربعينية، تحدثت عبر عدسة الكاميرا من مطبخها، لـ “القدس العربي” وروت قصصاً من أمام موقدها وهي تعد وجبة الإفطار، وقالت: “سقى الله أيامك يا حمص وأيام موائد الإفطار العائلية واللقمة الهنية في تلك الأيام التي تقارن بيومنا هذا (…) ينقص المخيم كل شيء يحتاجه البيت، وينقصنا كل ما اعتاد عليه الصائمون”.
وأضافت وهي تحرّك حساء العدس: “أغلب المواد متواجدة في السوق، ولكن ينقصنا المال لأن الأسعار مرتفعة جداً مقارنة بمناطق أخرى من سوريا بثلاثة أضعاف على الأقل. ورغم قصر ذات اليد، ها أنا، أسوة بنساء المخيم أحاول أن أبدع لإحياء كل ما هو جميل في ذاكرتنا، ولكن ضمن المتاح. وكما تعلمين لا يوجد هنا مجال للعمل وغالباً ما يعمل الرجال في رعي الأغنام”.
وبينما تربعت أم أحمد بجانب الموقد الطيني، استلمت ابنتها آية الهاتف – وهي فتاة عشرينية – وتحدثت عما تحلّم أن تكون عليه قبل العيد فقالت: أتمنى لو أني في أي مكان في هذا العالم سوى المخيم البشع.
وأضافت آية لـ “القدس العربي”: “أجتمع مع صديقاتي في المخيم بعد الإفطار، ويغلب على أحادينا الشوق إلى تدمر وكل ما في حمص التي أتمنى أن أكون فيها قبل أن يحل علينا العيد، وأول ما أتمنى أن يتغير عندي هي ملابسي الرثة هذه”.
وتجولت عدسة الكاميرا التي حملها رئيس المجلس المحلي في مخيم الركبان محمد الدرباس بين أزقة وخيام، حيث عاينت “القدس العربي” أكواخاً طينية مترامية في قرية “الدكاكة” التي تتبع إدارياً لمحافظة حمص، وتقع في المنتصف بين مخيم الركبان وقاعدة التنف الأمريكية، وتبعد عنها حوالي 8 كيلو مترات، حيث لا مظاهر للحياة.
وحول مطالب الأهالي قال الدرباس: “مطالبنا حل جذري للمخيم من قبل الدول المعنية بالشأن السوري”، مشيراً إلى معاناة الأهالي “في الشأن الطبي والتعليمي والبطالة والمياه”. وقال: “نحن في صحراء قاحلة غير قابل للعيش فيها”.
وأضاف: “الأهالي هنا في سجن كبير والسجان موجود لا نستطيع الاقتراب منه ولا هو يستطيع الاقتراب منا. وفي إشارة إلى النظام السوري قال المتحدث: السجان لا يقدم لا الطعام ولا الماء ولا الطبابة للسجناء، حيث تأتي هذه المواد عن طريق التهريب وبعض التجار المخولين من قبل السجان مقابل مبالغ طائلة”.
وحول الأوضاع الطبية، قال رئيس المجلس المحلي في مخيم الركبان: “بالنسبة للطبابة لا يوجد هنا أطباء، ومن يتابع بعض الحالات هم ممرضون يقدمون الإسعافات الأولية فقط”.
وأضاف: “تدخل كل عدة شهور مساعدات رمزية من قبل جمعيات ومنظمات إنسانية، وهي مساعدات لا تكفي العائلة سوى أيام، أما المساعدات من قبل منظمات الأمم المتحدة لم تدخل من عام 2019”.
عن فرص العمل المتوفرة في المخيم، قال الفرص هي رعي الأغنام، ودق اللبن، وصناعة كتل الطوب من التراب لبناء البيوت الطينية، كما أن هناك قسماً من الشبان قد تطوعوا ضمن فصائل تابعة للتحالف الدولي، ويتقاضون مكافآت مالية من التحالف لمقاتلة داعش وحراسة منطقة 55 ومخيم الركبان بهدف منع عودة التنظيم إلى المنطقة، بينما يعيش قسم من أهالي المخيم على المساعدات المالية المقدمة من أقربائهم في الخارج السوري.
وحول استعداد الأهالي لاستقبال العيد، قال المتحدث: “لا يوجد أي تحضيرات للعيد مثل باقي بلدان العالم الإسلامي، ويقتصر الموضوع على حبات السكاكر التي توزع على الأطفال من قبل الأهالي لرسم البسمة على وجوههم”.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن عائلتين قد غادرتا مخيم الركبان مطلع الشهر الجاري، باتجاه مناطق سيطرة النظام السوري، حيث توجهت إحدى العائلات إلى مدينة تدمر والأخرى إلى مدينة القريتين بريف حمص، نتيجة تفاقم الأوضاع المعيشية في المخيم والحصار المفروض من قبل الميليشيات الإيرانية والنظام السوري.
وأشار المرصد السوري إلى أن الأوضاع الإنسانية تتفاقم شيئاً فشيئاً داخل مخيم الركبان “المنسي” في ظل مواصلة النظام وحواجزه تضييق الخناق على الأهالي.
وأضاف: “أغلقت قوات النظام الطريق التجاري الوحيد الذي يربط بين مناطق سيطرة قوات النظام بمنطقة المخيم، ما أدى إلى نفاد مواد التدفئة، تزامناً مع موجة صقيع تجتاح المخيم”.
سياسياً، حمّل رئيس الائتلاف الوطني السوري هادي البحرة في بيان له، أمس الخميس، الأمم المتحدة مسؤولية إنهاء معاناة النازحين في مخيم الركبان بـ “أسلوب عادل”، منتقداً تقصيرها “غير المبرر” في تقديم الدعم الإنساني وإنقاذ حياة السكان هناك.
وأوضح أن المعاناة الإنسانية تتفاقم في مخيم الركبان للسوريين بعد العاصفة المطرية التي ضربت المنطقة خلال الأيام الماضية، وألحقت أضراراً جسيمة في خيام السكان، مشيراً إلى أن ما يجري هو “تقصير غير مبرر للأمم المتحدة ومنظماتها في إيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى تلك المنطقة بسبب حصار نظام الأسد وداعميه للمخيم”.
وأكد البحرة على مسؤولية المجتمع الدولي عن إنهاء معاناة النازحين في مخيم الركبان بأسلوب عادل، ولا سيما في ظل الظروف القاسية التي تعيشها العائلات من حيث المأوى والغذاء والدواء وجميع مقومات الحياة.
في غضون ذلك، اتهم “روبرت وود” نائب المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، في تصريحات سابقة مطلع الشهر الجاري، نظام الأسد وروسيا بمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى مخيم “الركبان” مؤكداً ضرورة وصول المساعدات إلى جميع السوريين دون عوائق.
ونفى وود، وجود سبب يمنع حكومة دمشق وجميع الأطراف في سوريا من ضمان وصول المساعدات الإنسانية طالما استمرت الاحتياجات، التي باتت الآن في أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.
ولفت إلى أن بلاده رحبت بتمديد دخول المساعدات الأممية إلى شمال غربي سوريا من معبري “باب السلامة” و”الراعي” لمدة ثلاثة أشهر، لكن “إعادة السماح بفتح هذه المعابر لمدة 90 يوماً ليس نهجاً مستداماً لمعالجة حجم الاحتياجات الإنسانية في سوريا”.
واعتبر أن دمشق اختبأت خلف موسكو ورفضت المفاوضات المباشرة لفترة طويلة جداً، مشدداً على أن روسيا تعرقل التقدم السياسي في سوريا على النحو المنصوص عليه في القرار 2254، ودعا السفير الأمريكي، حكومة دمشق إلى القيام بدورها في تنفيذ وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، والانخراط في العملية السياسية بحسن نية.
وسبق أن زار وفد من قوات التحالف الدولي، الفرن الآلي ومشفى شام الطبي في مخيم الركبان القريب من الحدود الأردنية، كانون الثاني/ يناير الماضي، وقال موقع “حصار” المحلي المعني بأخبار مخيم الركبان، إن الوفد التقى خلال الزيارة بعدد من أهالي مخيم الركبان واستمع إلى مطالبهم، متعهداً بإيجاد الحلول لعدد من المشاكل التي تعترض سكان المخيم المحاصر من قبل النظام والميليشيات الموالية لها.
ونوه إلى أن مطالب الأهالي ركزت على افتتاح مراكز طبية وتأمين الطرق لدخول المنظمات الإنسانية، وفتح باب تطوع شبان المخيم في قوات التحالف، تعتبر هذه الزيارة هي الثانية لقوات التحالف بعد زيارته الأولى للمخيم في 26 أيلول/ سبتمبر 2023 برفقة المنظمة السورية للطوارئ.