غزة- “القدس العربي”:
على وقع أصوات القصف العنيف، وامتداد التوغل البري لجيش الاحتلال إلى أماكن أخرى وسط مدينة رفح، خرجت عشرات الأسر من المدينة، لا تحمل إلا القليل من الأمتعة، متجهة إلى مناطق نزوح جديدة، خوفا من تعرضها لمجازر دموية، تشابه تلك التي طالت خيام النازحين خلال اليومين الماضيين.
وسط شوارع خالية تماما من الحركة، خرجت الأسر التي كانت تقيم على مقربة من وسط مدينة رفح، سيرا على الأقدام، وهي تحمل القليل من الملابس والطعام، وتتجه إلى مناطق غرب المدينة، ومن هناك إلى مناطق النزوح في غرب مدينة خانيونس ووسط قطاع غزة.
وقالت سيدة في الخمسينات من العمر، وقد كانت تسير برفقة عدد من أبنائها وتمسك بيديها اثنين من أحفادها الصغار: “ما قدرنا نتحمل، القصف في كل مكان، وخفنا يقصفوا الدار”.
وأشارت هذه السيدة وتدعى أم أحمد، إلى أن أخبار مجازر خيام النازحين دبت في قلوبهم الخوف، خشية من قيام جيش الاحتلال باستهداف مناطق سكنهم.
وكانت هذه السيدة وبعض من جيرانها قد قرروا البقاء في منازلهم الواقعة ما بين وسط وغرب مدينة رفح، غير أن الغارات الجوية العنيفة التي استهدفت المناطق المجاورة بعد وصول قوات جيش الاحتلال إلى منطقة دوار العودة، أجبرتهم على النزوح.
وفي المناطق الواقعة غرب المدينة، حيث يتواجد بعض النازحين الذين سبق وأن وصلوا إليها هربا من العمليات العسكرية لجيش الاحتلال في مدينة غزة والشمال، خرج الكثير من هؤلاء مجددا في رحلة نزوح جديدة، وأكد الكثيرون منهم أنهم لم يحددوا بعد وجهتهم، وقد كانوا يضعون أمتعتهم من فرشات النوم والأغطية والملابس والقليل من الأكل، على عربات تجرها حيوانات، لعدم قدرة هذه الأسر النازحة على تحمل تكلفة النقل على متن شاحنات.
وعلى وقع أصوات الغارات الجوية التي استهدفت مناطق قريبة خلال رحلة النازحين، تعالت صرخات الأطفال فزعا، خاصة وأن طريق النزوح كانت مليئة بالركام الناجم عن غارات إسرائيلية استهدفت تلك الأماكن خلال اليومين الماضيين.
وقال سعيد حمد، الذي كان يقيم وأسرته في مركز إيواء غرب رفح: “كل يوم نزوح، احنا زهقنا وما عدنا نتحمل”، وقد أشار هذا الرجل إلى أنه نزح خمس مرات قبل أن يستقر في مدينة رفح منذ خمسة أشهر، وأضاف: “اليوم كمان هينا نزحنا”.
وكان هذا الرجل في طريقة للإقامة في خيمة قال إنه سينصبها في مدينة دير البلح وسط القطاع، بجوار أقارب وجيران له كانوا برفقته في مركز الإيواء، لكنهم آثروا النزوح في الأيام الأولى لبدء العملية العسكرية البرية ضد مدينة رفح، لتيقنهم أن جيش الاحتلال سيمضى في التقدم حتى احتلال المدينة بالكامل.
وكان جيش الاحتلال دفع بلواء عسكري جديد إلى رفح يوم الاثنين، ليصبح عدد الأولوية العسكرية في المدينة ستة، وذلك في إطار السعي لتوسيع العملية العسكرية البرية.
وبدأت قوات جيش الاحتلال في توسيع هجماتها الدامية وكذلك توسيع رقعة التوغل في رفح، حيث وصلت إلى وسط المدينة وبالتحديد عند دوار العودة، واستهدفت منطقة زعرب، الواقعة ما بين وسط وغرب المدينة، تمهيدا لدخولها بريا.
وفي غرب رفح، تكاد في هذا الوقت تنعدم مشاهدة خيام النازحين، بعد أن اضطر غالبية سكانها لتفكيكها والنزوح إلى خانيونس ودير البلح بعد المجزرتين الداميتين اللتين نفذتهما قوات الاحتلال.
وفي المجزرة الأولى ارتقى أكثر من 40 شهيدا، وفي الثانية أيضا عشرات الشهداء، غالبيتهم من الأطفال.
وفي هذا الوقت، يواصل النازحون في رفح تفكيك خيامهم المصنوعة من الخشب والمغطاة بقطع بلاستيكية، ثم يجري وضعها على متن شاحنات أو عربات تجرها حمير إلى مناطق نزوح جديدة.
وكان من بين من الأسر التي فككت خيامها، أسرة محمد أبو عودة، الذي تحدث عن مجزرة الخيام الأولى، والتي وقعت على مقربة من أماكن سكنهم في أحد مخيمات النزوح العشوائية.
وقال هذا الرجل وهو يقف قرب ما تبقى من خيمته بعد فك معظمها: “هان (وقد أشار إلى منطقة القصف)، نزلوا الصواريخ على الناس”.
وأشار إلى أنه بعد هذه المجزرة، أخذ وغيره من جيرانه قرار النزوح الجديد، وقال: “المشكلة إنهم بعد ما بيبلغونا وين نروح (يقصد الجيش الإسرائيلي) بيقوموا وبقصفونا”، وكان هذا الرجل يشير إلى ما يقوم به جيش الاحتلال، والذي كان يصنف منطقة سكنه غرب رفح على أنها منطقة عمليات إنسانية آمنة، فيما قام بقصفها واستهداف خيام النازحين أكثر من مرة.
وقال سامح، وهو رجل أربعيني كان يقطن قبل الحرب في شمال قطاع غزة، إن القصف المتواصل لمدينة رفح وخيام النازحين، أجبره على النزوح. وقد عبّر عن أمله في الحصول على مكان لنصب خيمة العائلة من جديد، لافتا إلى أن أسرته لم تعد تحتمل هذه الحياة الصعبة.
أما محمد وشاح، فقد كتب على فيسبوك، وهو يتحدث عن حياة النزوح الجديدة بمرارة: “في غزة، عدنا للحياة البدائية في ظل تطور الحياة، ذقنا من الوجع ما لم تذقه البشرية جمعاء”، وتابع وهو يشرح وضعه الحالي: “هل فكرت لحظة واحدة كيف يعيش الإنسان في خيمة بعد هدم منزله؟ هل فكرت لحظة واحدة كيف يعيش الإنسان بعد دفن كل عائلته؟”.
وأضاف: “حياتنا التي تحولت لطوابير من القهر”، وقد وضع صورا لرجال تصطف أمام مركز تجاري لشراء مواد تموينية، وآخرين اصطفوا في طابور تعبئة المياه.
وفي مدينة رفح، كان يقيم قبل بدء الهجوم الإسرائيلي نحو 1.4 مليون غالبيتهم من النازحين، فيما قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” إن مليون فلسطيني نزحوا من المدينة منذ بدء العملية العسكرية قبل ثلاثة أسابيع.
وقالت إن هذا العدد الكبير اضطر إلى النزوح من مدينة رفح، “رغم عدم وجود مكان آمن للذهاب إليه، وسط القصف الإسرائيلي”، وتحدثت عن مشاكل النازحين المتمثلة في نقص الغذاء والماء، وتكدس أكوام النفايات، والظروف المعيشية غير المناسبة، وقالت إن ذلك “يجعل تقديم المساعدة شبه مستحيل يوما بعد يوم”.
وتكلف عملية النزوح السكان مالا كثيرا، كما تتطلب بذل جهد كبير في عملية فك ونصب الخيام، ويؤكد السكان الذين وصلوا إلى مناطق النزوح الجديدة، أنهم خرجوا مع ظهور أول ضوء للنهار، بعد أن أمضوا الليالي الأخيرة للإقامة في رفح وهم يعانون من الخوف والفزع، خشية أن يكونوا من بين ضحايا الغارات والقصف المدفعي المتواصل.
وفي مناطق النزوح الجديدة كما السابقة، لا تتوفر الخدمات الأساسية للسكان، وأولها المياه سواء المخصصة للشرب أو للاستخدمات الأخرى، كما تشح كميات الطعام بسبب إغلاق إسرائيل لمعابر غزة، وسماحها فقط بدخول كميات مقلصة من الأطعمة.