«القدس العربي» ترصد معاناة النازحين السوريين في مخيم مريم في ريف إدلب خلال الشهر الكريم

هبة محمد
حجم الخط
0

إدلب – «القدس العربي»: استقبل النازحون السوريون شهر رمضان ضمن المخيمات مستحضرين ذكرياتهم الرمضانية قبل سنوات، إذ لم تكن لتكتمل موائد الإفطار من دون أطباق المقبلات و”طبخة بيضاء” في أول يوم من الشهر الكريم، وهي التي تعتمد على اللبن كنوع من الفأل الجيد، وفي مقدمتها الشاكرية بأنواعها، والكبة اللبنية، والشيشبرك، وشيخ المحشي، وباشا وعساكره، كما كانت لرمضان أجواء احتفالية مختلفة، يستعد لها السوريون منذ منتصف شعبان، وتبدأ بالتنافس في تزيين المنازل.
لكن بعد أكثر من عقد على الكارثة السورية، يقدر عدد النازحين داخلياً في شمال غرب سوريا بـ 2.8 مليون شخص. ويوجد حوالي 1.7 مليون من النازحين في 1,400 موقع للنزوح، من بينهم 80 في المائة من النساء والأطفال، فكيف استقبل النازحون شهر رمضان؟

رصد مخيم مريم

وأنت على مدخل “مخيم مريم” الذي يبعد نحو 5 كيلومترات عن مركز مدينة معرة مصرين في ريف إدلب شمال غربي سوريا، تميّز بين خيام قديمة بالية أنهكتها الظروف الجوية وتقلبات الطقس، وبين خيام النازحين الجدد بفعل الزلزال المدمر الذي ضرب مطلع شهر فبراير/شباط الفائت تركيا وامتد إلى شمال غربي سوريا، حيث انتقل هؤلاء بين ليلة وضحاها إلى المخيمات ومراكز الإيواء.
في هذه البقعة الجغرافية التي تعيش نكبات مضاعفة، والتي تضم نحو 13 مخيماً، يعيش في مخيم مريم وحده 700 عائلة مهجرة ونازحة أكثر من مرة، من بينهم 70 عائلة منكوبة بسبب الزلزال المدمر، تخوض تجربتها الأولى بين الخيام، مستقبلين شهر رمضان خارج منازلهم.
وفي اتصال عبر خاصية الفيديو، جابت “القدس العربي” أرجاء “مخيم مريم”، وعاينت طقوس رمضان التي بدت قليلة جداً بين النازحين، كما عايشت معاناة الأهالي في تدبير الوجبات وإعداد موائد الإفطار في أولى أيام شهر رمضان. الحاجة فاطمة الشامي – 75 عاما – تحدثت وهي تقاوم لحظات الحنين، وتحكي عن ذكرياتها في رمضان في بيتها وبين أولادها، وتقول: رغم المعاناة والحرمان الذي نعيشه منذ سنوات اللجوء الأولى، لكننا اليوم وفي رمضان نفتقد لكل شيء.
وتضيف: مائدة الافطار اليوم تقتصر على البطاطا المسلوقة والأرز، حتى التمر اليوم مفقود بعدما كانت أنواع التمور تزين المائدة.

أطباق منسية

وبابتسامة حزينة تابعت الحاجة: لقد ودعنا من زمن طويل، الوجبات البيضاء المطبوخة باللبن والتي اعتدنا على إعدادها في رمضان، هذه الأطباق تحتاج إلى اللحوم، “الشاكرية باللحم أو بالدجاج وأطباق الشش برك..هي الأكلات نسيناها مو بس نحنا كل المخيم نسيها”. تبعد المحال التجارية والأسواق عن المخيم الواقع جنوب معرة مصرين نحو 3 كيلومترات، وهناك في المنطقة المعزولة يفتقد الأهالي لفرص العمل، بينما لا يتجاوز مدخول الفرد دولارين. أنشئ “مخيم مريم” عام 2019 بعد الحملة العسكرية التي شنها النظام السوري على معرة النعمان وسراقب وخان شيخون وحلفايا واللطامنة وخان السبل، وتسببت حينها بنزوح مليون نسمة. وأقيم المخيم بشكل عشوائي، ما جعله يفتقد لكل ما هو أساسي، حيث أسست وحدة مياه جماعية لكل 30 خيمة، كما أنه مهمش من الناحية الطبية والتجارية.
أحمد المحمد وهو مسؤول عن أحد قطاعات المخيم، يقول لـ “القدس العربي”: أعرف عوائل لم تطبخ أول يوم في رمضان، فهي لا تملك قوت يومها، وأعرف عوائل أخرى كانت تقطف من حشائش الأرض لتعد مائدتها. وأضاف: الأطباق الرئيسية في رمضان سوف تعتمد على العدس والبرغل والأرز، بناء على ما تقدمه المنظمات الإغاثية عادة، أما ما اعتاد عليه الأهالي في أول أيام رمضان قبل سنوات، وخاصة اللحوم، فهذه رفاهية مخصصة للطبقة الغنية، أما الناس التي تعيش في الخيم من المفروغ منه أنها غير قادرة على إعداد مثل هذه الأطعمة.
وأضاف: لا توجد مقارنة بين يومية العامل ومصروفه اليومي، ولذلك يمكن أن تتوفر على موائد النازحين والمهجرين الأرز والعدس والبرغل والبطاطا والطماطم فقط، أما الوجبات الأخرى التي يدخل فيها اللبن مع اللحمة فهي للمناسبات الخاصة، ولا تقدم في رمضان، لأن الكيلو الواحد من لحم البقر سعره حوالي 160 ليرة تركية، أما كيلو لحم الغنم فسعره 180 ليرة تركي، بينما لا تتجاوز أجرة العامل اليومي 80 ليرة تركية في أحسن أحوالها. وتحتاج المائدة الرمضانية لليوم الواحد وفق المتحدث “200 ليرة تركية يوميا إذا أغفلنا المواد الهامة لإعداد الأطباق مثلاً الغاز”. وأثناء التجول في المخيم، التقت “القدس العربي” بالطفل عمران – 13 عاماً – وعند سؤاله عن أجواء رمضان والمائدة التي أفطر عليها، قال: “فطرنا أول يوم رمضان الطماطم المطبوخة فقط، ولم أر التمر على المائدة”.
يحيى رحال، 37 عاماً، وصل إلى المخيم بعد دمار منزله بفعل الزلزال في عفرين في ريف حلب، يقول لـ “القدس العربي”: “كنا في عفرين، وبعد الزلزال تهدمت بيوتنا وطلعنا على المخيم، وهون لا يوجد أجواء رمضانية، ولا حتى الموائد الرمضانية المعروفة”، وبعد أن صمت برهة أضاف: الوضع مختلف تماما، العالم عايشة هون بالمخيم بحيث ما تموت. ويضيف: كانت المائدة لا تخلو من المعروك المحشو بالتمر، وكان لليوم الأول في رمضان نكهة مختلفة لاختلاف وتنوع الأطعمة، وكانت الشاكرية والكبة بلبنية سيدة المائدة، أما المشروبات المنوعة فلها حكاية أخرى.

الملابس والغاز

لكن الأهم من الموائد كلها بنظر الشاب الثلاثيني “احتياجات أخرى مثل الإنارة والغاز لأنه ما فينا نعتمد على الوجبات المقدمة من المنظمات بسبب انقطاعها. لدي أطفال بحاجة لملابس. وأنا لا أتكلم هنا عن ملابس العيد، بل أحدثك عن ملابس ليكون لديهم بدل ثاني على الأقل”.
مدير “مخيم مريم” أحمد عبد الرحمن يقول لـ “القدس العربي”: حتى تاريخ الساعة لم يشهد المخيم أي نشاط للمنظمات الإغاثية بخصوص رمضان، ولم توزع وجبات أو نشاطات إفطار جماعي أو حتى فردي، بالرغم من أن المخيم يضم عشرات العائلات المهجرة بسبب الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا. وأضاف: الوضع صعب، والمخيم بحاجة لتقديم السلل الغذائية المفقودة منذ أكثر من شهرين.. المصروف كبير في رمضان، ولا يتجاوز دخل العامل اليومي دولارين، فضلاً عن انعدام القدرة الشرائية. ويضم “مخيم مريم” نحو 700 عائلة معظمها عائلات هجرت من أرياف حلب وادلب الجنوبي والشرقي من معرة النعمان وسراقب وجبل الزاوية وأبو ظهور.
وعن رمضان هذا العام يقول عبد الكريم الثلجي-34 عامًا- وهو مهجر من جنوب حلب إلى شمال إدلب: يمر رمضان الثالث عشر على السوريين في الشمال في أوضاع إنسانية صعبة، وسط الكثير من العوز والمعاناة في تأمين المعيشة. ويضيف: جاء الشهر الكريم بعد حادثة زلزال شباط المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا وخلّف عشرات الآلاف من النازحين الجدد.

لا زينة لرمضان

واعتاد الناس على التجهيز لرمضان قبل عشرة أيام، من زينة المنزل أو الشارع والمحال التجارية وتجهيز أجواء رمضانية خاصة، بالإضافة لتجهيز مونة وافرة للمنزل من أطعمة ومشروبات، ولكن تبدو أجواء رمضان هذه المرة حزينة. ويضيف: لا زينة في الشوارع ولا ازدحام على المحال التجارية بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى معظم الناس في المنطقة، وارتفاع الأسعار وخصوصاً اللحوم والخضروات والتي تعجز عن تأمينها كثير من العوائل، حتى أن التمور باتت شبه مفقودة من الموائد، فلن تكون المائدة عامرة ومتنوعة كما في الأعوام الماضية.
ونبه الثلجي إلى أن الأهالي لم يفتقدوا أصناف الطعام فحسب، بل إنهم افتقدوا بعض العادات التي كانت تصاحب رمضان حيث قال: في رمضان اليوم غابت الفرحة بدليل غياب ظاهرة (السكبة) وتوزيع صحون من الطبخ للجيران والأهل. وأضاف: ألقى الزلزال بثقله على كاهل معظم السوريين في الشمال وخصوصًا المقيمين في المخيمات البالغ عددها 1400 مخيم، فهم بالأساس يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة ولجأ اليها كثير من العوائل ممن تضرروا من الزلزال وسط شح في تقديم المساعدات الإنسانية، مما ينبئ بزيادة نسبة الفقر الذي يحول دون تأمين متطلبات رمضان لهذا العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية