“القدس العربي” تروي حكايات التهجير القسري والمجازر الإسرائيلية من أفواه اللاجئين القدامى والجدد

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة– “القدس العربي”: بخلاف المرارة التي يتجرعها الصغار قبل الكبار، عند مرور يوم 15 مايو من كل عام، وهو اليوم الذي أحكمت فيه العصابات الصهيونية، احتلالها لغالبية الأراضي الفلسطينية عام 1948، حين طردت السكان الفلسطينيين قسرا من مدنهم وقراهم، جاءت الذكرى في هذا العام تحمل مرارا جديدا أعاد التذكير بمشاهد حية عاشها الفلسطينيون قبل 73 عاما.

فمشهد الهروب من المسكن الذي كان يضم أفراد الأسر، بسبب عمليات القصف والقتل المروع وهربا من المجازر، والهرع إلى الشوارع بحثا عن مكان آخر، حدث عام 1948 ومن جديد يتكرر في هذه الأيام.

فقبل 73 عاما، خرج مئات الآلاف من الفلسطينيين هربا من قراهم ومدنهم، وتركوا ما يملكون هناك، ولم يكن حملهم فقط سوى الملابس التي على أجسادهم، فشقوا طرقا طويلة حتى وصلوا إلى قطاع غزة والضفة الغربية وآخرون اجتازوا الحدود إلى كل من الأردن وسوريا ولبنان، ليقيموا هناك في “مراكز إيواء”، أقامتها هيئات دولية، تحولت لاحقا إلى مخيمات لجوء لا تزال شاهدا على النكبة.

واليوم يزداد عدد من هربوا من مناطق سكناهم في قطاع غزة، التي تتعرض لقصف وغارات عنيفة، في مشهد مشابه لما كان عليه الوضع قبل 73، جابوا الشوارع والطائرات الإسرائيلية تلقي من فوقهم حممها النارية لتدمر وتقتل، حتى وصلوا إلى “مراكز إيواء” أقامتها وكالة “الأونروا” في مدارسها المنتشرة في عدة مناطق.

حكاية النكبة والهجرة

وما بين الأمس البعيد واليوم، تشابهت الروايات والقصص، فالمسنة حليمة ذات الـ 85 عاما ووالدة كاتب هذه الأسطر، والتي هاجرت مع أسرتها وأفراد قريتها المغار قضاء مدينة الرملة عام 1948، لا تزال تتذكر تلك الأيام المريرة التي قضتها في رحلة اللجوء، حتى وصلت إلى قطاع غزة، وأقامت منذ ذلك اليوم في أحد مخيمات اللاجئين، وواكبت تطوره من الخيام إلى الطوب، وقد تزوجت وأنجبت ورأت أحفاد أبناءها.

تلك الطفلة عام 1948، والتي كانت تكبر جميع إخوانها، تقول إن عوائل بلدتها قرروا على غرار القرى المجاورة الخروج من البلدة “مؤقتا” لحين انتهاء الحرب التي شنتها العصابات الصهيونية، والتي كانت تقابل بمواجهة من الجيوش العربية التي دخلت فلسطين للقتال، على أمل الانتصار، وتتذكر أنهم لم يكونوا يملكون سوى قلة من الطعام، فساروا مع طريق الساحل إلى قرى أخرى أبعد من مناطق القتال القريبة من بلدتهم، وظلوا يتنقلون من بلدة إلى بلدة، حيث كان خرج معهم في كل مرة في رحلة الوصول إلى غزة، سكان تلك البلدات، حاملين القليل من الأمتعة والطعام، خشية أيضا من هجمات العصابات الصهيونية.

وتستذكر تلك المسنة تلك الطريق التي كانت تتبادل خلالها حمل أشقائها الصغار، خلال رحلة المشي الطويلة والمخيفة، وكيف أمضوا أياما هم وآلاف اللاجئين الذين ساروا برفقه بعضهم البعض، يأكلون قلة الطعام، ولا تزال تذكر تلك اللحظة التي شن فيها الطيران الإسرائيلي غارات جوية عليهم وهم في منطقة قريبة من مدينة المجدل، فقتلوا من قتلوا وأصابوا من أصابوا، ولا تزال تتذكر وغيرها من الجيل الذي عايش “النكبة” مئات بل آلاف القصص التي تروي مرارة اللجوء، وفقدان المنزل، وعذابات الاحتلال، بعد ذلك، حين احتلت إسرائيل في العام 1967 قطاع غزة، والمجازر التي عايشوها وقتل خلالها آلاف الفلسطينيين.

“ما أشبه اليوم بالأمس”، هذا هو الحال الآن في قطاع غزة، فرغم رفض الفلسطينيين حاليا فكرة النزوح من جديد من مناطق سكناهم في الضفة وغزة إلى مناطق أخرى، إلا أن حمم الغارات الجوية والصواريخ الإسرائيلية أجبرتهم على ترك منازلهم مؤقتا، متوجهين إلى منازل الأقارب و”مراكز الإيواء” التي أقامتها “الأونروا” بحثا عن شيء من الأمن، رغم أن من بين من فروا من مناطق الهجمات العنيفة التي نفذتها طائرات الاحتلال، يعلمون أن المناطق التي يتوجهون إليها ربما لن تكون آمنة بعد وصولها، بما في ذلك “مراكز الإيواء” التي أقامتها المنظمة الدولية “الأونروا”، خاصة وأن تلك المراكز سبق وأن قصفت في حروب إسرائيل السابقة على غزة، ووقع خلالها شهداء وجرحى بينهم أطفال وشباب ومسنون.

وتحديدا في اليوم الأول لعيد الفطر، وهو اليوم الرابع للعدوان على غزة، ألقت أكثر من 150 طائرة حربية لجيش الاحتلال، والزوارق الحربية في أقل من ساعة أكثر من 500 صاروخ، على مناطق شمال قطاع غزة وتحديدا على بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا، وعلى مناطق شرق مدينة غزة، فصعدت ألسنة اللهب من أماكن الاستهداف ومن بينها منازل وأراض زراعية ومنشآت عدة إلى السماء، فأنارت ليل غزة الكالح، وبددت أصوات القصف العالية السكون، وأرعبت القاطنين على مسافات بعيدة من الاستهداف، وفي ذات الوقت، جمدت الدماء في عروق من عايشوا الحدث، وخرجوا بأطفالهم لا يملكون إلا ملابسهم في الشوارع هربا لمناطق داخل القطاع.

نكبة اليوم

وشابه مشهد الخروج من مناطق القصف، ما كان عليه الوضع قبل 73 عاما، وهو مشهد عايشه سكان البنايات التي أنذرت بالقصف قبل دقائق من استهدافها، فحرجوا على عجل تاركين منازلهم التي تحمل كل الذكريات، وتشتتوا في مناطق عدة، بعد أن أصبح المكان أثرا بعد عين، بفعل صواريخ الطائرات التي حولته إلى ركام، لكن آخرين من الغزيين ماتت ذكرياتهم بحلوها ومرها في منازلهم، بعد أن قضوا تحت الركام، إذ تعرضت منازلهم للقصف وبداخلها أطفال ونساء ورجال، دون سابق إنذار، كعوائل كثيرة منها عائلة أبو حطب وجودة والرنتيسي والكثيرون.

وظهرت أسر غزية وهي تركض في الشوارع، وأخرى حملت ما استطاعت من متاع على عربات تجرها الحيوانات، هربا إلى مراكز الإيواء، ليعايش هؤلاء بالتجربة الحية، تلك القصص التي سمعوها من الآباء والأجداد، الذين عايشوا ذكرى النكبة المريرة.

أحد من عاشوا تلك اللحظات المريرة قبل أيام شمال غزة، كتب على صفحته على موقع “فيسبوك”، “بعد ليلة دامية نجونا من الموت بأعجوبة”، فيما كتب محمد الكفارنة من سكان بلدة بيت حانون “لولا كرم الله ولطفه لم ينج أحد من أبناء بيت حانون (..) كنا نصارع طائرات الإف 16”.

وفي أحد مراكز الإيواء شمال غزة، افترشت العوائل التي وصلت إليه الأرض، وبدأ الأطفال يلهون في ساحة تلك المدرسة، والجميع من الكبار يرقب الأخبار ويتوجس من أصوات القصف، خاصة وأن مشهد الخروج الكبير من مساكنهم، لا يزال يراودهم، وفي ذلك المركز تواجدت عوائل كثيرة بعضها من الجيران، وآخرون من مناطق تبتعد عن بعضها البعض.

ويقول محمد أبو شباب في منتصف الأربعينيات، ويقطن قرية أم النصر القريبة من الحدود الشمالية للقطاع، إنه ومن معه من العائلة والجيران هربوا من مناطق القصف خشية من أن يكونوا ضحايا لمجازر جديدة، ويقول إن مشهد الخروج، كان يشابه ما يرويه كبار السن، عن مشاهد الخروج في العام 1948، في رحلة النكبة المريرة، ويقول هذا الرجل الذي يقيم في مركز الإيواء، إن الكثير من منازل قريته دمرت في الحرب التي شنتها إسرائيل عام 2014 على غزة.

واضطر سكان تلك المناطق للخروج على عجل من منازلهم دون أن يحملوا شيئا، حتى أن بعضهم فروا حفاة دون انتعال أحذيتهم من هول الغارات.

وفي ذلك المركز تواجدت عائلة أبو مليح، ومن بينها سيدة مسنة كانت طفلة صغيرة في عام النكبة، لم تكن تستذكر رحلة الهجرة، لكن الأحداث المشابهة، جعلتها تعايش الواقع، فتلك السيدة وتدعى فاطمة (75 عاما)، جلست في المركز بين أبنائها وأحفادها، الذين خرجوا حفاة لا يملكون سوى ملابسهم، بعد أن تركوا خلفهم كل ما يملكونه، وحتى الطعام تركوه خلفهم، للنجاة بأنفسهم.

وفي رحلة الهروب الجديدة التي تعيشها عوائل غزة، قضى الكثير من المواطنين قبل الخروج من تلك المناطق، وبعضهم خلال سيره إلى مراكز الإيواء، فصواريخ الطائرات الحربية الإسرائيلية، كانت تضرب بشكل غاشم تلك المنطقة، دون مراعاة وجود المدنيين.

وتقدر مؤسسات دولية أن عدد الذين فروا من الهجمات الإسرائيلية الدامية، وتركوا أماكن سكنهم بلغ نحو 10 آلاف مواطن، يقطنون بجوار مناطق قصفت وسببت دمارا في منازلهم، أو في مناطق قريبة من الحدود.

وقالت وكالة “الأونروا” إن مئات الأشخاص والعديد من اللاجئين الفلسطينيين، شرعوا بالبحث عن مأوى وملاذ آمن لهم في مدارسها، وبالتحديد في المناطق الشمالية من القطاع ومدينة غزة، وقالت إنها تقوم وبشكل عاجل بتحويل المدارس المجهزة لديها لتكون ملاجئ للفلسطينيين تدار بشكل صحيح، لكنها قالت إن الوضع يختلف قليلا عن السابق، حيث حاليا يتعين عليها الأخذ بعين الاعتبار جائحة كوفيد-19، والآلية التي يجب أن نتبعها للتقليل من مخاطر الازدحام في مكان محدود للغاية وانتشار الفايروس، وتؤكد أنه في حال استمرار الظروف الراهنة، فستحتاج إلى تنظيم الطعام والماء والمواد غير الغذائية لأولئك الذين يبحثون عن الأمان في الملاجئ التي تديرها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية