“القدس العربي” تسرد قصة الاجتياح الأخير لغزة: جنود الاحتلال استخدموا المعتقلين دروعا بشرية وبينهم من تحدث بالإنكليزية والإسبانية

أشرف الهور
حجم الخط
4

غزة – “القدس العربي”:

كشف شبان فلسطينيون يقطنون مناطق هاجمتها قوات الاحتلال مؤخرا في مدينة غزة، لـ “القدس العربي”، روايات جديدة عما تعرضوا له من عمليات بطش وتعذيب جسدي وحشي بعد اعتقالهم، اشتملت على إطلاق الكلاب البوليسية لتنهش أجسادهم، ومن قبل تعرض الكثير من المنازل للحرق والسكان بداخلها، وأخرى إلى إطلاق رصاص حي واستهدافها بقذائف صاروخية، دون أن يرحم جنود الاحتلال صرخات من بداخلها من الأطفال والنساء.

وتبدأ قصة المعاناة الجديدة لسكان المناطق الغربية والغربية الجنوبية لمدينة غزة، قبل ستة أيام، حين قرر جيش الاحتلال العودة للتوغل فيها، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على الانسحاب منها.

عودة الاجتياح

قبل دخول الدبابات والآليات العسكرية الكبيرة إلى تلك المناطق، والتي تضم أطراف حي الرمال الغربية، وحي تل الهوا وحي الشيخ عجلين، تعمد الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارات جوية عنيفة، شابهت تلك التي شنها في بداية المعركة البرية ضد تلك المناطق، والتي بدأها بعد أقل من شهر على الحرب الدامية.

استهدفت تلك الغارات الجوية العنيفة العديد من المربعات السكنية في تلك المناطق، فدمرت خلالها عشرات المنازل، وأوقعت العديد من الضحايا، في وقت كانت فيه طائرات مسيرة من نوع “كواد كابتر”، تجول بكثرة في سماء تلك المناطق، وتحلق على ارتفاعات منخفضة، وتطلق النار ولا تزال على كل متحرك.

 السكان القاطنون في المناطق الغربية لمدينة غزة، وتحديدا في منطقة “مربع أنصار”، و”دوار أبو مازن”، و”دوار حيدر عبد الشافي”، ومرفأ الصيادين، ومحيط الجامعات، استفاقوا فجأة بعد تلك الغارات على دخول آليات عسكرية إسرائيلية كثيرة للمنطقة.

يقول أحد المواطنين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال، في اليوم الأول للعملية البرية الجديدة، إنهم عاشوا أياما صعبة، وظنوا أنهم لن ينجوا من الموت

ومنذ انسحاب جيش الاحتلال من تلك المناطق، بعد تنفيذها اجتياحا بريا واسعا، تمكنت خلاله من محاصرة مشفى الشفاء القريب، قبل اقتحامه وتخريب أقسامه، واعتقال أطبائه، عاد سكان تلك المنطقة وسكان مناطق أخرى في مدينة غزة، للسكن في منازلهم ومنازل أقارب لهم هناك، هربا من الهجمات التي كانت تستهدف أحياء وسط مدينة غزة ومنها الزيتون والدرج، وأخرى شرق مدينة غزة كحي الشجاعية.

وفي الجامعات القريبة جدا من منطقة التوغل البرية الحالية، أقيمت العديد من “مراكز الإيواء”، التي يتواجد فيها آلاف النازحين.

ومن اللحظة الأولى لوصول تلك الدبابات أعادت تمركزها في منطقة “مربع أنصار”، وهو موقع أمني كان يضم قبل الحرب العديد من مقرات أجهزة الأمن والتدريب.

جرفت قوات الاحتلال العديد من الساحات في تلك المنطقة، ورفعت حولها كثبانا رملية، ووضعت عليها أسلاكا شائكة، لتصبح أشبه بسجن كبير.

ويقول أحد المواطنين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال رفقة عدد من أفراد عائلته وجيرانه، في اليوم الأول للعملية البرية الجديدة، إنهم عاشوا أياما صعبة، وظنوا أنهم لن ينجوا من الموت.

وقد فضل عدم ذكر اسمه، خشية من أن يطاله أو يطال أفراد أسرته الذين بقوا في غزة، أي أذى من جيش الاحتلال.

تفاصيل الاعتقال

وأضاف لـ “القدس العربي” وهو يسرد ما حصل “سمعنا إطلاق نار كثيفا في الحارة، تلاه صراخ للجيران، وأصوات تفجير قوية”، ويشير إلى أنهم لم يكونوا يعرفون ما يدور حولهم من أحداث، حيث تجمعت العائلة في غرفة واحدة فيها رب الأسرة والأم والأولاد المتزوجون ونساؤهم وأطفالهم.

ويشير إلى أن هذا الأمر حصل معهم، حيث بدأت طلقات الرصاص التي يطلقها جنود الاحتلال تصيب منزلهم بشكل مكثف، مع بعض القذائف الصاروخية، ويضيف “انهارت بعض جدران المنزل، وبدأ الكل (الجميع) يصرخ، وفجأة نادى جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت علينا بالنزول من المنزل”.

في تلك اللحظة لم يكن خيار لهذه الأسرة كغيرها سوى تطبيق الأوامر التي أصدرها جنود الاحتلال، فالبقاء في المنزل يعني الموت، والنزول يحمل مخاطر كبيرة من عمليات “إعدام ميداني” اعتاد جيش الاحتلال على تنفيذها خلال اجتياحاته، ونفذت أيضا في الاجتياح الحالي لتلك المناطق.

يقول شاهد العيان الذي تحدث لـ “القدس العربي”، إنه وخلال وجودهم أمام منزلهم، شاهدوا جنود الاحتلال وهم يفجرون بعض الجدران في المنزل

تمالكت هذه الأسرة نفسها، وبدأت بالنزول من الطابق الأول في البناية عبر السلالم إلى الأسفل، هناك شاهدوا جنودا كثرا من جيش الاحتلال، قاموا بالصراخ عليهم لإرباكهم، في وقت بدأ فيه جنود آخرون في الصعود إلى الأعلى، وهم يطلقون النار في أرجاء المنزل.

ويقول شاهد العيان الذي تحدث لـ “القدس العربي”، إنه وخلال وجودهم أمام منزلهم، شاهدوا جنود الاحتلال وهم يفجرون بعض الجدران في المنزل، كما شاهد قبل أن يجري تعصيب عينيه وعيون أشقائه ووالدهم بقطعة قماش، العديد من الحرائق تندلع في منازل الجيران، بفعل جنود الاحتلال.

وفور نزول أفراد الأسرة أسفل البناية، جرى الطلب من الرجال خلع ملابسهم باستثناء الملابس الداخلية، رغم برودة الجو، ورغم فظاعة المشهد أمام النساء والأطفال.

ولم يسلم أي من أفراد هذه الأسرة من الضرب المبرح من الجنود، منذ اللحظة الأولى لنزولهم أسفل البناية، حيث استقبلهم هناك الجنود بالركل والضرب بأعقاب البنادق أمام النساء والأطفال.

وقال “كان هناك جنود يحملون بأيديهم لثاما يستخدمه أفراد المقاومة، وصرخوا علينا: هذا وجدناه في المنزل، اعترفوا أين الأنفاق وأين المسحلين”.

وأشار إلى أن هذا الأمر تكرر مع جيرانهم ممن التقوهم في رحلة الاعتقال التي دامت لأكثر من يومين.

وفي أسفل البناية جرى التحقيق الميداني معهم، وكذلك مع نساء المنزل، واستمر لنحو ساعة، قبل أن تترك النساء والأطفال، ويجري اعتقال الرجال.

ومن تلك المناطق القريبة من شاطئ بحر غزة، جرى ربط أيدي المعتقلين خلف ظهورهم بقطعة بلاستيكية، ووضع قطعة قماش على أعينهم.

تعذيب قاس بالكلاب البوليسية

كما جرى اعتقال العديد من الشبان من مدارس قريبة من منازلهم، كان بها آلاف النازحين بعد أن تحولت المدارس إلى “مراكز إيواء”.

ويقول شاهد عيان آخر كان من سكان تلك المنطقة، وأجبر كغيره من الشبان على النزوح القسري لجنوب قطاع غزة: بعد أن جرى تجميع عدد منا، استخدمونا كـ “دروع بشرية” في اقتحام منازل أخرى، كرر معهم جنود الاحتلال ما حصل معنا.

وأضاف الشاهد وهو شاب في منتصف الثلاثينات “بعدها وضعونا بين دبابتين، وساروا بنا من الحارة إلى منطقة أنصار”.

في تلك المنطقة جرى وضع الرجال في ساحة واسعة محاطة بالأسلاك، ويقول شاهد العيان الثاني “جرى الاعتداء علينا بالضرب المبرح مرة أخرى، وجرى التحقيق معنا على انفراد في غرف تواجد فيها ضباط من جيش الاحتلال”.

يقول شاهد إنه سمع أصوات كلاب بوليسية تنبح بأصوات عالية في غرفة مجاورة، وسمع صراخ شبان، إذ قام جيش الاحتلال بإطلاق الكلاب البوليسية عليهم لتنهش أجسادهم

لكن هذا الشاب يقول إنه “سمع أصوات كلاب بوليسية تنبح بأصوات عالية في غرفة مجاورة، وسمع صراخ شبان، إذ قام جيش الاحتلال بإطلاق الكلاب البوليسية عليهم لتنهش أجسادهم”، مما دب الخوف والذعر في قلبه.

ويؤكد أن ذلك لم يكن صوتا فقط لإخافته، وغيره من المعتقلين، حيث شاهدوا حين جرى اقتيادهم لغرفة التحقيق تلك الكلاب يمسك وثاقها جنود وتقف عند الغرفة المجاورة.

وقد تركز التحقيق مع هؤلاء المعتقلين على سؤالهم عن إن كانوا قد شاهدوا “أجانب”، في منطقة سكناهم، أو شخصيات غريبة، وكان بذلك يسأل المحقق الإسرائيلي عن الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة في غزة.

كما جرى سؤال المعقلين إن كانوا يعرفون أفراد المقاومة، وأماكن تواجدهم الحالي، وعن “أنفاق المقاومة”، وأماكن الصواريخ.

ومع كل إجابة نفي كررها المعتقلون كان جنود الاحتلال ينهالون عليهم بالضرب المبرح.

يتحدثون الإنكليزية والإسبانية

لكن أكثر ما كان غريبا في الموضوع، هو ما أكده هذا الشاهد الذي تحدث لـ “القدس العربي”، وهو شاب خريج جامعي وملم باللغة الإنكليزية، حيث أكد أنه جرى التحقيق معهم من قبل ضباط يتحدثون العربية بدون طلاقة، وأنه سمع جنودا إسرائيليين يتحدثون فيما بينهم باللغة العبرية، وآخرين كانوا يتحدثون الإنكليزية بطلاقة، تدلل على أنهم ليسوا إسرائيليين، فيما فهم بعض الكلمات من جنود آخرين شاركوا في اعتقالهم وفي تعذيبهم، دللت على أنهم كانوا يتحدثون بالإسبانية.

والجدير ذكره أن العديد من التقارير أكدت وجود “جنود مرتزقة” من عدة جنسيات أجنبية، يعملون في صفوف جيش الاحتلال، خلال الهجمات البرية ضد قطاع غزة.

وقد شعر هؤلاء المعتقلون بالهزل الشديد، بعد أن حرمهم جنود الاحتلال من الأكل على مدار أكثر من يومين، حيث لم ينزل أمعاءهم سوى القليل من الماء.

ويؤكد الشهود أن شربة الماء كانت تصلهم من جنود الاحتلال بصعوبة وبعد العديد من المطالب، لافتا إلى أن أحدا منهم لم يكن يعرف مدة المكوث في هذا المكان، ولا ما حصل مع باقي أفراد أسرته من النساء والأطفال ممن تركوهم خلفهم.

وبعد رحلة تحقيق صعبة وقاسية، جرى اعتقال عدد من هؤلاء الشبان، فيما جرى إطلاق سراح آخرين، أمضوا فيها ساعات طويلة من المشي على الأقدام، بين الدبابات وفي طرق موحشة، لم يكن فيها سواهم، فيما كانت الطائرات المسيرة تراقب خط سيرهم.

ويقول أحد الشهود لـ “القدس العربي”: “من جديد وضعونا بين دبابتين، وأجبرونا على المشي من أنصار حتى نهاية الشيخ عجلين”، وهي مسافة تقدر بنحو أربعة كيلو مترات، حيث تعد منطقة الشيخ عجلين آخر أحياء مدينة غزة، ومن بعدها تبدأ منطقة وسط القطاع.

نزوح قسري

ويضيف “بعد الوصول إلى تلك المنطقة والمعروفة باسم “منطقة البيدر”، جرى فك رباط أيديهم، حيث تجمع في المكان شبان كثر، وطلب منهم أحد الجنود السير على الأقدام حتى مدينة دير البلح الواقعة وسط قطاع غزة، والتي تحدها مدينة خان يونس جنوب القطاع.

وقد هدد جنود الاحتلال هذا الحشد من المواطنين، بالاستهداف بالطائرات المسيرة التي حلقت فوقهم بكثافة، في حال قام بتجاوز خط السير المستقيم على طريق الرشيد الساحلي، حتى الوصول إلى النقطة التي حددها الجيش.

سار هؤلاء لمسافة تزيد عن الـ 15 كيلومترا، وقد تكبدوا عناء المشقة، لعدم وجود ما يشربونه أو ما يأكلونه لمساعدتهم على هذا الأمر.

مضت أكثر من ساعتين على هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف من الاستهداف الجوي، وكان من بين من أجبرهم جنود الاحتلال على النزوح القسري من مدينة غزة، رجال كبار في السن وآخرون مرضى وشبان.

بعد الوصول إلى مدينة دير البلح، قام هؤلاء المواطنون بالتفرق كل إلى وجهته، فمنهم من نزل في “مراكز الإيواء”، وآخرون عند أقارب أو أصدقاء، في مناطق وسط وجنوب القطاع.

ولا يعرف هؤلاء المواطنون الذين نزحوا قسرا شيئا عن أفراد عائلاتهم من النساء والأطفال ممن تركوهم خلفهم، ولا عن ذويهم الذين بقوا رهن الاعتقال.

والجدير ذكره أن قوات الاحتلال اعتقلت مئات المواطنين من قطاع غزة، منذ بدء الحرب على القطاع في السابع من أكتوبر الماضي، ولم يعرف مصير الكثير من هؤلاء حتى اللحظة، كما لا توجد إحصائية دقيقة لأعدادهم، في ظل رفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن القوائم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية