شعرت حكومة رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بارتياح كبير لقرار القضاء البريطاني السماح لها بتنفيذ خطتها في طرد طالبي اللجوء الذين «وصلوا إلى أراضي المملكة المتحدة بطريقة غير قانونية» بينما أثار هذا القرار مخاوف كبيرة لدى كثيرين بمن فيهم اللاجئون أنفسهم والهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان .
لكن المحكمة العليا في لندن «خلصت إلى أنه يحق للحكومة البريطانية أن تتخذ تدابير لإرسال طالبي لجوء إلى رواندا وأن يدرس طلبهم في رواندا بدلا من المملكة المتحدة». وأن التدابير التي قررتها الحكومة البريطانية لا تخالف اتفاقية جنيف للاجئين. لكن القضاء طلب من وزارة الداخلية مراجعة قرارها بشأن ثمانية مهاجرين اعترضوا على طردهم إلى رواندا حيث رأت المحكمة أن وزارة الداخلية لم تدرس بشكل واف أوضاع هؤلاء الأفراد الشخصية لمعرفة إن كانت ثمة عناصر تتعارض في حالتهم الخاصة، مع ترحيلهم إلى رواندا. الا أن قرار المحكمة العليا لصالح خطة الحكومة لا يعني أن رحلات الترحيل الجوية يمكن أن تقلع على الفور، بسبب إمكانية وجود دعاوى استئناف تقدم بها مهاجرون غير نظاميين في المحاكم البريطانية. وسبق أن تدخلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أمام المحكمة العليا في إطار هذا الملف مشددة على أن رواندا تفتقر إلى «مكونات الحد الأدنى لنظام لجوء موثوق وعادل» ومن شأن سياسة كهذه أن تفضي إلى «احتمالات خطرة لانتهاك» اتفاقية الأمم المتحدة حول وضع اللاجئين.
بالمقابل تريد حكومة رئيس الوزراء الحالي ريشي سوناك أن تحث الخطى بعدما ألغيت رحلة طرد أولى كانت مقررة في حزيران/يونيو إثر قرار صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان – ومقرها ستراسبورغ بفرنسا – طالب بدارسة معمقة لهذه السياسة.
لجوء تراه الحكومة غزوا
ويودع العام الحالي 2022 بحصيلة كبيرة من المهاجرين الذين وصلوا على متن ما يسمى بقوارب الموت إلى السواحل الإنكليزية عبر قناة بحر المانش الفاصلة بين الضفتين الفرنسية والبريطانية، حيث تشير التقديرات إلى أن قرابة 45 ألف مهاجر
استطاعوا اجتياز القناة وبلوغ سواحل بريطانيا في هذا العام بزيادة كبيرة عما كان عليه الحال العام الماضي حيث بلغت فيه أعداد الواصلين قرابة 28 ألفا و526 لاجئا.
وتلك الزيادة استندت إليها وزيرة الداخلية البريطانية سويلا برايفرمان للقول إن البلاد تتعرض لغزو من اللاجئين، وهي كلمة أثارت موجهة عارمة من الانتقادات ضدها رغم أنها لم تكترث بتلك الانتقادات وشددت وزيرة الداخلية على عزمها تطبيق المشروع «في أقرب وقت» وكشفت عن «حلمها» برؤية المهاجرين يرحّلون إلى رواندا. وأكدت الوزيرة «نحن مستعدون لندافع عن أنفسنا في وجه أي تحرك قضائي».
هذه القضية لها أوجه متعددة يرتبط بعضها بسياسة حكومة المحافظين التي قطعت للناخبين وعودا بمواجهة معضلة الهجرة غير الشرعية وذلك خلال الاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي «بريكست» وكانت المخاوف بشأن معدلات وصول المهاجرين قوة دافعة للتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في استفتاء 2016 حيث دعا المؤيدون بريطانيا إلى «استعادة السيطرة» على حدودها. ويرتبط الجانب الآخر من القضية بمافيات التهريب للبشر بمن فيها المافيات الأوروبية – التي تنشط في تهريب اللاجئين من ألبانيا – والمافيا الشرق أوسطية التي تتقاضى كما نظيرتها الأوروبية، أموالا طائلة من اللاجئين للعبور بهم إلى السواحل أو البر البريطاني، أو ترمي بهم وسط الأمواج في بحر المانش لمواجهة القدر، فيقعون ضحايا الغرق كما حصل لأربعة مهاجرين من بينهم مراهق قضوا غرقا وهم يحاولون العبور بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر، كما قضى 27 شخصا آخر في ظروف مماثلة قبل ما يزيد بقليل عن عام واحد، وأما الذين وصلوا فهم ينجون بصعوبة بالغة بعدما يرون الموت بأعينهم .
مستقبل يكتنفه الغموض
أحد اللاجئين الواصلين بعد معاندة الأمواج، تحدثت إليه «القدس العربي» فاشترط عدم الكشف عن هويته وإتخذ لنفسه إسما مستعارا هو «مازن» ليتحدث عن المعاناة الكبيرة التي لاقاها خلال رحلة اللجوء، وهو يخاف اليوم أن تطاله خطة الترحيل إلى رواندا لأن طلبه للجوء ما زال قيد الدراسة لدى وزارة الداخلية. ويقول مازن إن المركب الذي استقله في مياه البحر المتوسط نحو أوروبا كان مكتظا باللاجئين وبينهم نساء وأطفال، وهو مكون من طبقتين ويفتقد لأدنى معايير السلامة ولا يوجد فيها سترات نجاة كافية إلا القليل منها، ومن حسن حظه أن الطقس كان صيفيا لدى انطلاق القارب نحو البر الأوروبي، قبل ان تتناقل اللاجئين أيدي المهربين على مراحل متعددة وفي سرية تامة، ويضيف أنه وبعد الوصول إلى فرنسا، استطاع بلوغ منطقة كاليه على الضفة الفرنسية لبحر المانش، قبل متابعة الرحلة نحو السواحل البريطانية حيث استوقفتهم دورية لخفر السواحل واقتادتهم إلى أماكن مخصصة لإيواء اللاجئين داخل بريطانيا، وبعد التحقيق معه أبلغ عن وجود قريب له يعيش في المملكة المتحدة، فتم الاتصال به وأجاب السلطات بأنه مستعد لاستقبال مازن في بيته بانتظار البت في طلبه، فكان له ما أراد. وعندما تسأله عن الدوافع التي أدت به إلى ركوب البحر والمخاطرة بحياته يجيبك تلقائيا أنه كان يعيش حياة طيبة في بلده قبل أن تعصف به الحرب وتقلب تلك الحياة إلى جحيم، وهو يتمنى العودة يوما إلى بلده في حال عم فيه الأمن والسلام. وعند سؤاله عن ما يخشاه بشأن القرار القضائي الذي يسمح للحكومة بترحيل من وصلوا البلاد بطريقة غير قانونية يقول إنه يخشى الخلط بين اللاجئين الهاربين من كوارث الحروب في بلدانهم وبين أولئك الذين يعملون ضمن مافيات تهريب البشر، كما يبدي خشيته على حياة أولئك الذين سيتم ترحيلهم إلى رواندا وكيف سيكون مصيرهم في تلك البلاد.
خطة رواندا من جونسون إلى سوناك
الاتفاق بين بريطانيا ورواندا تم إبرامه في نيسان/أبريل الماضي، في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون ويقضي بطرد طالبي اللجوء مهما كانت جنسياتهم، إليها بعد وصولهم بطريقة غير قانونية إلى الأراضي البريطانية.
هذه الصفقة هي بقيمة 120 مليون جنيه إسترليني مع رواندا، وتقضي بإرسال مهاجرين غير نظاميين – باستثناء الأطفال غير المصحوبين بذويهم – إلى البلد الأفريقي حتى يتم الانتهاء من النظر في طلبات لجوئهم. وتبنت حكومة ريشي سوناك هذه السياسة لأنها تهدف برأيه إلى ردع المهاجرين عن عبور المانش في مراكب صغيرة للوصول بطريقة غير قانونية إلى بريطانيا.
وأعلن سوناك حزمة إجراءات تهدف خصوصا إلى البت في العدد الكبير من الملفات العالقة، وأوضح أن عمليات الطرد إلى رواندا تشكل فقط «جزءا من خطتنا» لمكافحة الهجرة غير القانونية. ووعد بالعمل على تطبيق «نظام لن يحق في إطاره لمن يأتون إلى المملكة المتحدة بطريقة غير قانونية، المكوث فيها».
وتتألف إستراتيجية سوناك الجديدة من خمس نقاط للتعامل مع الهجرة غير الشرعية تشمل خططا لتسريع عودة طالبي اللجوء الألبان والانتهاء من فحص حالات طلب اللجوء المتراكمة السابقة البالغ عددها نحو 150 ألفا بحلول نهاية العام المقبل، وذلك من خلال مضاعفة عدد المتخصصين في دراسة الحالات. وأوضح سوناك أمام البرلمان قائلا: إذا دخلت المملكة المتحدة بشكل غير قانوني، فلن تتمكن من البقاء هنا… بدلا من ذلك، ستُحتجز وتعود سريعا إما إلى بلدك الأصلي أو إلى بلد آمن حيث سيُنظر في طلب اللجوء الخاص بك. وأضاف أنه من المقرر تشكيل وحدة جديدة للتصدير لعمليات العبور، مع إيواء المهاجرين في المستقبل في المتنزهات المهجورة والأماكن التي كان يقيم بها الطلاب في السابق والمواقع العسكرية غير المستخدمة بدلا من إقامتهم بالفنادق. وختم قائلا إنه خلال الأشهر المقبلة سيعود آلاف الألبان إلى بلادهم. معتبرا أن النظام الحالي غير عادل بالنسبة لطالبي اللجوء المستحقين. وقال «ليس من القسوة أو الوحشية أن نريد فك قبضة العصابات الإجرامية التي تتاجر في معاناة البشر… لقد طفح الكيل».
وتعتبر حكومة المحافظين في بريطانيا أن ضغط المهاجرين الذين يصلون على متن قوارب صغيرة بات يشكل أزمة سياسية كبيرة للحكومة، لاسيما في مناطق الطبقات العاملة بشمال إنكلترا ووسطها، ما يؤدي إلى تقليص عدد فرص العمل المتاحة وإنهاك قطاع الخدمات العامة.
معارضة واسعة ومطالبة بالمرونة
لكن هذه السياسة البريطانية أثارت غضبا ورفضا كان أحد وجوهه ما أعلنته منظمة العفو الدولية التي اعتبرت أنه وبعد سقوط ضحايا (مؤخرا من اللاجئين في القناة الإنكليزية) فإنه من «المشين أن ترفض الحكومة الإقرار بأنه كلما أمعنت في القسوة والقصاص والردع، عرضت الناس اليائسين الذين لا خيار لهم للوصول بأمان إلى المملكة المتحدة، لمزيد من الخطر».
أما المعارضة العمالية فوصفت المشروع بأنه «مناف للأخلاق» و«كلفته باهظة جدا». واعتبرت وزيرة داخلية الظل من حزب العمال إيفيت كوبر وصفت خطة رواندا بـ «غير العملية وغير الاخلاقية» مضيفة أنها بمثابة «صرف انتباه ضار عن الإجراء العاجل الذي يجب على الحكومة اتخاذه لتعقب العصابات الاجرامية وإصلاح نظام اللجوء». وقالت منظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة أن خطة رواندا يجب «التخلي عنها كلية» ودعت وزيرة الداخلية سويلا بريفرمان إلى «الكف عن استخدام حياة الناس في ألاعيب سياسية والتفرغ للمهمة الخطيرة وهي إصلاح
نظام اللجوء المختل إلى حد كارثي والسياسات التي تبنتها بشكل متهور من سلفها». كما ذكر مدير شؤون اللاجئين وحقوق المهاجرين ستيف فالديز – سايموندز أن الجمعية الخيرية «لا تزال ينتابها قلق بالغ من أن صفقة الحكومة الخاصة برواندا تقوض بشكل هائل قانون اللاجئين الدولي وأنها تتعامل بوقاحة مع
حقوق أشخاص يسعون للجوء في المملكة المتحدة» بينما أكدت كلير موزلي مؤسسة منظمة «كير فور كاليه» عزمها على منع «طرد أي لاجئ بالقوة» إلى رواندا. وتنوي هذه الجمعية على غرار منظمة «ديتنشن اكشن» أن تستأنف القرار. ورأت نقابة الموظفين المسماة «بي سي إس» أن المشروع الحكومي «مدان أخلاقيا وغير إنساني إطلاقا» معتبرة أنه ينبغي «جديا» استئناف القرار الصادر. وانتقدت جمعية «ريفوجي كاونسل» بقوة هذه السياسة ووصفتها بأنها شريرة تساوي «أشخاصا يبحثون عن الأمن بسلع» ورأت أنها تمس بسمعة المملكة المتحدة كبلد يحترم حقوق الإنسان.
تعاون بريطاني- فرنسي
وأزمة لجوء أوروبية
وتعتبر قضايا الهجرة واللجوء من أبرز الملفات الشائكة التي تواجهها بريطانيا وبقية الدول الأوروبية، وهناك تقاذف للمسؤوليات بين تلك الدول بشأن استقبال أو رفض اللاجئين، ووافقت بريطانيا في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على زيادة المخصصات السنوية لفرنسا بنسبة 15في المئة لتعزيز أعداد رجال الشرطة الذين يقومون بدوريات على الشواطئ الفرنسية. وقال وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان إن فرنسا تريد أن توقع بريطانيا أيضا على اتفاقيات أمنية حدودية مع هولندا وبلجيكا.
وأضاف أن عبور القوارب الصغيرة تحول بعيدا عن فرنسا، حيث يغادر أكثر من نصف السفن بلجيكا. بالتوازي فقد ذكرت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل، التابعة للاتحاد الأوروبي «فرونتكس» أن عدد المهاجرين، الذين دخلوا التكتل بشكل غير شرعي زاد على نحو كبير سنويا. وفي الأشهر الـ11 الأولى من عام 2022 عبر حوالي 308 آلاف شخص الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني، بزيادة 68 في المئة، مقارنة بنفس الفترة في عام 2021 وهو أعلى مستوى منذ عام 2016 وأضافت الوكالة أن منطقة غرب البلقان كانت مرة أخرى «طريق الهجرة الأكثر نشاطا إلى الاتحاد الأوروبي» والتي سجلت حوالي 140 ألف عبور غير قانوني في المنطقة- بزيادة 152 في المئة مقارنة بعام 2021.
وتفيد المعلومات أن أكثر من 205 أشخاص لقوا مصرعهم أو فقدوا في البحر أو على الأرض، في محاولة للوصول إلى إنكلترا من الساحل الشمالي لفرنسا منذ 2014 وفق المنظمة الدولية للهجرة، بينما زاد العنف ضد المهاجرين على الحدود الأوروبية حسبما كشفته مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي، وشبكة مراقبة العنف على الحدود، وأوضح تقرير أعدته المجموعة والشبكة حول انتهاكات حقوق الإنسان على الحدود في أوروبا للعامين 2021-2022 أن الكثير من المهاجرين تعرضوا للضرب قبل إعادتهم بشكل غير قانوني سواء على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أو داخل أراضي الدول الأعضاء. وأشار إلى أن غالبية المهاجرين تعرضوا لأشكال مختلفة من التعذيب مثل الاعتداء الجنسي والضرب المبرح واستخدام الأسلحة الكهربائية حتى رميهم في النهر من قبل مسؤولي الحدود. وتضمن التقرير حالات في كل من اليونان وبلغاريا والنمسا وإيطاليا وسلوفينيا وكرواتيا وبولندا والمجر ورومانيا وصربيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وكوسوفو وشمال مقدونيا وألبانيا.
وبناء لتلك الأرقام فمن المرجح – بعد أن خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- أن يكون تعاون دول الاتحاد مع بريطانيا أقل حماسة في التصدي لموجة اللجوء باتجاه الأراضي البريطانية، وفقا للمثل الشعبي الذي يقول: «على كل طرف أن يقتلع الشوك من يديه بنفسه».