كان – «القدس العربي»:
«لماذا يكره الجميع الشرطة؟»
سؤال عادل وصادق، يطرحه في منتصف فيلم «القضية 137» الصبي فيكتور البالغ من العمر 12 عاماً (يؤدي دوره سولان ماتشادو غرانير) على والدته ستيفاني (ليا دراكر في أداء متميز وقوي للغاية)، التي تجد صعوبة في إعطاء إجابة مُرضية، وتجد صعوبة أيضا في نفي سؤال الصبي، على الرغم من أنها شخصيا تعمل ضابطة شرطة.
تقر ستيفاني بأن العمل في الشرطة «ليس وظيفة محبوبة»، وتعلل ذلك بأن «فرض القانون لا يجعلك تكتسب الأصدقاء». وستيفانى هي الأدرى حقاً بأن تحري الحقيقة لا يكسب الأصدقاء، فهي ليست شرطية عادية، بل محققة في وحدة تتخصص في تقصي التجاوزات داخل الشرطة، ما يجعلها غير محبوبة من زملائها العاملين في الشرطة، كما يجعلها غير محبوبة أيضا من المواطنين العاديين. فبينما يرى زملاؤها في الوحدات الشرطية الأخرى، أنها تتصيد أخطاءهم ولا تتعاطف معهم، يظن المواطنون العاديون أنها لن تنصرهم قط على زملائها.
«القضية 137» للمخرج الفرنسي دومينك مول، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته الثامنة والسبعين (13 إلى 24 مايو/أيار الجاري) فيلم يشد الخيط ولا يرخيه، ويبقينا في حالة ترقب منذ بدئه وحتى نهايته. إنه فيلم لا يهاود، ويجعل من تحري الحقيقة هدفا رئيساً، ولا يتوانى في كشف التجاوزات المهنية والأخلاقية لدى العاملين في مجال الشرطة. أحداث الفيلم خيالية، لكنها مستقاة من عدد من الأحداث الحقيقية، عن تجاوزات أخلاقية ومهنية لشرطة مكافحة الشغب إبان احتجاجات «السترات الصفراء» في باريس عام 2018. تحقق ستيفاني في واقعة لاستخدام وحدة من وحدات مكافحة الشغب القوة المفرطة مع محتج شاب مدني أعزل يدعى غيوم، ما أدى إلى بقائه طريح الفراش في المستشفى لعدة أشهر، وإصابته بعاهة مستديمة قد تعني عدم تمكنه من مزاولة عمله أو أنشطته الطبيعية مدى الحياة.
تتشكك أسرة الضحية في أن ستيفاني ستنصف غيوم، أو تقف في صفه، وتتوقع أنها ستتعاطف مع زملائها من رجال الشرطة، ولن تتحرى الوقائع الحقيقية التي أدت إلى إصابة غيوم. تجد ستيفاني نفسها مهتمة بشكل خاص بملف القضية 137، وهو رقم قضية غيوم، لأنها تكتشف أن أسرة غيوم تقيم في البلدة الصغيرة التي ولدت فيها، وما زالت محل إقامة أبويها. كما أن مراوغة أعضاء وحدة مكافحة الشغب المعنية في الرد على أسئلتها، يزيد من شكوكها اقتراف أفراد الوحدة تجاوزات يعاقب عليها القانون. يوضح الفيلم مدى الجهد الذي يتعين على ستيفاني وفريقها بذله للوصول إلى الحقيقة في تلك الواقعة، من مراجعة كاميرات المراقبة، واكتشاف وجود شاهدة عيان تخشى الحديث، خوفاً من التعرض للأذى وعدم تصديقها، أن الشرطيين المسؤولين عن العنف سيحاسبان. شاهدة العيان تلك تؤدي دورها غوسلاجي مالاندا، بطلة «سان أومير»، في ظهور خاطف، لكنه قوي. يتضح أن شاهدة العيان تلك صورت اعتداء الشرطة على المتظاهر الأعزل في دليل فيديو حاسم، يُدين الضباط ويكشف هويتهم. يبقينا مول في حالة ترقب دائمة نتابع تطورات التحقيق باهتمام وقلق بالغين.
السيناريو، الذي كتبه مول وجيل مارشان، يعطي الأولوية للكلمات والحوار في تفسير مفصل لما يكشفه التحقيق خطوة بخطوة، عمن أطلق النار على غيوم. وتلك الحوارات المتلاحقة تعزز قوة الفيلم وإيقاعه السريع المتلاحق.
لا يجدر بنا كشف نهاية الفيلم، وما إذا كان الضباط المدانون بإطلاق النار على متظاهر أعزل غير عنيف، وركله وهو مصاب ينزف قد عوقبوا حقا. ولكن ما يسعنا قوله هو، إن أداء ليا دراكر مُلهَم ومُلهٍم، وأنها القلب النابض للفيلم. كما يجدر بنا القول، إن مول أنجز فيلما ذكياً مركزاً لا يحيد عن هدفه قط.
