القَدَمُ في المَاء: الصُّورة والذاكرة

يقول لي الوسيط إنّك ستسكن فيلا «القدم في الماء» فعليك ألاّ تناقش الإيجار كثيرا.. قال ذلك بالفرنسية Le pieds dans l’eau أي أنّ المسكن قريب من البحر.. إن أدللت ساقيك من على الفراش، غرقتْ في ماء البحر.
الثمن باهظ على أمثالي ممّن يطلبون البحر للسباحة والعدو واللّعب ولأشياء أخرى.. اقترضت على الأجر جرايات وقلت: البحر يستحقّ أن تسكن فيه صيفا على الأقلّ ما دمت لا تسكنه في الشتاء. صحيح أنّ المقولة الشهيرة إن كنت في البحر فعليك أن تسبح تعجبني، لكنني لا أعرف كيف أسبح إلى اليوم. قاعدة السباحة التي لم أتعلمها ذهبيىّة وبسيطة تقول: كي تتعلم السباحة عليك أن تجعل جنبك يسترخي؛ لكنني ما إن أشعر بأنّ فراغا تحتي حتى اضطرب وأفقد توازنا يحتاجه السابح. أنا لست ابن بحر ولكنني أعشق البحر.. من الصعب على الشّعوب التي لم تعرف البحر أن تعرف جماليّاته.. ومن الصعب على الشعوب التي لم تعرف الجبال والغابات أن تعرف جماليّاتها.. ومن العسير على منْ لم يعرف من أيّ جُحر يخرج الضبّ أن يعرف ما جماليات الصّحراء.. من الصعب على من عاش حياته وهو في البحر أن يراه بعين من يكتشفه من جديد.. الجهل ثمّ الاكتشاف مُتعة تُحيي، والمعرفة ثمّ التّعوّد لذّة تموت بالتّدريج. بما أنّني لست من هواة السباحة، ولست من هواة السير السريع على الرمال، ولست أتقن اللعب بالكرة، فإنني قد قرّرت أن أمارس هواية التصوير.. ألتقط الصور البديعة التي تفشل ذاكرتي القصيرة أو الطويلة في أن تخزّنها.
تحدث أشياء جميلة على الشّاطئ من الصعب أن تحفظها الذاكرة. الذاكرة القصيرة المَدى لا يمكن أن تحتفظ بالمعلومة إلاّ لعشرات الثواني، يمكن أن تحفظ اسم شخص نودي عليه أمامك لثوان كافية كي تناديه، لكي تنبّهه وأنت تستعمل اسمه إلى أنّ هناك شخصا يناديه.. إنّه عبث النّداء الذي قد يكون بالواسطة.. ستنسى ذلك الاسم بمجرّد أنْ تسمع شيئا لا قبل لك به يغنّى بصوت أنثويّ ساحر.
ويمكن للذاكرة القصيرة المدى أن تسعفك بأن تستعيد صورة ساق مرمريّة تغطس في الماء بأن تخزن لثوان تفاصيل جمال فريد فيها، لكنك ستنسى روعة ذلك بمجرد أن تضربك كرة بعض المصطافين..وستنسى الكرة بمجرد أن تمرّ بك قامة هيفاء يضيق زوج ثيابها الصيفي بما يخفي..
بيد أنّك تحتاج وأنت على البحر أن تخزّن شيئا في الذاكرة الحافظة، الذاكرة الطويلة المدى.. تخزّن مشهدا أو صورة ليوم جافّ معسر. حين ترى قدما تمشي كأنّها ترنيمة مَلَاك كريم أرسل من ربّ رحيم تحتاج أن تخزّنها لكنّ تلك الذاكرة ستكون مثقلة بأشياء وظيفية أهمّ لذلك قد تفرّط في هذا المشهد الجميل: المشكلة فينا، علاقتنا بالجمال كماليّة.. لكل ذلك فكّرت في أن ألتقط صورا أعين بها ذاكرتي الطويلة المدى على أن تنشط في عزّ التعب واشتياق الجمال. ينشّط الرسم والتصوير الذاكرة ذات المدى الطويل، لكنّه لا يعوّضها. الصورة مثلما يقول جان ميتري هي دائما صورة لشيء ما. الشيء الذي سألتقطه في الصورة مشية امرأة ساحرة على الرمل، أوقف اللحظة في الصورة وأوقف الحركة على هيئة.. لكنّ الذاكرة ستستعيد كامل المشهد..

أحمل الصورة بين يديّ وأتذكّر ما كان من صيف ذلك العام.. أقول لرفيقتي: هل تذكّرت هذا الوجه؟ تقول: يومها انتشلناك بالعَنَت.. أقول لها: لا أذكر من غيبوبتي شيئا..

المشي على رمال البحر هو مشي على رمال يغازلها البحر.. صحيح أنّ البحر الذي يرش الرمل بين الهنيهة والهنيهة لا ينبته وإنّما يقول له استفق.. حين يبتعد الماء عن الرمل يموت الرمل ويبيد ويصبح بيدا. من الصعب أن تمشي قدم على رمال الصحراء بهذا الخفر وبهذا الأنس الذي تغازل فيه القدم الرّمال، وقد شابَتها من سواد موادّ البحر المتحللة أشياء.. تمشي الأقدام وكأنّها مسُّ جنون عابر لقلب مفتون يريد أن يُجنّ.. الصورة التي تؤرّخ لحظة هي أقصر من عمر، خطوة هي تؤرّخ عهدا كاملا من الجمال.. قامة تمشي لا تعنيك تفاصيلها، بل ما يعنيك منها شيء من تحْتِها في نَحْتِها الذي أبدعه الخلاّق.. خطّان متوازيان يلتقيان ويفترقان عند قَدم مُرْملة.. يذهب الجمهور إلى البحر ليأكلوا البطيخ ولتضطرب أبدانهم ببحر لا يعرفون تفاصيل جماله.. ويحدث، في تلكم الضوضاء التي تقتل البحر بتلوث الصوت قبل أصناف أخرى من التلوث، يحدث أن تمرّ قدم تعلق بها حبّاتُ رمل اختلطت بهشيم أسود ماتت خُضرته.. تعلق بها لتحيا أو لتُبعث من جديد.. في هذه اللحظة يوجد صيّاد من نوع خاصّ يتصيّد نوعا من الأسماك نادر، بصنارة أخرى يلتقط لحظة عصيّة كسمكة عنيدة ظلت منوعا من الشّصّ.. يضغط المصوِّر على الزر.. تضغط القدم على الرمل.. يرتفع الأصبع ترتفع القدم.. يرحل الرمل المشتاق بعيدا.
الصورة حين تلتقط ما تصوّر هي لغة تشي بفكر بصريّ.. الصورة التي هي في الواقع محاكاة بشكل فني لحركة حادثة، أو هي نقل لمنظر ساكن تلعب على التماثل والاختلاف: التماثل في الإيقونيّة، فالقدم الماشية على الرمل أو القدم الغارقة في الماء تحاكي قدما مرجعية غاصت في الرمل فعلا، أو غرقت في الماء، لكنّها وهي تركّز على حركة بعينها من جملة حركات تجعلها مختلفة عن أصلها الذي كان حدثا متسلسلا فصار بفعل التثبيت التصويري جزءا من سلسة معزولة عن سيرورتها. إنّ إدراك الصورة على أنّها جزء من مشهد أو قطعة من أحداث يمكن أن يسمح للذهن بأن ينشّط ما خزّنه من حركات أو أحداث أو تفاصيل ارتبطت بالمشهد لحظة تصويره. الصورة التي تحفّز الذاكرة تجعل تلك البنية حركية لا ثابتة اعتمادا على التداعي، بربط المقطع الذي ثبّتته الصورة بالمقاطع الحيّة التي كانت الصورة ـ قبل أن تكون صورة – جزءا منها. لو أخذت صورة جماعية مع فريق كرة الشاطئ، فإنني بعد سنوات وأنا اتصفح الصور لن أتذكر الوجوه ولا أصحابها.. سأتذكّر المكان الذي اصطفت فيه والوسيط وهو يرغّبني بالقدم في الماء.. لن أعطي للصورة معناها، بل سأنخرط في تأويل توجّه ذاكرتي ذات المدى الطويل.
يهجم ابني وأصدقاء الصيف وصديقاته على البحر هجوم من أراد أن يغزوه.. يتناثر الماء ويلهث وراء هم يغطس الجسد تلو الجسد حتى لكأنّه يغرق ويطفو ويسبح جيئة وذهابا.. أرى الأقدام تعلو.. كل شيء في الماء إلا الأقدام في الهواء.. أتناول الكاميرا وأسرع لأصوّر مشهدا نادرا: الأقدام في الهواء.. تستنشق ريحا تحتاجه حين تعود إلى الماء… يلوّح لي ابني من بعيد: لا تقترب أكثر فأنت لا تعرف السّباحة.. يقول لي ابني الثاني الذي معي: إمش في الماء لكن لا تبتعد.. أمشي وأتحسّس الرمل تحت الماء.. وجهي يمتلئ من الخوف.. ويد رفيقتي على آلة التصوير.. تقول لي: لا تجزع حتى تكون الصورة أجمل..
أحمل الصورة بين يديّ وأتذكّر ما كان من صيف ذلك العام.. أقول لرفيقتي: هل تذكّرت هذا الوجه؟ تقول: يومها انتشلناك بالعَنَت.. أقول لها: لا أذكر من غيبوبتي شيئا..

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية