الكاتبة الأردنية مريم جبر فريحات: الحداثة تنوير بلا مغالاة

حجم الخط
2

حاورها في عمان ـ نضال القاسم: القاصة والناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فريحات من الأسماء الإبداعية المتميزة التي استطاعت أن توازن بنجاح بين الذاتي والجمعي، وبين الإبداعي والأكاديمي. مواليد منطقة عجلون شمال الأردن، لها ثلاث مجموعات قصصية منشورة ومجموعة أخرى ورواية، قيد النشر، لها خمس كتب نقدية منشورة ودراسات منشورة بمجلات علمية عربية، حصلت على عدة جوائز عن نصوصها القصصية ودراساتها النقدية وكتاباتها الأخرى، كرمت من قبل وزارة الثقافة في العام 2013م.
حاورها: نضال القاسم
* حدثينا عن هاجس البدايات ومجموعتك القصصية الأولى.
* بعد عمر غير هين من التجربة الأدبية يصبح الحديث عن بدايات تسلل هاجس الكتابة مجرد استعادة لمواقف وذكريات ذات صلة بالخربشات الأولى، والمغامرات الأولى في الكتابة القصصية التي ظهرتْ أول الأمر خجلى تحت اسم أو أسماء مستعارة، في برنامج إذاعي أو صحيفة، وأما ‘آخر أحاديث العرّافة’ فلم يكن ثمة تصور مسبق لإصدارها، لكنها حملت بعضاً من التداعيات الاجتماعية التي تسرّبت ببطء ورويّة لتتراكم على بياض الروح في كيان البنت الريفية التي عاينت من كثب كثيراً من المظاهر والظواهر التي أثقلت وجود المرأة والرجل على السواء، فبرز فيها صوت الفتاة الباحثة عن الحب من خلف حواجز التقاليد، وصوت أخرى ظل مكتوما في مجتمع ذكوريّ تحتاج فيه المرأة أن تشكّل فيه صوتها الخاص الباحث عن صداه في عالم مفتوح على الإنسانية، بعيداً عن مفهوم الجندرية ومراوغتها، وثالثة ورابعة و….
لا أذكر تماماً كيف بدأت.. لكني أدرك جيداً أنني بدأت الكتابة منذ تعلّمت أن أقول لا.. لأخي الذي يصغرني فيرتفع صوته ويلقي أوامره لأنه الذكر.. فقط لأنه كذلك. وللمعلمة التي سهرت الليل أكتب لها موضوع الإنشاء لتقول لي في اليوم التالي: لا أريد نقلاً عن الكتب.. ولقرية تساوتْ في همسات الكبار فيها ألفاظ: البنت والخطيئة والعار.. فكان درب الكتابة خروج.
لكن ذلك الهاجس ما لبث أن تراجع لصالح الوجود الإنساني المهدد بفعل قوى سلطوية أكبر، تجاوز الاجتماعي إلى السياسي بالمفهوم العام للسياسة التي أعادت صياغة الروح الإنساني، في محاولة لمجاوزة الواقع وإن ظل الاتكاء عليه واضحاً، مما حفلت به مجموعتي الثانية طمي، كلما تعمقت التجربة زمنياً أكاد أجزم أن الكتابة هاجس يتخلّق مع المبدع كما تتخلق جذور النبت وتمتد في تربة وماء، وأن كل منجز إبداعي هو خطوة على الطريق تسهم في إضافة لبنة في تكويني الإبداعي في هذا المجال
*هل أنصفك النقد، وهل استطاع النقد العربي أداء مهمته في توطيد العلاقة بين الكاتب والجمهور؟
* من حيث المبدأ، النقد الموضوعي يقدم للأدب كثيراً، ولا يمكن إنكار أثره أو دوره في إضاءة النص الأدبي وكشف ما تنطوي عليه مفاصله من جماليات بما يسهم في تقريب العمل للقارئ من جهة، وفي وضع العمل في الموضع الذي يستحق في مكانه ومجاله في مسيرة الإبداع محلياً وعربياً، لكن النقد العربي قديمه وحديثه لم ينجز مهمته الحقيقية غالباً.
أما الحديث عن إنصاف النقد لي أو لغيري، فينزاح حتماً باتجاه الحديث عن تلك الإشكالية التي انطلقت من طبيعة النقد في مراوحته بين النظرية والتطبيق، وفي مراوحته بين الأكاديمي والأداء الإعلامي السريع الذي وإن كان لا يضيف للمبدع جديداً يُذكر، هو وليد زمن صدور العمل، ومرهون بالعلاقات الشخصية، التي تبلورت فيما يُسمى بالشللية، التي تبالغ بالاحتفاء بمن ينضوون تحتها مهما كان مستوى النتاج الأدبي، وهذا نادراً ما ينتج منجزاً نقدياً يمكن التعويل عليه في مواكبة النقد للإبداع، مثلما لا يمكن في الوقت ذاته التعويل على النقد الأكاديمي بشكل كليّ ، خاصة ما يحتفي منه بالماضي، وغالباً ما يظل حبيس رفوف المكتبات الجامعية ومجلاتها العلمية المحدودة القراءة.
* ماذا عن راهب الإنتاج القصصي في الآردن؟
*لكل مرحلة إرهاصاتها وسماتها، وأرجو أن لا يغيب عنك أن مرحلة الستينيات كانت قد شهدت أحداثاً سياسية على رأسها نكبة فلسطين الثانية، مما أحدث تحولاً كبيراً في مسيرة القصة القصيرة فخفت حدة المبالغات والاعتماد على المصادفة والسرد المبسط واللغة العالية الفصاحة، فكان الوضع الاجتماعي والبيئي الذي ترتب على تلك الأحداث معيناً يمتح منه الكاتب ويطرح من خلاله معاناة الإنسان العربي في ظل تيارات سياسية وفكرية مختلفة ومتضاربة، وعليه فقد بدأت جذور القصة القصيرة في الأردن تترسخ منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وأما في مرحلة الثمانينيات فإن التطورات الكبيرة والسريعة التي شهدها الأردن عبر مسيرته القصيرة قد خلقت تبايناً واضحاً في توجهات أبنائه، الأمر الذي انعكس على الأدب، وبخاصة القصة القصيرة التي شهدنا زخماً كبيراً في إنتاجها وبخاصة في مرحلة الثمانينيات مما نشر عبر الصحف والمجلات أو في مجموعات قصصية في كتب، كما شهدنا ازدياداً كبيراً في عدد كتاب القصة، مع تنوع كبير في الاتجاهات والمجالات التي استحوذت اهتمام الكتاب، وبلغت القصة القصيرة في الأردن أوج تطورها في مرحلة التسعينيات عبر تجارب ما لبثت تواكب تطور القصة القصيرة شكلاً ومضموناً، كما شهد العقد الأول من هذا سيلاً من الكتابات التي تُصنّف في باب القصة القصيرة والأقصوصة، لكن كثرة الغث قد يطغى أحياناً فلا تجدي القراءة السريعة في الحكم.
*هل لديك طقوس خاصة للكتابة؟
* لا وقت محدداً للكتابة لديّ ولا طقوس متعمّدة لكني أتهيأ لطقوس قصصية محتملة، ظهيرة اليوم تبدو أحياناً أكثر ملاءمة من هدوء الليل، وطاولة المطبخ تبدو أحياناً أكثر تهيؤاً من طاولة المكتب والكرسي الوثير، شأن القصة عندي: استكشاف للذات أمام الآخر، بحثا عن علاقة أكثر حميمية وبياضاً، اتكئ في ذلك على المحمولات الرمزية للمكان، للأب، للأم، وللآخر/ الرجل، تلك المحمولات التي حددت وتحدد لون اللغة وشكل السرد الذي كنتُ اعترفتُ بأنه كان آسراً وخادعاً فيما يخص ذات الكاتبة في مواجهة الآخر المفترض وجوده وهو القارئ / الطرف الآخر في لعبة الغواية، لعل الكتابة تمثل الشكل الذي أريده لي، أو لعله الشكل الذي ارفضه مني.. مثل كل المرفوضات التي يغوينا اجتراحها فنمتثل طائعين لفتنة اللغة التي تحيل إلينا، فتغوي الآخر بالتقاط صورة أخرى مختلفة لنا، غالبا ما نتنكر لها، وفي أحسن الأحوال نمنح الآخر حرية التأويل إمعانا في الغواية وإعلاء لشأن النص لا لشأنه!
* يقال بأن الغرابة والمخالفة والخروج على المألوف في الطرح والتعبير هي التي تميز أدباً عن غيره، هل هذا صحيح من وجهة نظرك، وما هو مفهومك الخاص للحداثة بعيداً عن تنظيرات الأخرين ؟
* بعيداً عن أي تنظير، أفهم الحداثة في مدى الانطلاق من الذات بمفهومها الإنساني الواسع، الحداثة لا تعني لي المخالفة والخروج عن المألوف كغاية، لكنه ، على اعتبار أن الحداثة تنوير.. فعل سعي لتغيير ما هو سائد من أنماط العمل والتفكير والسلوك، بالقدر الذي يحتمله النص الإبداعي ويحمله دون مغالاة ولا انفلات.
* من خلال قراءتنا لنصوص (فتنة البوح)، نلحظ أن هناك التصاقا عميقا في الواقع، وفي المجموعة يمتزج اللون والصوت والرائحة، وكل نص هو شريحة نابضة من الواقع بكل مواصفاته وتناقضاته في ماضيه القريب وحاضره، وقد اتسمت المجموعة في الوقت نفسه باللغة الشعرية وبقدرتها على صناعة الأسئلة التي لوّنت النصوص بالدهشة، تحت أي مفهوم يندرج نتاجك القصصي ؟
* حظيت مجموعة ‘فتنة البوح’ بترحيب نقدي عربي لافت، وقد وضعت لها وصف ‘نصوص قصصية’ لأنها تراوح في لغتها بين الشعر والقصة، وسعيت من خلالها إلى قراءة النفس الإنسانية وتتبع دورة الكلام في دروب الذات ومسالكها المتشعبة- كما يرى الناقد المغربي د.مصطفى شميعة- ‘الذات المبدعة التي تبوحُ بلغة عشقية نادرة، فتفتح بذلك نوافذ الكلام، لنمط من الكتابة التي تختص في معالجة الذات الإنسانية من أوجاعها المُزمنة والمتفاقمة. فالكاتبة تمارس بلغتها نوعاً من التطهير الذاتي لكل الذوات الموبوءة المعلولة، والمسقُومة بالقبح وبالعُهر القولي، الذات هنا تمارس بوحاً ومحواً لكل أنواع الكتابات المبتذلة الفارغة من أي موقف إنساني إبداعي، وعلى رأسها: الموقف العشقي الذي يمكن للذات أن تتخذه من كل الأشياء المحيطة بها..’، هذا ما يراه أحد النقاد، أما أنا الكاتبة فلست معنية بتصنيف العمل، وإن كنت أعي تماماً دواعي اجتراح لغة مختلفة وأساليب سردية مختلفة عما شهدته مجموعاتي السابقة.
* من خلال قراءتنا لأعمالكم الإبداعية، (آخر أحاديث العرافة) و(طمي) و(فتنة البوح)، نلمح دائماً أن ذات الأنثى تواجه ذات الذكر، وأن الأنثى تحاول دائماً أن تحقق ذاتها وأن تتفوق على الذكر أيضاً ؟ هناك حالة من الندية والصدامية ؟ ما مبراراتها ؟
* في كل ما أنجزت للآن لم أجد ضيرا في أن تكون الكتابة بؤرة تحديد شكل العلاقة بالعالم الخارجي، بما فيه الآخر/ الرجل، دون أن أرمي لحالة اشتباك أو ندية أو صدامية، كما لم تكن الكتابة يوماً تعويضا لنقص أو ترجمة لحالة خاصة، بصورة أدق: الكتابة مشروع حياة، وان كان – بالنسبة للكاتب العربي عموما- ينقصه الحرية بمفهومها الأوسع من مجرد الخروج على العرف والسائد، ليكون خروجا إلى الذات بمعناها الموجودي/ المادي والروحي، خروجا قصديا يتخذ شكل مغامرة واعية تثير أسئلة المفارقة بين ما هو كائن وما نرغب في أن يكون، وعليه فإن كل مرحلة جديدة من مراحل وعيي على هذا العالم وما فيه تعد مرحلة أساسية أو مختلفة في تكويني الثقافي، فمع كل وعي جديد تتكشف لي آفاق أكثر اتساعاً تنعكس بشكل ما على اللغة القصصية وعلى الرؤى الخاصة وكذلك على تقنيات السرد وأساليبه.
فلغة الإبداع تحمل كثيراً من الانثيال النفسي والمراوغة وقد استطاعت المرأة باللغة أن تخرج على السياقات الثقافية للمجتمع العربي الذي منح اللغة السلطوية المهيمنة أو اللغة الأبوية للرجل في حين أتاح للمرأة أن تحكي بلغة خاضعة لتلك السياقات، والحياة والمجتمع.
فالأدب عموماً لا يعدو أن يكون تعبيراً عن وعي وموقف ورؤية إنسانية في الكون والإنسان والحياة والمجتمع،
والكتابة بالنسبة لي- كما قلت في شهادة سابقة- مؤامرة لكسر رتابة الأشياء، ومؤامرة الاكتمال في الآخر في محاولة لتأسيس عالم جديد يظهر امتدادنا ولو بشيء من النرجسية أحياناً، لعلها أثرنا الذي نقتفيه.. صدى إدراكنا الذاتي لواقع ما زال يستبد أبدا ليسلبنا حرية قبوله تماما أو رفضه تماما، ولا مناص حينها من إضاءة الروح في نص كلما انطفأ آخر خارجها، عبر طقوس تتمازج فيها الذاكرة بالرؤيا، الوعي باللاوعي، الواقع بالحلم، والتجربة بالنبوءة.
* يرى الناقد الدكتور محمد الجزائري أن مجموعة (طمي) تتميز بلغتها اللدنة الطريّة، وبلمستها الذكية في كلّ صياغة، وتقديم استهلال، وتقطيع أو تتالٍ، فهل تتفقين معه في تحليله لبناء وتراكيب قصص المجموعة؟
* الجزائري واحد من النقاد الذين يُعتد برأيهم، وفي قراءته لمجموعة ‘طمي’ التفت لتصاعد الشعري والبوح إلى مرتبة الوجد الصوفي، والغوص في النفس البشرية بلا افتعال، إلى جانب انطوائها على أفكار ورؤى فلسفية، دون أن تسقط في اللغو والشعاراتية والوصفية التقليدية. على أن الاتفاق أو الاختلاف مع الناقد ليست من مهام الأديب، فهو ليس بموقف المدافع عن نصوصه، ولا ينبغي له أن يطرب لمدح أو يسخط لقدح، بل أرى أن عليه أن يلتفت فيما يُقال في كتاباته إلى ما يسهم في تجويدها وإعادة قراءتها بعيون أكثر تحديقاً وتمحيصاً، تلك هي عين الناقد أو القارئ العمدة.
*يُقال بأن الكتابة الإبداعية ممارسة مجنونة ،فهل هذا صحيح، وماذا لو حكم الأدباء العالم ؟
*الإبداع ممارسة مجنونة!! ربما. لكني أظنها تحتاج لقدر من الجنون المعقلن الذي يدفع الكاتب لاجتياز مناطق قد يرفض العقل اجتيازها على الرغم من كونها تشكل مساحة مؤثرة في تكويننا الإنساني المعقد. ماذا لو حكم الأدباء العالم؟ أخشى أن يتحوّلوا عن وظيفتهم في ملامسة روح الحياة وإثارة أسئلتها، ليضيفوا للعالم جلاّدين جددا، أظنهم سيكونون أقسى من جلاّديه من غيرهم، لكونهم أكثر قدرة على فهم النفس البشرية وتفاعلاتها، ولست متفائلة في إمكانية أن نقيم نحن الأدباء مدينة فاضلة ما دمنا لم نستطع للآن أن نقيم وسطاً ثقافياً بريئاً وعادلاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية