الكاريكاتير فن المبالغة والسخرية والضحك

كمال القاضي
حجم الخط
0

برغم الحاجة الماسة لوجود الكاريكاتير ضمن مكونات المادة الصحافية في جميع الإصدارات، وعلاقة الرسومات الكاريكاتيرية بالمزاج الشعبي العام، وأهمية كل ذلك بالنسبة لمعدلات توزيع الصحف، إلا أن التجارب الصحافية الخاصة بالكاريكاتير فقط نادرة وتكاد تكون غير موجودة لأن ثمة تصورا لدى القارئ جعله يربط  بين المادة الصحافية التحريرية على اختلاف أشكالها ومشاربها وبين الرسم الكاريكاتيري الدال عليها أو المناسب لها، كأنه الترجمة الفورية للرموز والأبعاد والمقاصد، وهو ما يشكل معضلة أمام الفن الصحافي الفريد ليُعلن استقلاله عن الحروف والكلمات والتفسير المكتوب.

في تجربة مصرية لم تستمر سوى بضعة شهور، صدرت مجلة “كاريكاتير” منذ عدة سنوات في طبعة ملونة أنيقة ومتميزة تحت رئاسة الصحافي الراحل محمد حلمي وبجهود ذاتية من بعض الصحافيين الشباب الذين شاركوا في تحريرها واستغنوا تماماً عن حقوقهم المالية في مقابل إحياء فن الكاريكاتير كلغة صحافية بعيدة عن تبعية المادة التحريرية.

 وقد نجحت التجربة نجاحاً مُبهراً بمؤشرات التوزيع الفائقة التي تعدت الحدود المتوقعة في الأعداد الأولى للمجلة وحققت صدى واسع التأثير في دواوين الحكومة والوزارات، وانتشرت بين القراء انتشاراً مشجعاً ومبشراً، لولا ضعف الإمكانيات والميزانيات وعدم القدرة على مواصلة الطباعة في ظل التحديات الاقتصادية وتجفيف منابع التمويل وإغلاق مصادره لتنتهي التجربة الاستثنائية الفارقة، فلا يبين لها أثر بين الصحف التقليدية كأنها لم تكن.

وبعدها عادت الرسوم الكاريكاتيرية لسيرتها الأولى تواصل رسالتها وتميزها كفن راق وأدوات للسخرية والنقد والكوميديا مُتضمنة وفاعلة داخل الإطار الصحافي التقليدي كمكمل للمضمون الكتابي وفاتح شهية القارئ للمطالعة والقراءة والاستنتاج والتجاوب. وظل الكاريكاتير فنا يُعرف للمصريين بأسماء فنانيه والمتخصصين في رسمه وتوظيفه، كصلاح جاهين الفنان والشاعر والممثل، وصاحب الامتياز في توصيل المعنى والإشارة والدلالة وتفجير الضحك من قلب المأساة، والماهر في تشخيص الأمراض السياسية والاجتماعية وتحديد مواطن الألم ومكامن السخرية الدافعة للإبداع واللائقة بالتعبير الفني المطلوب.

ولا شك في تأثير الفنانين الآخرين الذين كانت لهم أدوار وأطوار جعلت من الكاريكاتير لغة صحافية تصلح لكل الفئات والمستويات، كالفنانين المتميزين  عبد المنعم رخا وجورج البهجوري وصاروخان وأحمد طوغان، والمجايلين لهم، كمحمد ناجي وعبد العزيز تاج وأحمد حجازي ورمسيس وفيليب فكري ورؤوف عياد وبهجت عثمان وعبد السميع عبد الله ومصطفى حسين وجمعة، واللاحقين عليهم كعمرو سليم وعصام حنفي وحسنين وأحمد نادي وغيرهم من أصحاب المدارس المختلفة والخطوط المميزة لشخصياتهم الفنية ورؤاهم الإبداعية وخلفياتهم الثقافية المحددة لقناعاتهم وأسلوبهم النقدي في مجالات التعبير المختلفة، سواء الرياضي منها أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي أو كل ذلك.

المهم أن تعدد الأدوات والثقافات والمرجعيات الفكرية والمعرفية، يصب كله في صالح القارئ المرتبط بالصحافة والمتذوق للفن الخاص، المبنية قواعده على التكوينات والتباينات الفنية المؤدية للحالة النقدية الساخرة بما تقتضيه من اختيارات ودوافع وأهداف، هي الداعمة في كل الأحوال  للصحافة المكتوبة والمصورة، خاصة أن الأخيرة تدخل طرفاً في العملية التنافسية بوصفها تشكيلاً فنياً فوتوغرافياً له الصدارة وتزداد أهميته بحكم التطور الطبيعي الطارئ على الصحافة الإلكترونية الكاسحة والمهيمنة، وهو ما يعزز من قيمة الصورة بشكل عام ولا يفصل الكاريكاتير عن جمهوره ودورة ولا يُعطل لغته ولا تأثيره.

وقد امتدت ظلال الفن الكاريكاتيري إلى ما هو أبعد من الاستغلال الصحافي فبات توظيفه متجاوزاً لصفحات الجرائد والمجلات، حيث وصل متنوعاً إلى القنوات الفضائية والشاشات التلفزيونية التي فطنت لأهميته كمادة جاذبة ومسلية فاستحدث أهل الخبرة بها أنماطاً كوميدية لحلقات خفيفة هي أقرب إلى النكت والأفيهات منها إلى المواد الدرامية، وتم تنشيطها في مساحات واسعة من الإرسال لتعويض النقص في البرامج والمسلسلات والأفلام.

 وبموجبها أيضاً اكتُشفت مواهب كوميدية على أصعدة مختلفة تخصصت في الأداء الكاريكاتيري وتقليد الشخصيات العامة كأشهر المُقلدين عزب شو، وهو من استمر طويلاً في لُعبة التشخيص وتقديم القوالب الكوميدية المضحكة المستوحاة من الرسومات الفنية الساخرة.

وهكذا أصبح الكاريكاتير كفن ولغة وأداة نقد من الفنون الرائجة المنقولة من الصُحف والمجلات إلى الشاشة، وهو ما يؤكد صلاحيته وفاعليته وحضوره القوي في الحياة اليومية للمثقف والموظف ورجل الشارع.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية