في فصل بعنوان «الإنسان ـ الريشة» El hombre – pluma من كتابه عن رواية « مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير، يستعرض الكاتب الروائي البيروفي ماريو فاركاس غوسا، المراحل التي قطعها فلوبير في كتابة روايته، والمعاناة التي قاساها في نحت كلماتها وتجويد أسلوبها ورسم شخوصها وبناء أحداثها، خلال ما يقرب من خمس سنوات (من ليلة الجمعة 19 سبتمبر/أيلول 1851 إلى 30 إبريل/نيسان 1856). وقد بين لنا غوسا في جزء من هذا الفصل حرص فلوبير الشديد على تجويد ما يكتبه، وعدم نشره على الملأ إلا بعد أن يعرضه على بعض أصدقائه المخلصين، الذين يثق في معرفتهم وذوقهم الأدبي. فحين فرغ من كتابة مخطوط روايته «تجربة القديس أنطوان»، استدعى صديقيه Louis Bouilhet و Maxime Du Camp إلى بيته ليقرأ عليهما عمله، وليدليا برأيهما فيه. واستمرت القراءة أربعة أيام، حسب جدول زمني محدد صارم. وحين قرأ فلوبير آخر جملة في الرواية، طلب من صديقيه أن يصارحاه برأيهما، فجاءه الحكم من لدن صديقه الخجول Louis Bouilhet الذي لا يتسامح ولا يرحم حينما يتعلق الأمر بالأدب، حسب صديقه Du Camp، هكذا: «رأينا هو أن تلقي بمخطوطك إلى ألسنة النار لتلتهمه، ولا تعود أبداً إلى الحديث عنه». كان رد فعل فلوبير عنيفاً مثل حيوان جريح، وظل الأصدقاء الثلاثة طوال بقية الليلة يناقشون الكتاب. فلوبير يدافع عن كتابه، وصديقاه ينقدانه، وأخيراً يقول لهما: «قد تكونان على صواب. لقد انسقت مع الموضوع، وتحمست له، لم أعد أرى الأمر بوضوح. أعترف بأن الكتاب يتضمن العيوب التي أشرتما إليها، ولكن هذه العيوب هي في طبيعتي. ماذا أستطيع فعله؟».
ويعتبر غوسا هذه الحادثة نقطة الانطلاق لكتابة «مدام بوفاري» الكتاب الذي «يظل على الدوام رواية الروايات التي لا يمكن للنقد الروائي أن يتجاوزها. وفي وقت نتحدث فيه عن أصول الفن، فإننا لا بد أن نكون على استعداد للبحث عن فلوبير».
(صنعة الرواية، بيرسي لوبوك). وسنتناول في هذه المقاربة بعض أصول هذا الفن، من خلال تحليل بعض مكونات الخطاب الروائي في هذه الرواية، متخذين الفصل التاسع من الجزء الأول نموذجاً، وهي كما يلي: طرائق السرد ـ الفضاء الروائي ـ الشخصيات .
1 ـ طرائق السرد: أ ـ امتزاج السرد بالوصف: إذا كان السرد يطلق القصة في الزمن، فإن الوصف يوقفها في المكان ويجعلها مجموعة من المشاهد (موريس أبو ناضر، الألسنية والنقد الأدبي)، وكثيراً ما يلجأ السارد إلى إيقاف عملية السرد، فيوقف بالتالي تدفق الزمن، وتتابع الحدث ليصف الأشياء أو الأشخاص أو الأماكن.
إن أول ما نصادفه في هذا الفصل، هو المزج بين السرد والوصف، ويتم كالتالي:
ـ السرد ووصف الشيء: نقرأ في بداية الفصل «كثيراً ما كانت «إيما» تسعى إلى الصوان إذا ما غادر شارل المنزل، فتخرج حافظة السيجار الحريرية الخضراء من ثنايا الثياب التي دستها بينها وتروح تتأملها وتفتحها.. بل إنها كانت تتنسم رائحة بطانتها التي جمعت بين العطر والتبغ.. ترى لمن كانت تلك الحافظة؟ أتراها كانت للفيكونت؟» (الرواية، ترجمة محمد مندور). يتوقف السرد الخالص هنا ليبدأ وصف الشيء، ولكنه وصف ممزوج بالسرد. ومن الجدير بالملاحظة أننا نتلقى ما يسرد ويوصف هنا من خلال صوت «إيما». يقول برسي لوبوك: «أحياناً يتحدث المؤلف بصوته وأحياناً أخرى يتحدث من خلال إحدى شخصيات الكتاب، وهو في هذا الكتاب يتحدث من خلال «إيما» نفسها في معظم الحالات» (صنعة الرواية).
ـ السرد ووصف المكان: إن عالم «إيما» المحلوم به يتمثل في الأمكنة التالية: دنيا السفراء والدوقات وقاعات المطاعم. يتوقف السارد ليصف هذه الفضاءات بكل مكوناتها وجزئياتها الدقيقة. ففي دنيا السفراء مثلا: أرض لامعة و صالونات كسيت جدرانها بالمرايا وموائد مغطاة بمفارش من المخمل المزركش بالقصب وأسرار خطيرة ومآس تختفي وراء الابتسامات.
ألا يدل إحراق «إيما» باقة زواجها الذابلة في ختامه، على بداية قطع صلتها بالحياة الزوجية الرتيبة، وعلى قرارها الحاسم النهائي المتمثل في الانطلاق نحو تحقيق مطامحها ورغباتها وأحلامها اللامحدودة؟
ـ السرد ووصف الشخصية: نقرأ في موضع آخر من الفصل: «وكان السائس يفد كل صباح ليعتني بالفرس فيعبر المدخل». وهنا يتوقف السرد ليصف السارد (السائسَ) في «حذاءيه الخشبيين الكبيرين، وقدميه العاريتين وسترته التي تتخللها الثقوب، وسرواله القصير الذي لم تكن ثمة حيلة سوى الاكتفاء به». ويبدو أن الراوي أورد هذا الحدث ليتخذه ذريعة لوصف عناصر الفضاء الروتيني الرثَّ الذي تحيا فيه «إيما» حياة الضيق والملل والرتابة، وليقابله بفضاء باريس البورجوازي المبهر. ويلاحظ عبداللطيف محفوظ أن الوصف في الرواية يحضر «في كل فقرة، في كل فصل، من البداية إلى النهاية، مرافقاً للسرد والحوار ومندمجاً معهما» (وظيفة الوصف في الرواية).
ب ـ تنوع طرائق السرد: من الملاحظ أن السارد ينوع طرائق السرد الزمني، فيستخدم الخلاصة والحذف والوقف: نمثل للخلاصة بهذه الفقرة السردية التي يلخص القائم بالسرد فيها شهور سنة كاملة: «ووفد الربيع مرة أخرى، فغشيتها انقباضات من موجات الحر الأولى التي تهب حين تزهر أشجار الكمثري، حتى إذا بدا شهر يوليو/تموز، أخذت تعد الأسابيع على أصابعها في ارتقاب شهر أكتوبر/تشرين الأول راجية أن يقيم الماركيز (دي أندفيلييه) حفلاً راقصاً آخر في فوبيسار، بيد أن شهر سبتمبر/أيلول انصرم عن آخره بدون خطابات أو زيارات». ويتمثل الحذف في إشارات محددة أو غير محددة للفترات الزمنية التي تقع فيها الأحداث مثل «ثم أقبل الشتاء قارساً»/ «وعندما غادر الزوجان (توست) في شهر مارس/آذار كانت «إيما» حاملاً». أما تقنية الوقف، فقد رأينا بعض نماذجها من قبل (ظاهرة اختلاط السرد بالوصف).
2 ـ الفضاء الروائي: يمكن أن نقسم الفضاء الروائي إلى قسمين:
أ ـ فضاء الريف: يتكون من غرفة الطعام في الطابق السفلي من البيت الريفي والمخدع في الطابق العلوي والمدفأة ودكان الحلاق ومبنى قائم في مواجهة بيت «إيما» والحديقة. إن هذه العناصر الفضائية كلَّها يسربلها السارد بأوصاف توحي بالضيق والانغلاق والرتابة. فجلُّها مغلق: غرفة الطعام والمخدع والكنيسة والمبنى المواجه لنافذة البيت، بل إن الحديقة نفسها ودكان الحلاق، كلاهما يبدو أكثر انغلاقاً وضيقاً ؛ ذلك أن الراوي يحيطهما بما يثير مشاعر الضيق والقنوط والرتابة في نفس «إيما». ففي الحديقة عصافير لا تتردد شقشقتها، وكل شيء يخلد للنوم، وحتى تمثال القس يبدو ناقصاً مشوهاً لفقده قدمه اليمنى. وفي الشارع الرئيسي حيث دكان الحلاقة: «يقضي الحلاق نهاره جيئة وذهاباً بين دار البلدية والكنيسة، يرتقب العملاء في اكتئاب، وكلما أطلت مدام بوفاري ألفته في سيره كديدبان في نوبته».
ب ـ فضاء باريس: هو فضاء الحلم الذي تتوق «إيما» إلى تحقيقه، حيث قاعات الطعام ودنيا السفراء والمخادع ذات الستائر الحريرية والمسارح والمراقص… والملاحظ أن اهتمام السارد بوصف فضاء باريس، يطغى على اهتمامه بوصف فضاء الريف. إنهما فضاءان متقابلان:
ـ فضاء الريف، فضاء مغلق: البيت ـ الغرفة ـ المخدع ـ غرفة الطعام، وكلها توحي بأجواء الانغلاق والسجن والرتابة والقنوط.
ـ فضاء باريس: فضاء مفتوح، مفعم بالحركة والحياة، ويتمثل في المراقص والمسارح والحفلات ودنيا السفراء وقاعات المطاعم والمخادع ذات الشرفات المزركشة، وهي رموز للحرية والانطلاق والانفتاح والتجدد وحياة الرفاهية والنعيم.
3 ـ الشخصيات: إن الشخصيتين البارزتين في هذا الفصل هما: «إيما» و«شارل بوفاري». ويبدو أن الفصل عقد للمقارنة بينهما؛ فـ»إيما» شخصية حالمة، طموح، تواقة إلى تحقيق صبواتها غير المحدودة، ويتبدى ذلك في عدة مواقف: حين أخذت تردد اسم باريس في تلذذ ومتعة، وحين كانت تتابع بسمعها وخيالها العربات في رحلتها إلى باريس، وحين ابتاعت خريطة للمدينة المنشودة وطفقت تتابع معالمها بأصبعها وتقوم بجولات وهمية في أحيائها، وحين أخذت تقرأ لبلزاك وجورج صاند. أما «شارل بوفاري»، فيتصف بالخمول والبلادة والرضا بحياته. إنهما زوجان، لكن لا يجمع بينهما أي انسجام أو تواصل حميمي. يصف السارد «شارل» و«إيما» جالسين إلى مائدة واحدة. الزوج ليس لديه أدنى علم بما يدور في ضمير زوجته. فكل منهما يعيش في عالمه الخاص. أما هي ففي خيبتها وقنوطها وأحلامها الغامضة، وأما هو ففي خموله وبلادته ورضاه». يقول إرخ أويرباخ: «إن هذا المقطع يمثل نقطة القمة في وصف خيبة «إيما».. إنه يقدم مشهد: زوجين يتناولان طعاماً، غير أن هذا المشهد لم يقدم لذاته، إنه تابع للموضوع الرئيس الذي هو قنوط «إيما»، ويرى «أن فلوبير يصنع لوحة متلاحمة، غير أنه لا يسرد ـ إلا نادراً ـ الحوادثَ التي تقوم بوظيفة تطوير الحدث دفعة واحدة. إن المَشَاهِدَ التي تُحوِّلُ فراغَ الحياة اليومية إلى حالة أليمة مفعمة بالمرارة والملل والقنوط التي تمتزج فيها الأماني الغرارة بخيبات الأمل والمخاوف المقلقة، تجعلنا نرى مصيراً إنسانياً كئيباً يتقدم شيئاً فشيئاً نحو نهايته.
ويمكننا أن نعتبر هذا الفصل حقاً، مؤشراً على التحول المؤدي إلى هذا المصير. ألا يدل إحراق «إيما» باقة زواجها الذابلة في ختامه، على بداية قطع صلتها بالحياة الزوجية الرتيبة، وعلى قرارها الحاسم النهائي المتمثل في الانطلاق نحو تحقيق مطامحها ورغباتها وأحلامها اللامحدودة؟
٭ باحث وشاعر من المغرب