الطبق الذي يوحد المغارب وبلدان شمال افريقيا، الأكلة التي تزيل توترات الحدود، بالرغم من التهم التي تصدر من مسؤولينا هنا وهناك لإضفاء طابع الخصوصية والعبقرية على الكسكسي. بقيت صامتة الى أن تناولها الاعلام.
لجان تصنف وخطابات تعنف، ثم تركنا كل القواسم المشتركة، التي بإمكانها أن تجمع هذه الشعوب، وركزنا على الأكل والطبخ وفنونه. إن أقصر طريق لربط الشعوب هو بطونها. طبق عرفته الشعوب المغاربية بكل تنوعاتها الاثنية وتبنته ولم تصنف به الأعراق وقتها. سبحان الله أكلة تملأ البطون وتطيل في الأعمار بشعيرها وقمحها وخضرواتها وحوتها. وكل منطقة تدلي بدلوها. تسلم أيادي الطهاة ذكورا وإناثا.
يجتمع الخبراء والوزراء أمام امتحان صعب لوضع العلامة الشهية، علامة اليونيسكو. فهل سيكون الطبق لذيذا وأصيلا ويرمز للهوية المغاربية الممزقة المتشظية، والتي يزيدها غياب ليبيا عن هذه المعمعة فرقة ونشازا وغرابة. لماذا غابت ليبيا عن الموعد الهام، عن بوابة العالمية لطبق أصروا أن يبقوه إثنيا منطويا على جغرافيات محصورة، بينما كل العالم تذوقه وحور فيه وأبدع في وصفاته. أين “الملثوث” الليبي بشعيره وحوته الى جنب “ملثوث” جزر تونس؟ أين كسكو البصل الطرابلسي، الذي يسيل له اللعاب. و”كسكس العسلوز”، وغيره من تنويعاته على السفرات الليبية. ماذا نستفيد من حصار المطبخ الليبي ولصالح من تلك النظرة النمطية المقيتة لليبيا المنغلقة المتحجرة، النظرة التي ظلمنا ليبيا بها وظلمنا فنونها وحيوية مجتمعها وتنوعها وثراءها؟
لم نجد أدنى تعليق عن أسباب هذا التغييب والاطاحة بالمغرب الكبير، الذي يُراد له أن تتحول رماله وجباله لأكوام كسكسي. وعندما تشبع البطون تقول للرؤوس غني، وعندما نغني تظهر فنون القول والاستعراض للعضلات وللاختلافات، ساعتها تذوب الوحدة الكسكسية. هل من تصنيف أرقى من تصنيف الشعوب لأكلها ولفنون موائدها؟
“مس الجزائر” بين العنصرية والخطابات الذكورية
نحب أو نكره خديجة بن حمو، بنت أدرار، هي ملكة جمال الجزائر. هالتني الخطابات العنصرية، التي لا تراها تصلح لهذا اللقب، بسبب لونها ومنطقتها. كما استرعت انتباهي خطابات التمجيد واعتبارها فوق الجميلات، ومعتبرين حمقا أنها دون مكياج ودون تمليس شعر ووو. هناك من رآها بضاعة كاسدة والآخرون رأوها بضاعة رائجة باسم جمال أو قبح الجسد. والواقع أن لعبة الألوان التي تلعب بها المؤسسات الرسمية في ترقية خطاب من الخطابات، وخطاب السمرة، الذي أصبح كثير الترويج لا يحتاج لعبقرية، وزراء سمر وصحافيون وممثلون. توازن جهوي وكبس انفجار من الانفجارات. الحذر من الدوس على متفجرات وجدت قبل خط شارل وموريس. إنها حمى مركزية الذات ونبذ الآخر المختلف. وكم هو بعيد لون السواد من مخيالنا الأبيض المتوهج عنصرية.
جميلة الجميلات، التي اختيرت لا لجمالها، كما سمعناها تتحدث على المنابر الاعلامية بل لابتسامتها. ولطيبة قلبها ولأخلاقها. هل تغيرت مقاييس ملكات الجمال، وأصبحت باطنة، وهل تعيش لجان التقييم مع المترشحات لمعرفة أخلاقهن وطيبة قلوبهن. تبدو خديجة طيبة وبريئة وهذا هو المطلوب في مثل هذه التصفيات.
جميلة لا أشك في ذلك، لأنها امرأة، وتحدت الكثير من الحواجز والنظرة المتعالية في المجتمع الأدراري ذاته الذي ما زال رهين التراتبية والنظرة الدونية للون والمكانة. تحدت ذلك وتحدت الرؤية المحتقرة للمرأة ولمكانة أهلها إن كانت من فئة في أسفل السلم الاجتماعي. لكنها قوبلت بعنصرية مقيتة وشراهة مقيتة أيضا.
محمد بن شنات:” في بلادي ظلموني”!
بعد أغنية “الواي واي”، التي راجت وشاعت لسنوات بين الشباب، والتي لاقت تذمرا بين مختلف الأوساط الأخرى، ها هو محمد بن شنات، نجل رائد أغنية الراي العاطفية الرومانسية هواري بن شنات، يعود هذا الأسبوع بأغنية بعنوان “في بلادي ظلموني”، والتي حققت مشاهدة عالية في أقل من أسبوع (قاربت المليونين). ليسمو فوق “الواي الواي” الجدلي إلى تعابير الشباب ومعاناتهم، بل معاناة مختلف شرائح المجتمع الجزائري: في بلادي ظلموني لمن نشكي حالي… الشكوى لربي العالي هو داري بحالي…
في هاذ البلاد عايشين في غابة… ردونا كاليتامى نحسبوا فالقيامة!
نقلة نوعية لهذا الشاب، لتغيير مسار “الواي واي” إلى وعي والتزام بقضايا المجتمع. ومن قال إن الشباب إذا رقص وهيص لا يمكنه أن يتعالى فوق أحلامه الصغيرة ليصنع حلم الوطن العادل، لكن قبل ذلك لا بد من عملية جراحية مجازية لتشريح جراح القهر المتقيحة والمتورمة.
“كل يوم الهدرة نفسها فالدار ولا فالزنقة”
هكذا بدأ العام 2019، بسمفونيات شبابية حزينة، بينما تقرع أجراس فرحة عابرة كفقاعات صابون بين شفتي الأطفال للقول بتواصل واستمرارية القيم الفنية والاجتماعية. لا يمكن أن يبلعها الصغار قبل الكبار حماقة الوضع المتأزم عنوة، وتفكه البعض وتشدق بكل شيء عال العال.
احتفالية في عامها الثالث
السنة الأمازيغية الجديدة، ما الذي ستزيده على مثيلاتها الهجرية والميلادية؟ هل تنسينا آلامنا وكؤوس المر، التي نشربها كل لحظة عن فقدان العشرات من شبابنا، هل كل البهرجة والافتتاحات الرسمية والرقصات والطباق الشعبية والزينة والامكانات المهولة المسخرة لها ستلهينا كالأطفال في السفنج و”البغرير” و”التراز” والتين المجفف، هل سنغير الأثافي الحزينة السوداء بأثافي من مرمر؟
كل شيء يوحي بيناير الحاير، وسط كل المشاكل، التي يتخبط فيها المجتمع. هل ينطبق علينا المثل “خص العمشة غير الكحل”؟
ثم ماذا يعني تجييش الجميع للاحتفالية مقتنعين وغير مقتنعين، الكل يجامل مصلحة من المصالح. “يناير” طقوس فلاحية غابت سياقاتها ورزنامة معطلة تمت فولكلورتها والسلام.
كاتبة من الجزائر