هل بامكان الشاباط وطقوسه الصارمة ايقاف الجرافات وآلات الدمار الفتاكة المصوبة نحو هوية واقتصاد وحياة الفلسطينيين؟ هل يكف اليهود عن الحاق الأذى بالبلاد والعباد ويدخلون في سبات مدة 25 ساعة، كما هو حال سبتهم المقدّس؟
هل الاختلاف في الدين لا يفسد للود حياة؟
عبارة البداية والنهاية لبرنامج ما لم يقل على التاسعة التونسيّة الذي حاول نقل المشاهد لحارات اليهود في جزيرة جربة، ليظهر الطقوس الغريبة والأشياء غير المألوفة، والتي لم تكشفها كاميرا من قبل. على جزيرة الأحلام يعيش اليهود والمسلمون في تآخ وسلام وتسامح وود وتعاون وتبادل، وهدوء، ويعتبر اختلاف الدين مسألة هامشية في جربة، أين تتعايش الأديان السماوية اليهودية والمسيحية والاسلامية. لم يلحظ المشاهد أيّ تشنج من أي طرف من المستجوبين والذين كانوا في معظمهم يهودا لأنّ التصوير كان من داخل حاراتهم المأهولة باليهود فقط. مثل عليا تجمع شتات التصورات والتمثلات المسيئة لليهود في المخيال المغاربي، يتقزم التاريخ والثقافة الشعبية والتراث الذي يجعل منهم ناقضين للعهد وتجار يحللون الربا وصاغة يغشون في المعدن…الخ ليصبحوا، من خلال الوثائقي وتعليقات المشاهدين مسالمين متسامحين، لكم دينكم ولنا دين، ولافرق بين مسلم ويهودي فقط في دور العبادة، واحد يذهب إلى الكنيس والآخر للجامع.
تتحلى نساءهم بالحشمة والجمال، فالسروال محرم عليهن في الديانة لذلك لن تجد امرأة أو بنتا بسروال، الفستان لباس محترم والسروال لباس رجالي. كما يمكنك أن تميز بين المرأة المتزوجة والمرأة العزباء، فالأولى تغطي شعرها ليلة العرس والثانية بإمكانها أن لا تغطيه فلا مانع من ذلك.
في الشاباط الكل يلبس أحلى ماعنده ولا يقوم بفعل أي شيء. حتى وإن نسي أن يشعل المكيف في سبت حار ينادي على جاره المسلم لإشعاله، أو اشعال ضوء المنزل. ولا سيارة تمشي وفي الحالات الاستعجالية، كمريض أو امرأة فاجأها المخاض في يوم الراحة، يصبح الأمر معكوسا ويصبح حراما على اليهودي إن لم يشغل محرك سيارته ويأخذ المريض للمستشفى وهذا من تعاليم الديانة… الضرورات تبيح المحظورات.
الشاباط فرصة لإظهار التقاليد الاجتماعية وطقوس الحياة لديهم، من طقس بلوغ الذكور والاناث، الفتاة في سن 12 والذكر في سن 13 سنة. احتفال ديني دنيوي للدخول في عالم الكبار. والشاباط أيضا مناسبة لالتقاء الخطيبين. منذ رؤية الخطيب لخطيبته يوم الخطبة تمنع اللقاءات بينهما، والشاباط الفرصة مواتية ليلتقيان. فالأمر حرام بل لا يصح في مجتمعهم في جربة المحافظة، ولا يوجد اتصال بينهما لا بجوال ولا ميسنجر ولا حتى بحساب مجهول، وهذا ما يجعل نسبة الطلاق معدومة بين يهود جربة. وتبقى العلاقة بعد الزواج طازجة غير متآكلة من روتين الثرثرة في الهاتف واللقاءات. هذه هي التقاليد التي كانت وما زالت موجودة بين جنباتنا والتي لو شوهدت على وثائقي في قنواتنا لاتهمت بالرجعية والتخلف وإنّ هذا من زمن الجواري والعبيد. والآت أغرب.
اليهوديات أحسن من المسلمات… رسالة وصلت إلى المعلقين والمتابعين للبرنامج. عرف داوود على من يقرأ زابوره. كل شيء في موضعه من مأكل وملبس وسلوكات.
«الكوشير». مطاعم تخضع لقوانين صارمة جدا. مطاعم الحارة اليهودية زبائنها مختلطون من مسلمين ويهود. تعايش واحترام والدين لا يفسد للعلاقات ودا. يأكل المسلم في جربة من مأكلهم، لكن اليهودي يطالب بتعميم المطاعم التي يشرف عليها الأحبار وتذبح الذبائح بسكينة حادة وناعمة في ذات الوقت لو جربتها على اصبعك فلن تسيء اليها. لأنهم إذا انتقلوا إلى تونس العاصمة يجدون مشاكل كبيرة لأنهم لا يأكلون في غير مطاعمهم. أين التعايش والتسامح؟ المسلم هو من يتنازل ويتعايش أكثر وعليه أن يبين حسن نواياه. بقدر ما أراد الوثائقي أن يبين من غرابة طقوسهم ظهرت طقوس مسلمي جربة المغيبة أكثر غرابة، وتحتاج أن نسلط الضوء عليها. فلا يكفي القول إن صبي الصائغ اليهودي في سوق الصاغة النظيف مسلم وهو من يقوم بمختلف الأعمال، ولا يكفي الشعور بالافتخار من العيش جنبا إلى جنب معهم، دون إثارة للفتن الدينية والطائفية. هكذا حال الدنيا إذا سارت الأمور بهدوء فاعلم أنّ الضغط على أحد الطرفين. هدوء وتسامح حذران في جربة متعددة المذاهب الاسلامية والديانات.
لأجل عيون من؟
نظمت الجاليات المغربية في الخارج ومجلس الجماعات اليهودية في المغرب ملتقى دوليا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حضره جمع من المثقفين والسياسيين والباحثين الجامعيين، لتعزيز التعايش بين اليهود والمسلمين ولرفع أشكال الاقصاء كافة ووصم التاريخ والجغرافيا والمخيال. وما يفهم من هذا اللقاء المراكشي، كما جاء على لسان وزير الثقافة والاتصال المغربي أنّ اليهود والمسلمين في المغرب تجاوزوا فكرة العيش المشترك إلى الأخوة المشتركة. والمغرب بلد استطاع توفير فرصة العيش بسلام لليهود منذ آلاف السنين. واليهود كانوا بمثابة همزة وصل بين المغرب والعالم منذ ألفي سنة. ومن القضايا التي نوقشت، واقع وتحديات المغرب، وكتابة تاريخ يهود المغرب. كما تم وعلى هامش الملتقى افتتاح معرض إعادة تأهيل التراث الثقافي اليهودي المغاربي، واكتشاف مواقع الذاكرة التي أعيد تأهيلها. تأهيل الذاكرة عقب قرار الملك صيانة أماكن العبادة والمقابر كافة، بما فيها تلك الخاصة باليهود.
ما يمكن أن يتقاسمه الجيران الذين لا تربطهم ببعضهم البعض العداوات التاريخية العريقة، نتقاسمه مع اليهود، ومن كانوا أصحاب قضية خسروها في ولاءات جديدة وفكرة تعايش وهمية. كيف لم نتمكن من أن نتعايش ونتشارك بيننا كمغاربة ولدينا كل مقومات الانصهار، وها نحن ننادي بأيام للاحتفال بالتعايش مع مختلف الملل والنحل والأعراق والديانات…أليس انفصاما مستعصيا على الشفاء!
في صالح من تبييض المخيال والتراث من التصورات المشينة التي تلحق بالغير ودعاية لمن؟ بوادر ثقافة تلمع صورة اليهودي أحيانا بالطيب وأحيانا بالمكون الوطني ولا وجود لفوارق بتاتا وكل واحد يحترم الآخر وفق معتقده. كنا سنستسيغ هذا ونصفق له ونطالب به لو كفت الاعتداءات والمذابح على الفلسطينيين، لأنّ قلب العالم العادل يظل متعلقا بفلسطين.
العياشي: من كان مشتاق لتمرة علقوا على قبره عرجون
بعد توتر وخوف وقلق على الشاب محجوب العياشي، الذي سقط في حفرة بئر ارتوازية، دون أن يعطى لنا سيناريو الواقعة وسيناريو الإنقاذ الجماعي للمجتمع ولا عون الحماية المدنية فيما بعد أمام صمت المسؤولين في ولاية المسيلة وغيرهم. انتهت العملية بفشل ذريع. اكيد وفاة الشاب الذي لم يقتله البرد ولا العطش ولا نقص الأوكسجين. بل قتله الإهمال. وكما علق أحد الأساتذة على الفيسبوك: حتى في الحفر هناك فرق كبير بين حفرة المسيلة الرخيصة وحفرة بن عكنون الغالية، فبينما غابت وسائل الاعلام عن الحفرة الأولى كانت حاضرة لتنقل آثار الثانية. وإذا كانت حفرة بن عكنون دون ضحايا، فحفرة المسيلة خلفت ضحية وهو العياشي المسكين «الزوالي». إلى هنا لا راد لقضاء الله ولا قدره لتحفيز همم أصحاب القرار من الوالي إلى غيره من المسؤولين. لكن ما نشرته نقابة الزوايا فعلا لا مكان له من الاعراب ولا يعزي أحدا ولا يطفئ نار أهله وسخط المجتمع. حيث أن النقابة بعثت بمراسلة لوزارة الشؤون الدينية والسلطات المحلية على مستوى ولاية المسيلة من أجل بناء مسجد في المكان الذي سقط فيه الشاب محجوب العياشي وتسميته باسم العياشي. إذا كانت الأموال لبناء مسجد موجودة كان الأجدر بالسلطات أن تستخدمها في انقاذ الروح البشرية. ثم من سيصلي في مسجد في مكان مهجور؟ أفتوني وأعطوني عقلكم!
عياشي أتى على ما تبقى فينا من نخوة، من مسؤولية، وأن حياة البشر لا تدخل في أي مزاد ولا يدفع فيها ولا فلس.
٭ كاتبة من الجزائر