قطعتُ الاتصال وأنا أركب القطار لأنني أردت أن أقول لها كلمة ولم تخرج، استعصمت بلساني ولم تغادره ظلت على طرفه… ليست المرة الأولى التي تنحبس فيها كلمة على طرف لساني.. ربما هو العمر يا حبيبي.
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة بـ Tip-of – the Tongue ويعنون بها الحالة التي يعجز فيها المرءُ عن تذكر عبارة مألوفة، بينما يتذكر كلمات لها صيغتها ومعنى قريب من معناها. تصنف الكلمة على طرف اللسان ضمن الأخطاء اللغوية العفوية، مثلها مثل زلات اللسان، بل قد تكون نقيضا لها: يسبق اللسان ويعثر ويزل ويقول كلمة ليست هي المقصودة، وقد يحجم فلا ينطق بالكلمة أصلا، لأن الذهن وهو يبحث عنها في الذاكرة لم يجدها، أو لنقل بلغة علماء النفس العرفانيين إنه فشل في تنشيطها فنشّط قريبا منها، وفشل في تنشيطها هي بالذات.
أحدق وأنا أفكر في الكلمة في الوجوه الجالسة في القطار.. وفجأة رأيت شفة بديعة تعانق أختها وليس بينهما إلا بعض انفراج.. كأن الشفة تريد أن تنطق بالكلمة ويحبسها اللسان على طرفه.. تركت الشفتان شبهَ انفراج للكلمة حتى تتحرر متى أمر الذهن اللسانَ بتحريرها.. كانت الشفتان محكمتي التصوير عليهما أحمر باهت لا تدري أهو لونهما أم لون قلم لم يترك لونه لك مجالا لتقرأ ما كتب عليهما.
فتحتُ لعيني الطريق لترى لوحة الوجه كاملة بعناصرها.. كان وجه سيدة ولم يكن ككل الوجوه.. جميلة لكنها ليست الوحيدة الجميلة في القطار. شعرها أنفها عيناها خداها كل شيء في مكانه الصحيح والجميل، وبحجمه المثالي، لكن ليس هذا ما يشد فيه.. ما يشد هو هيئة ذلك الوجه يدعوك إليه .. وجه مستنفر غائب عن وعيه بما حوله هارب بعينيه إلى شيء ما مجهول. أنا لا أعرف هذه المرأة لا من أين جاءت ولا إلى أين تذهب، ولا يمكن أن أتكهن بجنسيتها في هذا البلد الذي تتعدد فيه الأعراق.. متخلف أنا جدا وذهني قبلي: لمَ حين أريد أن أعرف هوية شخص أتساءل عن جنسيته؟ وماذا يعني أن تكون هذه المرأة منتسبة إلى هذا العرق أو ذاك، هل سيفيدني كثيرا في تفسير علة هذا الحزن الذاهل عن الكون في وجهها؟
شعر مرصف محكم الترصيف لا أتبين لونه من بعيد .. ركزت على عينيها توهمت أنها تنظر إليّ أمعنت النظر فتأكدت أنها تنظر عبري لا إليّ .. ليس من النادر أن ينظر شخص إليك وهو ينظر عبرك، لكن من النادر أن ينظر شخص عبرك بهذا التيه. مشهدُ المرأة التائهة بنظرها في القطار أنساني كلمتي التائهة العالقة على أسَلة اللسان.. كلمتي التائهة لا تساوي شيئا أمام هذه النظرة التائهة.
قراءة الوجوه عمل يومي يتقنه الأمي والمتعلم، الجاهل والعالم، لا لشيء إلا لأن الوجوه لا تخفي ما تخفيه اللغة. ومن أبلغ ما قيل في قراءة تعابير الوجه إن الوجه مسرح التجربة النفسية، فعلى ركحه تعرض المشاعر.
في الوجوهُ رسائلُ مشفرة أعشق قراءة النادر منها.. أحمد الله أنني في بلاد لا تعاقب الناظر على استدامة النظر، وأحمده جل وعلا على أنني في بلاد لا يهتم فيها الناس بي: لمن أنظر وكيف أنظر.. كانت تنظر إلى ناحية عليا إلى الشمال، كان محط نظرها طرف شباك علوي لا شيء يظهر منه غير خيالات ضوء تعبر سريعا كشهب، ثم يرسل الظلام.. كانت تنظر بعينين فاترتين وكأنها تودع شخصا ابتعد في الأفق بما يكفي كي تراه العين المجردة نقطة تبتعد لكنها لا تغيب.. النقطة وهي في العين من بعيد أطول عمرا من الخط.. ربما ينتهي الشخص النقطة من زمان، لكن العين التي تعشقه تظل تراه.. تموت النجوم فعلا ومع ذلك نظل من الأرض نراها وهي أثر بعد عين. أقوى ما في هذا الوجه العينان التائهتان تنظران عبر مسار يعبر بك إلى الذاكرة، تستطيع وأنت ترى تائها أن تتبع ضياعه سيقودك حتما إلى شريط معاد تعرضه الذاكرة. في موضع ما من الشباك في هذا القطار الليلي الهدار.. نظرت باتجاه نظرها حاولت أن أعرف من هذا الراحل عنها المقيم في الذاكرة.. لطالما تمنيت أن أكون في عين من يحبني راحلا على هذه الشاكلة. الضوء ينعكس على وجهها فيغرق بياضه في بياض تغيب فيه ألوان الورد القليلة على خدين يئسا من التورد.. لمن تتفتح خدود وليس لها ساق بعطر روحه يسقيها؟ حاجبان مرسومان بدقة كقوسي رماية يحرسان رمشين صامدين لا يطيران. العينان مازالتا غارقتين في بحور ثلاثة لا يكاد بحر منها ينفك عن بحر: بحر النور الجاثم على بحر الحزن الجاثم على بحر الدموع.. تظل العين تحارب حتى تكل.. تحارب الذاكرة التي كلما نشطت شيئا دعت العين وقالت لها: انظري.. تحارب المحسوس الحي: كل شيء فيه يرى غير ما نحب ومن نحب.
لا أعرف كم سنها أهي فُوَيْق الثلاثين أم دُوَيْنَ الأربعين.. بدت وهي ضائعة كأن الزمان أضَاعها، فلا تجاعيد رسمها على صفحتها، ولا انحناء ولا تفقير للشعر في مواضع الكثافة.. من كان حبيبه الزمان غفل عن مروره على وجهه إلى رحلة مقبلة. الحزن عابر حتى إن كان في وجهها مقيما.. بدت وكأنها تحتاج ذلك الحزن تريده أن يحط الرحال فلا يرحل.. لو كانت تدري كم جمّلها حزنها لظلت تمسكه تعشقه وتطلب منه الولد… لكن هل تراه يقبل؟
قراءة الوجوه عمل يومي يتقنه الأمي والمتعلم، الجاهل والعالم، لا لشيء إلا لأن الوجوه لا تخفي ما تخفيه اللغة. ومن أبلغ ما قيل في قراءة تعابير الوجه إن الوجه مسرح التجربة النفسية، فعلى ركحه تعرض المشاعر. صحيح أني أقرأ وجه هذه السيدة خلسة، وأستعمل في قراءته حدوسي، لكن قراءة الانفعالات على الوجوه موضوع علمي تهتم به علوم أهمها علم الأعصاب العرفاني. يقول علماء هذا الفن إن هناك منطقة في الدماغ اسمها Amygdala أو اللوزة الدماغية، هي التي تعالج الانفعالات من الوجوه، فهي تشارك في إدراك الأحاسيس والمشاعر وتقييمها. واهتم الباحثون بتفاعل الخلايا العصبية مع العواطف، وتوصلوا إلى الكيفية التي يرتبط بها نشاط خلايا الوجه بمركز القرار. وأقر العلماء بما حُدِس به على مرّ الدهر من أن الوجوه البشرية هي من أغنى المصادر التي تقدم لنا معلومات عن الأنفس، بل هي من أكثرها موثوقية. وأكثر من ذلك قيل لنا إن الوجوه تنقل لنا كما من المعلومات هائلا، وأن لتلك المعلومات التي تحملها وجوهنا أهمية بالغة في تحديد ردود أفعالنا واستنتاجاتنا وتفاعلاتنا الاجتماعية. ويعتقد العلماء أيضا أن البشر فد تطورت لديهم أكثر فأكثر هذه النظم التي تدرك الشعور من الوجه أو مما ظهر من بقية الجسم.
أعود لأنظر في وجه الغريبة الحزين.. يتوقف القطار.. تنزل.. أنزل.. أراني قادما من الجهة الأخرى فاتحا ذراعي لحضن كبير.. أراها بعينيها الغارقتين وبفمها الذي انغلق على كلمة لم تخرج.. أراها تفتح حضنا كبيرا.. تدخل بين جناحي أدخل بين ضفاف ذراعيها وأقول وقد انفرج اللسان عن الكلمة التي كان يحبسها: عُلوج!
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية