«كما روتها أمي» عرض مسرحي مفعم بالتراجيديا وبالانتصارات ينهل من الموروث مضيفاً لمسة معاصرة
بيروت-»القدس العربي»: ترافق عرض «كما روتها أمي» في مسرح المدينة باستقبال مشرق ميزته الأزهار البرية البيضاء والوزال الأصفر الجميل. وانتشرت رائحة عطرة في الصالة، وفصل كرسي بين متلق وآخر لأجل السلامة. واعتلت الجدران المؤدية إلى الصالة صور كبيرة بالألوان لمشاهد من المسرحية، شكلت ولوجاً تدريجياً إلى أجوائها.
«كما روتها أمي» هو العرض الرابع الذي يعده ويخرجه الفنان علي شحرور بعد ثلاثية الموت: «فاطمة» 2014، «ليلى» 2015 ومن ثمّ «عساه يحيا ويشمّ العبق». في جديده الذي امتدّ لأربعة أيام فقط كانت المرأة الأم هي الأساس. تصنع الحكاية كفاطمة التي ما كلّت تبحث عن ابنها حسن الذي اختفت آثاره في سوريا. إلى ليلى التي حمت ابنها عبّاس واقنعته بعدم الذهاب للقتال.
على خشبة المسرح ينتشر الفريق جميعه وكأنه عائلة متراصة متفاهمة ومتناغمة على الكبيرة والصغيرة. فريق بات يألفه ويأنس له الكوريغراف والكاتب والباحث والراقص علي شحرور. يتألف الفريق من الممثلة والمؤدية السورية حلا عمران، وخالته ليلى شحرور، وعازف البزق عبد قبيسي، وعازف الإيقاع علي الحوت، وجميعهم يشترك في الأداء الصوتي. جديد الفريق عبّاس المولى الذي اقتنع بتحويل مصيره من شاب يطمح للقتال في سوريا، إلى آخر يمثل ويرقص ويُقنع من يتابعه حركته وتعبيره.
يتابع علي شحرور النهل من تراث منطقة بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. يحضّر عرضه كما تدأب الأم على رعاية وليدها. يحافظ على الموروث، يقدره ويرى فيه قيمة ثقافية عالية. يعصرن مادته المنهولة من الموروث محافظاً على الذاكرة بأمانة كبيرة.
بارع علي شحرور في تجسيد كوريغرافيا الأجساد، فهي ترتجف حزناً، وقد تنصهر به، وفي الوقت عينه تحتفي بالانتصار وتنتشي به. رسم شحرور عرضه هذا ببراعة وحرفة يتمكن منها تجربة بعد أخرى. من اختياره للندبيات، إلى المؤثرات الصوتية، وكيفية التواجد على الخشبة، إلى الإضاءة التي أثبتت حضورها بقوة.
مع علي شحرور هذا الحوار عن جديده المستوحى من قصص واقعية:
*قرأنا عن العطور التي كانت ترافق عروض المسرح اليوناني القديم وهذا ما شممناه في مسرحية «كما روتها أمي» أضافة للأزهار. هي عودة لتقليد مسرحي غابر؟
**كعائلة مسرحية رغبنا بالاستمتاع بعودتنا إلى المسرح بعد الحجر. وأن نكون محاطين بأجواء مسرحية حميمة وجميلة بعد سلسلة المتغيرات والكوارث التي مررنا بها على مدار سنة ونصف. أردنا استقبال الجمهور بأزهار برية بدائية شبيهة بمحبة الأم لطفلها. ونشرنا صوراً لمشاهدة من المسرحية يجمع بينها البحر والصخر وبيروت، كانت فكرة تلحّ كي تصبح واقعاً، كونها تشكل جزءاً من العرض.
*خيالك مدرار وسخي في استخراج الجديد من تراثنا وتاريخنا المتسم بالفجيعة. التاريخ يتكرر من العراق إلى سوريا ولبنان وبالطبع فلسطين فهل تواصل البحث فيه؟
**أكيد. هذا التاريخ المرتبط بالحاضر هو الذي يكوّن جسدي، وذاكرتي الشخصية. أعمل على الأمور الحميمية لدى الأفراد. وأبحث عن القصص الصغيرة المدفونة في أعماقهم، أو المخبأة في منازل بيروت وغيرها من المناطق. هو تراث غني جداً من شعر، وأدب، ورقص. في موروث منطقتنا قاعدة عنيفة وصلبة جداً للرقص، المغلّف بالشاعرية. البحث مستمر، ونبع ثقافتنا لا ينضب.
*»كما روتها أمي» عرض يبحث في الغياب من صلب الموروث الديني والأسطورة عصرنه حضور حسن وعباس. فجيعة الأمهات برأيك هي الأصل في كافة الأزمان؟
**نعم فجيعة الأمهات متواصلة على مدى الأزمان، وكذلك بطولاتهن. للأسف نواجه حجم قضايا كبيرة ودائمة، وهذا ما ينسينا تلك البطولات المخبأة في المنازل. ومنها بطولة ليلى مع ابنها عبّاس، وصراعاتها اليومية. وأيضاً صراعات والدتي، ففي كل منزل بطولات، ونحن نبحث فيها. في «كما روتها أمي» نحن حيال مصير عباس وحسن، وهما من العائلة نفسها. أمٌ اتخذت القرار، وحوّلت ابنها من مشروع محارب إلى مشروع راقص. وأمٌ ماتت وهي تبحث عن ابنها، ومصيره لا يزال مجهولاً. لهذا يستحضر العرض في نهايته «فاطمة» لنقول بأن أحدهم لا يزال مفقوداً، ولا نزال عالقين بالفاجعة.
*كيف تقمصت حياة الأمهات اللواتي تتبعن الأثر وهنّ بمئات الآلاف في وطننا العربي؟ هل تحتاج لحالة حقيقة كما عمتك فاطمة؟
**نعم وبالتأكيد. فعملي يرتكز على قصص حقيقية وحميمة. قبل وفاة عمتي فاطمة كنت أجد لديها قوة أعجز عن تفسيرها. أم ينهش السرطان جسدها، ولا تزال مثابرة في البحث عن ابنها والغناء له. تسلمت أغراضه واُخبرت أنه مات، لكنها تسمع يومياً قصصاً لشبّان عادوا من سوريا، فتواصل البحث. فارقت الحياة وسلمت راية البحث لإبنتها إيمان. أسأل دائماً نفسي لماذا لا يقوم والد حسن بالمهمة؟ ووجدت أن النساء بشكل عام تمتلكن قدرات حمل القصة، وإيصالها. نساء عائلتي جميعهن حاملات للقصص. بدون النساء من سيدون كل هذه التراجيديا والسعادة إن حلّت بنا؟ عبر التاريخ وبالعودة إلى واقعة كربلاء نقلت النساء بطولات الرجال. بدونهن لكنّا افتقدنا الصور التي نمتلكها الآن عنها.
*فاطمة حاضرة وطيفها قوي هل هي من جعلت ليلى أماً مؤثرة ترفض مصير حسن لإبنها عبّاس؟
**لا شك. لماذا خيار القصتين السائرتين معاً؟ عندما التحق عبّاس بالمقاتلين، كانت ليلى لا تزال مهووسة باختفاء حسن، والعائلة بأكملها تبحث عنه. شهدت ليلى مصير فاطمة. لم تتح لحسن فرصة الإنتقال من عالمه إلى عالم الرقص. والدة عبّاس تحب المسرح، وعملت فيه مراراً، لهذا تمكنت من انقاذه. والأغنيات التي تضمنها العرض أعرفها بصوت عمتي فاطمة وخالتي ليلى، وكانتا ترددنها في أعياد الميلاد لابنائهن.
*توسيع البحث باتجاه التهويدة السومرية هل قال بدلالة ما تربطها بالحالة الكربلائية السائدة في بلاد ما بين النهرين؟
**العودة إلى السومري عودة للجذور، وإعادة للأسطورة. ترجمنا التهويدات الشاعرية جداً والتي كانت تغنيها الأم لإبنها. قدمناها بلحنها كما هو. فككنا كتابة الكلام السومري وأعدنا توزيع اللحن. كنا حيال بحث كبير، وأعدنا بالتعاون مع الموسيقيين تأليف اللحن والإحتفاظ بحالته البدائية. الشعر السومري شاعري جداً، وعندما يلامس العصرنة تكسره الفجيعة.
*يترك الإرث الثقافي الديني الذي نتابعه عبر عروضك المسرحية ألماً ووقعاً قاسياً في النفس. ماذا تقرأ في هذا الإنطباع؟
**عرض الافتتاح فاض بالمشاعر التي تلقيتها من الجمهور. وفاض المزيدٌ من تلك المشاعر لدى اللقاء بالجمهور في نهاية العرض. رداً على السؤال أرى دور المسرح بأن يترك انعكاساً. المسرح حالة نعيشها في الزمان والمكان، وليس للمتلقي أن يحتفظ بها مادياً، إنما تترك لديه إحساساً يفترض أن يرافق المتلقي لأيام. بغير ذلك يفشل المسرح في دوره. ليس لنا تحديد هذا الإحساس بين إيجابي أو سلبي، المهم استحالة استرجاع هذا الإحساس عبر سي دي مثلاً. بل هو إحساس مرتبط باللحظة. إنها تقنية المسرح. وكما سبق لك الملاحظة أن تجربة هذا العرض المسرحي حالة عاشها المتلقي منذ بدء الهبوط عبر درج صالة الإنتظار، ووصولاً لبدء العرض. إنها تجربة بصرية حركية ترافق المشاهد حتى خروجه من الصالة مع مشاعر مرتبطة بالوقت. ولهذا كان الرفض قاطعاً بأن يكون مسرحنا أونلاين حتى من خلال مهرجانات عالمية. فهذا الإحساس يستحيل الوصول إليه عبر الشاشة.
*أهديت العرض المسرحي «إلى انتصارات وبطولات أمهاتنا الصغيرة المستترة في بيوت هذه المدن المتهاوية». بين الماضي والحاضر هل قدر الأمهات المصائب؟
**المصائب تحيط بمنطقتنا للأسف. ونحن نتابع كل يوم ما يحدث في فلسطين وبخاصة الآن. نراقب الأمهات ومصير أبنائهن. المنازل التي تُسرق عنوة في القدس، وكافة الممارسات البعيدة عن المنطق. فلسطين بعيدة عنّا رمية حجر، وليس لنا غض الطرف عن الأحداث على أرضها. ناس تُسرق منازلهم. القصف يقطع المدنيين أشلاء. أمهات يرين أبناءهن يعتقلون من بين أيديهنّ. يكفي أن تعيش امٌ واحدة هذا الواقع لنكون محاطين بالمصائب. ككاتب ومخرج لن يكون منطقياً فصل ما أعيشه عن عملي. نعم العرض مُهدى لتلك الأمهات اللواتي سطرن بطولات عملاقة بنظري. بطولات تعجز كافة وسائل التعبير الفنية وغيرها من اعطائها حقها. تلك البطولات في فلسطين لها ما يشبهها في بلدان عربية أخرى إنما بمستوى مختلف.
*كيف لجسد حجّره الألم أن يتفكك ليطرده؟ وأقصد عملك مع غير المحترفين.
**إنها قوة الرقص، وقوة تتبع حركة الشخص الخاصة. بنظري ليس هناك راقص محترف وآخر غير محترف، إنما هناك تقنيات مختلفة، وكل منا قادر على خلق تقنيته الخاصة. إن أكمل عباس التمارين سيخلق تقنيته الخاصة البعيدة كلياً عن الرقص المعاصر الذي ولد في أوروبا وأمريكا. ثمة تقنيات نخلقها نحن في منطقتنا رغم التحجُّر الذي نعرفه والمرتبط تحديداً بجسد الرجل. مسار العمل مع عبّاس كان طويلاً حتى وصلنا إلى العرض. فكفكنا الكثير من القصص لديه دون هدف تحويله إلى راقص، بل اكتشاف نوعية حركته. آمنت بشيء قوي في جسده، وكذلك بحضوره على المسرح. سرت بيننا لعبة، بحيث جرّبت كراقص محترف التنازل عن التقنيات التي أعرفها، والتقنيات البدائية التي يعرفها عباس. سعيت ليأتي نحوي وبالوقت عينه الذهاب نحوه. كوريغرافياً رقصنا يتشابه، وكل منّا يقدم رقصاً يشبهه. ونحن معاً استعملنا المواد الحركية نفسها.
*بالسؤال عن علي شحرور الشاب الفنان هل يأسرك مسرحك الذي بات سمة خاصة بك؟ وهل تسكنك ندبياته وأحزانه؟
**عندما قررت التخصص بالرقص كان السؤال لماذا وفي بلد لا يمكن أن يؤمن عيشاً كريماً. وأنا على اصراري بعدم العمل في أية مهنة أخرى، بل أعيش من عملي كراقص وكوريغراف. أكيد أنا مهووس بالموروث الثقافي الشعبي في منطقة بلاد ما بين النهرين في العراق، وسوريا ولبنان وفلسطين. مادة هذا الموروث لا تنتهي من غناء وشعر وكذلك الموسيقى. لا حاجة للبحث في موروث آخر، فالموروث الذي يمتناولي وقريباً مني يخدمني لأبد الآبدين. في عروضنا المسرحية لا نقدم إجابات. نحن في حالة تجريب مستمرة، وسيل من الأسئلة.
*هل من نهاية لأحزان الأمهات في شرقنا؟
**حكينا طويلاً عن الأحزان فيما أجد بعرض «كما روتها أمي» الكثير من الانتصارات، كما فيه أحزان. فثمة أمٌ ماتت وهي تؤمن انها ستجد ابنها. داهمها السرطان لكن اختفاء حسن قتلها وهي التي كانت تناديه «أنت القلب». فهو كان حنوناً جداً. هذا هو الجانب الحزين من العرض، وبموازاته كانت انتصارات ليلى. أم رقصت مع ابنها على المسرح وهو الذي كان يعد نفسه ليكون مشروع شهيد. شاب يهز خصره وأمه تحضنه وتمسك يده فهذا انتصار. إذا توازى في العرض طيف فاطمة التي تغني إينما وجدت، وانتصارات ليلى.
*الشهادة من واقع منطقتنا والتحديات تداهمنا مهما قيل عن النأي بالنفس. ليس لنا التطبيع مع المحتل ولا التهليل للإرهاب. ما هو العمل؟ استسلام أم استشهاد؟
**مفهوم الشهيد بات مختلطاً. لهذا العرض برمته هو طرح سياسي بعيداً عن الشعارات، فنحن ننظر إلى السياسة من وجهة نظر الأمهات. ومن وجهة نظر حميمية لا صلتها بالمنازل. اهتم بما تريده الأم، وكيف حمت أبناءها. وإن كان أحدهم لا يعرف ما يجري في منطقتنا والحرب في سوريا وكذلك مفهوم الشهيد، سيفهم هذا المعنى السياسي دون أي تفسير. يمكن اختصار هذا المحتوى العنيف والمكثف سياسياً واجتماعياً ودينياً من خلال قصص حميمة صغيرة نادراً ما تكون لدينا فرصة تناولها.