لاشك في أن الكولاج أحد أوجه فن الرسم المعاصر كما يتم تداوله في الإطار التعريفي، وليس من الصعوبة على المتلقي ان يستدل عليه أسلوبيا من بين بقية التجارب التي اجترحها الفن التشكيلي في منحى أفق الحداثة وما بعد الحداثة منذ مطلع القرن العشرين، لأنه بطبيعته يحمل في بنيته الفنية تقنية خاصة به قائمة على إعادة الروح إلى الأشياء المتنافرة والمختلفة من خلال إقامة علائق جديدة في ما بينها ضمن إطار اللوحة. وبناء على ذلك فإن عمل الرسام يأخذ مسارا خاصا في هذا النمط من الإنتاج الفني، لأنه لا يكتفي بعملية جمع الأشياء إنما يعيد اكتشافها من جديد بافتراض علاقات جديدة لكل عنصر منفرد مع العناصر الأخرى، وفي زخم هذه العلاقة المتراكبة ينزاح المعنى المتداول والتنميطي للأشياء بصيغتها المنفردة، لتكتسب في وجودها التجميعي المتراكم بعدا آخر لا علاقة تربطها مع دلالتها عندما تكون لوحدها منعزلة عن بقية الأشياء.
الفنان صاحب نزعة الابتكار لديه حرص شديد على ان يكتشف مناطق جديدة في تجربته الفنية، ودائما ما تكون هي محركه في تجديد أسلوبه، وإذا ما اعتمد على ما أنجزه وأعاد تكراره، سيتحول إلى خانة الحرفيين ويبتعد عن ميدان الخلق والاكتشاف، ومن هنا يمكن النظر إلى قيمة وأهمية فنان مثل بابلو بيكاسو على سبيل المثال، لأنه منذ بداياته كان حريصا على أن يتجاوز ما سبق ان أنجزه، بالتالي جاءت مسيرته حافلة بالتحولات من حيث الأسلوب في رؤية الموضوع والكيفية التي يتناوله فيها، وفي هذا السياق جاءت تجربته الخلاقة في ابتكار فن الكولاج مع جورج براك قبل أكثر من مئة عام، وهي تجربة تعكس فرادة المشاركة في التجربة الفنية رغم صعوبتها، لأن لكل فنان عالمه الخاص المغلق على ذاته ومن الصعوبة بمكان ان يتشابه مع عوالم فنان آخر. لكنهما في النهاية وإزاء تلك التجربة تكللت جهودهما بإنتاج محتوى فني جديد، يحمل سماته وخصوصيته في التعامل مع الأشياء المهملة والمستعملة والشائعة، فكانت الرؤية لديهما قد أخذت بعدا فلسفيا قبل ان تكون ذات سمة تقنية، وهنا تكمن خصوصيتها، لأنها ولِدت بعد ان كانت الرؤية تتفاعل نظريا لديهما، وهذا يؤكد ان التجديد لن يأتي عفويا، إلا في حالات استثنائية جدا، ولا تصلح ان تكون العفوية مقياسا في العملية الإبداعية. ومن ناحية بيكاسو وزميله براك كانا قد شرعا بفحص الأشياء، وعملية الفحص لدى الفنان تختلف بالتأكيد عما هي عليه لدى غيره، بمعنى انه لن يضعها تحت جهاز المجهر، إنما تتم العملية في مجهره الداخلي، ومن هنا انساق الإثنان إلى قص وتمزيق ولصق وتركيب مواد مختلفة لإنتاج عمل فني يحمل خطابا فنيا موجها إلى المتلقي.
ربما تتم عملية اللصق بطريقة عفوية في جانب منها، لكن ما يسعف الفنان في تلك اللحظة التي تبدو لنا عفوية، إرثه المعرفي والثقافي إضافة إلى خفايا تجربته الذاتية، وكل هذه العناصر ساهمت في إنتاج فن الكولاج من قبل بيكاسو وبراك.
ومنذ ذلك الحين، انتبه المشهد الفني إلى هذا المنحى في التعامل والتفاعل مع المواد المختلفة داخل اللوحة، ومن بعدها أصبح في متناول الأساليب المختلفة والمتنوعة التي ينحاز إليها الفنانون، فوجدنا الكولاج في السريالية والتعبيرية التجريدية وفن البوب. ورغم الفترة الطويلة التي مضت على ابتكار فن الكولاج إلا انه ما يزال يشكل هاجسا فنيا ملحا لدى الفنانين، وميدانا يستفز ويستثير مخيلتهم لإنتاج لوحات تعكس جوهرية العلاقة بين الفنان وعصره، بكل ما تحمله من تحولات، وبنفس الوقت فإن هذه العودة الدائمية لبنية فنية أصبحت جزءا من تاريخ الفن العالمي لا تعني ارتدادا في الوعي ونكوصا إلى الخلف، بقدر ما تشير إلى أهمية اكتشاف الطبقات المجهولة في الماضي وما فيها من مفردات تصلح ان تكون بواعث لنتاج جديد، وهذا ما يمثل مركزية الفكرة في فن الكولاج باعتباره يتعامل مع شيء مُنتَج مسبقا، أي يتعامل مع مخلفات مادية تنتمي إلى الماضي، وهذه الحركة الجدلية ما بين الراهن والأمس، والملموس والمجهول، تمثل القيمة الحقيقية التي ينحاز إليها الفن.
وجهة نظر
ومع ما يحمله الكولاج من ممكنات كبيرة لخلق مساحات واسعة للتأمل باتكائه على مفردات نتداولها في حياتنا اليومية وزجها في عناصر اللوحة، إلا أن هناك وجهات نظر أخرى تنظر إليه بعين الشك وتراه أقل منزلة من اللوحة في بعدها الأكاديمي، باعتبار اللوحة تخلو من أي عناصر خارجة عن مفرداتها التقليدية. وبطبيعة الحال لا يمكن التغاضي عن هذا الرأي، رغم انه يفسر جانبا من الوعي البسيط في التعامل مع مفهوم اللوحة، حيث ينطلق أصحابها من الرؤية المحافظة إزاء التجربة الفنية بشكل عام، وليس اللوحة فقط، وهم بذلك يقفون على مسافة بعيدة من تجارب الفن التشكيلي المعاصر، مثل الفن المفاهيمي والبوب آرت. بينما في الجهة الأخرى سنقف عند فنان مثل مارك برادفورد حيث تقودنا أعماله إلى تكوين نظرة أخرى إلى المنحى الذي يندرج فيه عمل الرسام في مسار يواجه تحديا للأفكار والأخذ بها إلى فضاءات أوسع، حيث تجتمع تقنيات ومواد مختلفة تجمع ما بين الأصباغ الدهنية والكولاج، ويأتي فهم الكولاج من قبل برادفورد بعيدا عن الإطار المتعارف عليه، لأنه يأخذه إلى مساحة بعيدة عن أفق اللوحة المتداول لكن عمله في النهاية ينتمي إلى التجربة الفنية للرسم.
قوة الأفكار
ما لايمكن تجاوزه وإغفال أهميته في فن الكولاج، انه في سياقه الإبداعي يضع الفنان أمام تحدي كبير إزاء نفسه وإزاء التجربة الفنية، لانه سيكون عليه ان يثبت لنا مدى قوة ما يملكه من أفكار تحمل في داخلها بعدا تأويليا في إطار تعامله مع الأشياء المختلفة، وهنا يتضح المدى الذي يتحرك فيه خيال الرسام، والذخيرة الإبداعية التي تستند عليها قوة الهامه. ويمكن هنا الإشارة إلى أعمال الرسام جيمس روزنكويست الذي توفي عام 2017 عن عمرٍ يناهز الـ 83 عاماً، وكان أحد أبرز فناني حركة البوب آرت مع اندي وارهول وروي ليختنشتاين، خلال ستينيات القرن الماضي، وساهم بلوحاته الكبيرة التي كان الكولاج فيها عنصرا بغاية الحيوية من حيث تدفق الأفكار التي يمكن للوحة ان ترسلها إلى ذائقة المتلقي، مع طغيان واضح في أعماله للألوان القوية واستعراض يشع ذكاء للمفرادت التي كان يستلهمها من الواقع.
وقراءة أعمال روزنكويست تذهب بالمتلقي إلى أن يعيد النظر إزاء فن الكولاج باعتباره عنصرا متجاذبا مع ما تشهد الحياة المعاصرة من احتدامات وتحولات في أوجهها المختلفة كما في لوحته الشهيرة التي تحمل عنوان “F-111” والتي يعود تاريخها إلى الفترة التي كانت فيها الولايات المتحدة الأمريكية متورطة في حربها مع الفيتناميين في منتصف ستينيات القرن الماضي، فعكس من خلال لوحته التي كانت بحجم لوحات الإعلانات رؤيته إزاء تلك الحرب، عندما جمع فيها صورة لطائرة حربية تابعة لسلاح الجو الأمريكي، مع مشاهد قصف إلى جانب تفاصيل يشير فيها إلى نمطية الحياة الأمريكية بما تحمله من تفاصيل باذخة، وفي المحصلة فإن أعماله قدمت زخما كبيرا لفن الرسم من خلال ما منحه لفن الكولاج من أبعاد فنية في سياق تاريخي وواقعي، عملت بالتالي على توسيع حدود رؤيتنا وتلقينا للعمل الفني، وهذا ناجم عن المخيال الخصب والذكاء الذي يتمتع به الرسام المبدع.
تجارب حديثة
وإذا ما توقفنا عند تجارب حديثة في مشغل الكولاج لفنانين معاصرين أيضا فمن غير الممكن ان نجتاز ما قدمه الفنان المجري لاسلو انتال الذي اختار الإقامة في برلين، والملاحظ انه في مشروعه الذي قدمه عام 2017 والذي أطلق عليه عنوان “يوميات بصرية” عكس ما يمكن ان يغدو لدى الفنان قدرته على توسيع مديات خياله، ودخل في تحد كبير مع ذاته عندما أقدم على إنتاج ملصق واحد في كل يوم يتناول فيه حدثا معينا ومحددا، بالتالي كانت النتيجة ان الملتقي أصبح امام مجموعة من الموضوعات، وكان ذلك تسليما إبداعيا في خزانة فن الكولاج، يتجلى فيها نزعة الفنان في تكوين ذاكرته الذاتية التي يطل من خلالها على مجريات الواقع الإنساني، وقد اقترب أكثر في مشروعه الكولاجي عام 2019 من ذاته كفنان، كما لو انه قد التقطها بعدسة مقربة ليصور عذاباته الشخصية وفي تلك التجربة قدم مواجهة ما بين الشأن العام والذاتي في آن، تأكيدا لتعددية وجود الفنان في الزمن الإنساني.
وفي كل ما أشرنا إليه أردنا إن نقول إن فن الكولاج يشكل انفتاحا في تقنياته على المجال العام، بما تنطوي عليه بنيته الفنية من نزعة المشاكسة والاستفزاز، وبما يمكن ان يخلقه من علاقة حميمة مع المتلقي.