لوس أنجليس – «القدس العربي»: مع بداية تفشي فيروس الكورونا في شهر مارس/آذار الماضي، ألغيت كل المناسبات السينمائية والموسيقية في جميع أنحاء العالم، من ضمنها مسابقة «يوروفيجن» السنوية للأغاني، التي كان مقررا عقدها في هولندا هذا العام.
إلغاء الحدث أثر أيضا على حملة اطلاق فيلم نتفليكس، الذي يحمل اسمه ويتمحور حوله، إذ كان مخططا أن يتزامن إطلاقه على منصتها مع افتتاح حفل المسابقة. لكن بدلا من تأجيل الفيلم الى العام المقبل، قررت نتفليكس أن تطرحه نهاية الأسبوع الماضي كبديل للحفل نفسه.
«أردنا أن نملأ الفراغ الذي تركه إلغاء المسابقة وأن نمنح معجبيها ترفيها مشابها في هذا الزمن العصيب»، يقول لي الكوميدي الأمريكي الشهير، ويل فاريل، الذي كتب سيناريو الفيلم وقام ببطولته.
في الواقع، هذه هي أول مرة تلغى فيها مسابقة «يوروفيجن» منذ تأسيسها عام 1956 على يد اتحاد البث الأوروبي من أجل إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من خلال الموسيقى. فكل بلد أوروبي يختار أغنية تمثله في حفل يبث حيا عبر التلفزيون والراديو ويشارك في التصويت على أغاني البلدان الأخرى لاختيار الفائز.
أكبر حدث غير رياضي من حيث حجم الجمهور
تطورت المسابقة عبر السنين لتصبح أكبر حدث غير رياضي من حيث حجم الجمهور، الذي يقدر بين مئة الى ستمئة مليون عالميا. كما تحول بعض فائزيها، مثل السويسرية – الكندية سيلين ديون، والفرقة السويدية آبا وجوني لوغان الإيرلندي ولولو البريطانية، الى مغنيين عالميين. ومع ذلك، قلما تؤخذ المسابقة على محمل الجد بسبب تسييس عملية التصويت وعرض بعض الأداءات الموسيقية البهلوانية المضحكة.
في الأعوام الأخيرة توسعت المسابقة لتضم دولاً غير أوروبية، مثل الدول الشمال أفريقية العربية وأستراليا. لكنها ما زالت غير معروفة في الولايات المتحدة ولا تبث هناك. وقد تعرف فاريل عليها بينما كان يزور عائلة زوجته السويدية وانبهر بها.
«بالنسبة لي كأمريكي، كان بمثابة التقاء «أمريكان أيدول» مع سيرك «دو سوليه» والعرض الأكثر جنونا على الاطلاق، الذي قد تشاهده في فيغاس». يقول فاريل. «إنه مزيج من كل ذلك. إما أن يحبه الناس أو يكرهونه بطريقة ما. لكن الجميع يسأل: من الفائز؟ وما زالوا يريدون أن يعرفوا ما هي أغنيتك المفضلة؟ فيرد عليك: كرهتها كلها ما عدا هذه الأغنية! إنه أوروبي للغاية.»
لكن يشارك في بطولة الفيلم نجم أوروبي واحد وحسب، وهو الإيرلندي، بيرس بروسنان، الذي يؤدي دور والد شخصية فاريل في الفيلم. بروسنان تعود على مشاهدة حفل مسابقة «يوروفيجن» منذ صغره. كما أن بلده إيرلندا تتصدر قائمة أكثر البلدان فوزا بها، وذلك سبع مرات. «أعتقد أن طرح ويل للمسابقة كان دقيقا»، يقول لي بورسنان عبر «زووم» من بيته الصيفي في جزر هاواي. «أعتقد أنه كانت لديه نغمة من الصدق وقدرة على الامتاع واستعراض مسرح العبث في آن واحد. ويل موهوب في هذا النوع من الأعمال، فهو مهرج فريد على خشبة المسرح في الكوميديا الجسدية».
بدأ فاريل سيرته الكوميدية عام 1995 في البرنامج التلفزيوني الكوميدي الشهير، «ساترداي نايت لايف»، الذي كان يعاني من هبوط في نسبة المشاهدة. وسرعان ما أعاد له فاريل مجده بأداءاته الكوميدية الطريفة، التي جذبت أيضا إهتمام استوديوهات هوليوود، إذ صارت تمنحه أدوارا بطولية في أفلامها الكوميدية. وفي عام 2001 ترك البرنامج التلفزيوني ليركز على صنع الأفلام الكوميدية، فأنتج العديد منها، التي درّت أرباحا هائلة في شباك التذاكر، على غرار «قزم» و«المذيع: أسطورة رون بورغندي» و«أغرب من الخيال».
لهذا عندما أعلن عن صنع فيلم عن مسابقة «يوروفيجن»، اعتقد الكثيرون أنه سيجعلها مادة للسخرية، لكنه لم يفعل ذلك وركز الهزل على شخصيات الفيلم.
«هذا ما اتفقنا عليه مع لجنة يوروفيجن»، يرد فاريل. «قالوا لنا: أرجوكم استمتعوا بقدر ما تريدون، لكن رجاء أوضحوا حجم هذه المسابقة وتعاملوا معها بطريقة واقعية. فوافقنا في الحال وأخبرناهم أن ذلك كان غايتنا ونريد أن نكرّم هذا الحدث، الذي برغم أنه مبتذل أحيانا ولديه غرائبه الخاصة، لكنه أيضا عبارة عن محفل رائع يجتمع مرة كل عام ليؤدي عروضاً للعالم.»
تدور أحداث الفيلم في بلدة صغيرة في أيسلندا، ويتمحور حول لارس (فاريل) الذي يحلم في المشاركة في مسابقة «يوروفيجن» منذ صغره، عندما فازت بها فرقة «آبا» السويدية عام 1974 ويكرس حياته لتحقيق ذلك الحلم. لكنه يواجه السخرية من قبل أهل بلده والاستهتار من قبل والده الأرمل، صياد السمك (بروسنان)، الذي ينعته بالفاشل ويحثه على إيجاد مسار آخر في حياته.
لحسن حظه، تؤمن به وبحلمه وبقدراته، صديقة طفولته سيغريد (راتشيل مكادآمدس)، وتشاركه المشوار، رغم رفض لجنة «يوروفيجين» الأيسلندية لهما كل عام. فيؤسسان فرقة موسيقية ويقومان بأداء أغانيهما في حانة البلدة، إلى أن يحالفهما الحظ في ظروف سيريالية، ويحققان مآربهما.
«سيغريد تحب لارس وتحترم مثابرته لتحقيق حلمه، لأنه يتصرف باستقلالية ولا يستسلم أبدا»، تقول راتشيل ماك آدمز، التي تجسدها. «دون لارس وتشجيعه لها، لما مارست الموسيقى لأنها كانت تخجل من فعل ذلك.»
لارس لا يختلف عن الشخصيات الكوميدية الأخرى التي عادة ما يقدمها فاريل في أفلامه، إذ يبدو طفلا في جسد بالغ، يتصرف بسذاجة، تثير إحباط أو غضب أو سخرية بعض الشخصيات وتعاطف أو محبة البعض الآخر. وتحديدا سيغريد، التي تبدو ملائكية وساذجة، تبني قرارات حياتها على أقوال أقزام خياليين وتقدم لهم الطعام والهدايا.
«بالنسبة لي، أفضل كوميديا هي السخرية من نفسي»، يضحك فاريل. «بطبيعة الحال، أبدأ بكل ما أظنه مضحكا. ففي حالة سيغريد، هي تهتم للغاية بما يقوله القزم وهذا جزء من الثقافة الآيسلندية وهو مضحك. لكن الحياة تدب في العمل الكوميدي عندما تتمكن من إشراك ممثلين قادرين مثل راتشيل. فهي لم تنجح في الكوميديا وحسب، بل كان أداؤها مقنعاً لدرجة أنك تود أن تتبع لارس أينما يذهب فقط لأنها تؤمن به».
مارست مك ادامس الكوميديا منذ فيلمها الأول، وهو «اسمي تانينو»، عام 2001 في بلدها كندا. كما كان أول دور بطولة لها في هوليوود عام 2003 في فيلم كوميدي وهو «فتيات لئيمات» بجانب الكوميديات الشهيرات تينا في وأيمي بولار.
وتلته في أفلام كوميديا أخرى، بجانب أهم كوميديي هوليوود مثل أوين ويلسون وفينس فان في «متطفلي العرس» و «مجد الصباح» و»منتصف الليل في باريس». لكن هذه هي المرة الأولى التي تغني فيها في فيلم.
«بالنسبة للكوميديا، علي أن أطلقها جميعا وأن التزم بها فعلا وأحاول أن أسمح بحدوث الأخطاء. فالكوميديا الحقيقية تكمن هنا غالبا. لأنها أمر تتماهى معه بشكل كبير عندما يكون فوضويا، وعندما لا تسير الأمور بالشكل الذي تريده. لكن بالنسبة للموسيقى، عليك أن تكون أكثر دقة. هناك فرق في الطاقة التي تجلبها إلى هذه الأمور. عليك أن تحفظ الكلمات كما هي بالضبط. لا يمكنك ألا تصيب كلمات الأغنية. عليك أن تصيب نغماتك كلها وهي موسيقى مؤلفة بشكل جميل، لذا عليك أن تلتزم بها وألا تحيد عنها أو ترتكب الأخطاء»، توضح ماك آدامز.
تحدي الغناء في الفيلم الجديد
أداء الغناء كان أيضا تحديا لفاريل، الذي لا يملك موهبة موسيقية مثل موهبته الكوميدية الفطرية. «أتذكر أنني وراتشيل ذهلنا بأداء ديمي لوفاتو الموسيقي، حيث كانت تلعب دور كاتيانا، الأمل الرئيسي لآيسلندا في يوروفيجن. يمكنك فوراً مشاهدة الاختلاف بين مغنية وفنانة استعراضية مدربة تعرف كيف تنظر الى الكاميرا بالطريقة الصحيحة، ربما صورت ثلاث مشاهد قبل أن ينتهوا من عملها. أما أنا وراتشيل فكان علينا أن نستمر في المحاولة مرارا وتكرارا. إنها مهارة مختلفة تماما وعليك أن تتعلم كيف تجيدها.»
من المفارقات أن بروسنان، الذي شارك في الغناء في فيلم آبا الموسيقي، «ما ما ميا»، وفاز بجوائز تكريميه عن أدائه، لم يغن في هذا الفيلم. «لم يمنحوني حتى مقطعا واحدا. لم يكن مقدرا له أن يحدث وشعرت براحة غامرة»، يضحك بروسنان.
الممثل الإيرلندي أيضا بدأ سيرته التمثيلية في هوليوود بأداء دور البطولة في مسلسل تحري كوميدي وهو ريمنجتون ستيل، عام 1982. كما قام بأدوار كوميدية في أفلام أخرى مثل «الماتادور» و«قوانين الجاذبية» و«السيدة داوتفاير»، لكنه معروف بأداء دور شخصية أشهر جاسوس في السينما وهو جيمس بوند، الذي جسده منذ عام 1995 حتى 2002 في أربعة أجزاء من سلسلة أفلام بوند.
«أرى نفسي كممثل عامل وممثل رحالة وممثل يحاول في السنوات الأخيرة أن يحدد هويته مجدداً وهذه الأدوار تأتي ببطء وكذلك الشيب ومع الشيب يأتي التغيير وتعمّق الروح وأداء دور والد لارس»، يضحك النجم ابن السابعة والستين.برسنون وفاريل ماك آدامز يقدمون أداءات كوميدية رائعة في يوروفيجن «سونغ كونتيست». كما أن الأداءات الموسيقية عكست نغمة أغاني مسابقة يوروفيجن وغرابتها وطرافتها، ما يجعل الفيلم بديلا جيدا للمسابقة الحقيقية الملغاة. لكن قصة الفيلم بدت سطحية ومبتذلة، وتفتقر لرسالة موضوعية.