الكِتَابَةُ والحِجَابَةُ

في التعريف المتواتر للكتابة أنها تمثيل للفظ بالخط؛ وهو ما يعني أن الكتابة نظام علامي يمثل نظاما علاميا آخر هو المنطوق. أنت تكتب حين لا تستطيع أن تسمع، أي حين تتخاطب مع من كان بعيدا عنك، أو لمن يعسر أو يستحيل أن تلتقيه في الزمان؛ لذلك يكتب السابقون للاحقين فإذا ما رحلوا تواصلت أصواتهم عبر الكتابة، ولا نعني تأليف الكتب فقط، بل نعني أيضا تحرير القوانين والشرائع والمواريث، وغيرها من النصوص التي تحفظ العقائد والمواثيق والعهود وغيرها.
الأصل في الكتابة أنها تمثل شيئا واضحا لا خلاف حوله، هذا هو المأمول أو المطلوب من كل نظام تمثيل يهدف إلى التواصل الواضح وغير المشكل. لكن الكتابة ليست كذلك، فيمكن أن تستعمل للتخفية والإلغاز والتستر والإبهام، وهذه وظيفة تقوم بها الكتابة إلى اليوم في أكثر من إبداع، لذلك تكون الكتابة عنوانا للحجابة.
منذ 3500 سنة وفي بلاد الرافدين، بدأت الكتابة باستعمال الرسوم، أو الأشكال وهي الكتابة التصويرية Pictogram ما تزال تستعمل إلى اليوم في كثير من علامات المرور أو إرشادات الطريق، كرسم الطائرة الذي يهدي السالكين إلى المطار، أو رسم الغزال المنبه إلى وجود حيوانات برية في الطريق. بالطبع لم تكن الرسوم التصويرية الأولى بهذه الدقة، ولا بالضبط اللذين نجدهما اليوم في العلامات المثيلة المعاصرة؛ لقد كانت رسوما تحمل أفكارا يمكن أن تكون الرسوم موحية بها، ولهذا كانت الكتابة في ذلك الوقت أيقونية، لأن الرسوم تربطها بما تمثله علاقات مشابهة، فما يوجد في الرسم يمثل بطريقة المشابهة تقريبا ما يحدث على صعيد الفكرة التي تمثلها الرسوم. في هذه الحالة كانت الكتابة، بما هي تمثيل للأفكار (بقطع النظر عن كونها تمثيلا للكلام أو لغيره) شفافة أو مبشرة بمعانيها. هكذا أراد الكُتّابُ الأُولُ أن يكشِفُوا ويشِفّوا وهم يكتبون.
ليس علينا أن نطمئن كثيرا إلى هذا التسامح الموحي خطأ بأن الرسوم تعني أفكارها التي توحي بها مباشرة، لأن في الأيقونية، أي إدراك التشابه بين الشكل وما يمثله، درجةً من درجات التأويل، يمكن أن تلحق الأيقونة بالرمز. فعلى سبيل المثال فإن رسم صورة رأس لا يدل على الرأس بالضرورة، بل قد يستعمل الرأس استعمالا رمزيا في معنى الإنسان، أو في معنى مجرد يوحي بالرئاسة والقيادة، أو في أي معنى ثقافي يمكن أن يُحَمّلَهُ رسم رأس في العصر أو المصر، اللذين استعمل فيهما الرسم التصويري. نقول بذلك إن الرمز نقل العلاقة التمثيلية الارتباطية إلى علاقة جديدة، تقوم على الاعتباط، بمعنى أن الرأس الذي كان عليه أن يدل على الجزء العلوي من الجسد، ويدل عليه هو فقط، انتقل ليدل على معنى آخر لا علاقة مباشرة بينه وبين ما يمثله. هذه المسافة البعيدة (التبعيد أو التمسيف) بين الرسم وما يدل عليه، بواسطة الرمز يفرض ضربا من الحجاب على الدلالة الشفافة، أو على العلاقة الأيقونية للرمز التصويري.

أخطر شيء صنعته الكتابة الغامضة، أو الحاجبة للمعاني الواضحة، أنها خلقت الشراح أو المفسرين الذي نصبوا أنفسهم وسطاء بين النص والمقاصد، أو قل نصبتهم المؤسسات التي تحب الغموض، وترعى الاختلاف المؤدي إلى الهيمنة.

ما تزال الرسوم الكتابية أو الرسوم – الأفكار تلعب دورا رمزيا في الثقافات المختلفة، ويمكن أن تظهر بأشكال مختلفة مثل، الوشم أو الرسم الشعائري. الوشم الذي يكون الجسد سنده، أو بَرْدِيهُ كان كتابة رمزية لا علاقة لها أحيانا بمعرفة الكتابة أو الجهل بها. في عام 1991 عُثر في جبال الألب على الحدود النمساوية الإيطالية على رجل الجليد أوتزي Ötzi الذي يقدر أنه عاش بين 3400 و3100 قبل الميلاد وقد وجدت على جسده 61 علامة وشم يقال إنها كانت مرتبطة بالألام وقد تكون للتخفيف من حدتها، ويذهب بعض الدارسين إلى أن تلكم الأوشام هي ضرب بدائي من الوخز بالإبر. ربما كان ذلك تأويلا لآثار قديمة بقراءة طبية حديثة؛ لكن الكتابة على الجسد أو الوشم، كانت أيضا ضربا من «الوخز بالإبر» أو بالكتابة الدامية على اللحم الحي، تترك عليه خطوطا. التفكير في أن تلك الوخزات كانت نقاطَ كتابة على الجسد يجعلنا نعتقد أن الكتابة على الجسد كانت قريبة من عصر الكتابة على الأحجار وألواح الطين وغيرها فهل يعني أن الإنسان كان يكتب على جسده قبل أن يكتب على هذه الأسناد؟ وهل أن الكتابة على الجسد مما يعرف بالوشم كانت ضربا من الرسائل الذاتية التي يمكن أن يكون دورها حمائيا للجسد، بما هو وعاء للروح وغطاء؟
جسد آخر اكتشف، وكان مغطى بالرسوم الجميلة على الجسد، هو مومياء دير المدينة ففيها رسم عيني السمكة الهزازة التي تستعمل في الصيد، وفيها زهر اللوتس والأبقار ذات الزخارف المقدسة. هذه الرسوم برموزها التي مَا يزال بعضها إلى اليوم (عين السمكة والحسد) لا يمكن أن تحمل فيها الرسوم على أنها تجمل مثلما تجمل الأوشام اليوم الأجساد الفاتنة، أو تجعل الجسد مؤلفا من جمال وميتا جمال؛ كانت الأوشام هي توضع لطرد الشرور والأرواح الخبيثة. لا يستطيع أن يقول لنا من يرسم اليوم من الناس البسطاء عين سمكة على باب داره، أو على جسده ما علاقة عين السمكة بطرد العين الخبيثة عن الأجساد والبيوت؛ بل إن كثيرا من الناس لا يعرفون متى أصبح لكلمة عين، باعتبارها اسما لعضو البصر هذه الدلالة الرمزية التي تعني الأرواح الخبيثة؟ لا شك في أن الثقافة التي أنتجت بالوشم هذا الرمز كانت تعتقد أن الشرور تأتي متسترة في أرواح شريرة قادمة من بعيد، وتحط بين قوم يمكن أن تتقاطع معهم سبلنا. لكن ما فائدة هذا الرسم الشعائري، إن عشنا في ثقافة نعتقد فيها أن الشرور مرئية وموجودة بوضوح في كل مكان، وإنه علينا أن نجابهها مادامت ظاهرة عيانا؟ الكتابة بالوشم هي إذن حجاب بالمعنى الأول للكلمة، لأنها تحمي محيط ما رسمت عليه من شرور. ما يلفت الانتباه أن الحجاب صار في تاريخ من التوقي من الشرور بالكتابة، كتابا صغيرا يُحمل كما تحمل الأشياء التي تقي البشر. فمن معاني الحجاب في العربية أنه «عوذة أو تميمة يحملها الشخص لتقيه من الشر والحسد»؛ بل إن بعض الثقافات الشعبية مثل، الثقافة التونسية تسمي الحجاب كتابا. ليس في الأمر إذن ترادف بين الكتابة والحجابة، إلا لأن الكتابة يمكن أن تحمي وتحجب بهذا المعنى: طرد الأشرار وحجب المكائد عن الإنسان. التصور العجائبي الساند لهذا التصرف أن الكائنات الأخرى، يمكن أن تفك شيفرات المكتوب وتبتعد عن حاملها أو أن للكتابة من السحر والقدرة في هذه العوالم العجيبة ما يمكنها من أن تطرد الأشرار بمفعولٍ مَا لا نعلم عنه الشيء الكثير، أو لا يقال لنا بالوضوح الذي في ذهن كاتبها أو بالتعمية والوهم الذي في ذهنه.
لكن أول فصول الكتابة مع الحَجْبِ وآخرها، هي تلك التي يشكو فيها كبار المبدعين من أن الكتابة قد لا تُبين، بل هي تغمض أو تحجب. كان أبو العلاء المعري يعتقد أن الحَجْب نابع أصلا من الكلام أنه يخفي فيقول: «إذا رُجِع إلى الحقائق فنُطْقُ اللسان لا يُنْبِئُ عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مَجْبُولٌ على الكذب والنفاق». وفي نشيد رولان وهو من أقدم النصوص الفرنسية، أن الكتابة هي انحدار إلى العدم، إلى نهاية القول لأنه ما من منفذ فيها على الحق والخلاص.
أخطر شيء صنعته الكتابة الغامضة، أو الحاجبة للمعاني الواضحة، أنها خلقت الشراح أو المفسرين الذي نصبوا أنفسهم وسطاء بين النص والمقاصد، أو قل نصبتهم المؤسسات التي تحب الغموض، وترعى الاختلاف المؤدي إلى الهيمنة. حين جاءت المدرسة الحديثة صارعت من أجل أن تكشف الحجب عن الكتابة، وأن تنزع عن هؤلاء الوسطاء أدوارهم المهيمنة. لكن ما يزال في المدرسة كثير من المتسللين ببياض لباس المعلمين وبسواد الوسائط الكليرجية القديمة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية