اللاجدوى ومجاز الوقت في «المتفرّجون»

هل فعلا يموت الشعر، أم يشهد نهايته ليتجلى في مستوى جديد يليق بروح الشعر الذي يعتبره هيغل: «إشارة إلى محراب الروح بأسرها، وهو مركب الفنون كلها». يسعى هيغل إلى تمثل الشعر في إطار التحول الجدلي للأشياء، ضمن مفهوم «القضية ونقيضها»، وحين يبلغ الشعر مداه من الفن، ينحل إلى صورة أخرى، يبدو «إنّ هيغل في فلسفة الجمال، سهل بل ثرثار في بعض الأحيان»، بتعبير فرنسوا شاتلييه.
الشعر اجترحته الذائقة الروحية ليبقى شعرا، هذا ما تؤكده المجموعة الشعرية «المتفرجون» لعبد القادر رابحي الصادرة عام 2022، وهي تفتتح مهرجان الفرجة بمشهدية «الساحر» وهو يلاعب خيال الطفولة: «لا ينام الطفل/ في كمّ/وقبّعة/وجيب». فرجة عبثية بين طفولة تتشظى لتعبّر عن الإنسان في مسار «اللاجدوى»، حيث متعة الفرجة على الساحر وهو يخترق الدهشة ويعلّب الوعي ويجعل اللاشيء شيئا، يستثمر في ذهول المتفرّج، الذي يدرك تماما لعبة الساحر لكنّه، يعتقدها واقعا تماما كما واقعه العبثي الذي يوهم نفسه بجدواه.
عبثية العالم العدمية
تنساب القراءة في تهجّسٍ بالغِ الأهمية نظرا لطبيعة «الكلام الشعري» في رؤية عبد القادر رابحي لموقعه من الحدث الحياتي في إنسانياته المتحولة، ولهذا بدا العنوان موافقا للحالة الشعرية في النصوص، وفي موقف الشاعر من الأشياء، وهي تأخذ جوهر انبثقاتها في حينها، وفي ظهورها على مسرح العلن الوجودي. «المتفرجون»، مستوى الدلالة حين تفيض اللغة بصورها والذهن بتصوراته لما يمكن أن يكونه الوجود في ذاته، من فوضى تتحول فيه إلى محفلٍ يعجّ بالغرابات تستدعي الفرجة للضحك، وهو مستوى المسرحة، وعلى الضحك وهو مستوى «اللاجدوى». تتقمّص الكلمات معنى الجسد، وهو يتحرك على «الرّكح» ليكشف «اللامعنى» في العالم، وفي مسار الأشياء إلى نهاياتها المفزعة أحيانا، والعبثية أحيانا أخرى: «هل هناك فم واحد/أم فمان؟/ يقول المهرّج للطفل/والطفل يلهو بما يتراقص في أنفه من مباهج». ما يريد أن يقوله المهرّج للعالم، إن السيرورة بلا معنى، فسحة للضحك على ذقن من يرى العالم أضحوكة أصلا. يتشارك الطفل الضحك مع العالم على «المعنى» في العفوية لحظة تطابق رهيب، فالطفل عفوي بطبعه، لكن العالم يركّب عفويات كثيرة ليحيل الإنسان إلى عبثية تعدم الأشياء الجميلة، وتدمّر الهمس الإنساني فيها، لهذا أثبتت الجملة الشعرية الطفل وهو يستنبت الضحك من أنف المهرّج، لأنّ الضحك الحقيقي هو النابت في معنى الطفولة، لا في ما يصطنعه العالم. سؤال الفمين، عميق في مدى الهوة الوجودية بين العالم والعابرون جسده إلى النهايات، متسائلين على الدوام، هل العالم ينتهي، أم هو مستمر ويضحك على نهاياتنا؟ هي أسئلة العفوية الطفولية التي كان يجب أن تكون متوافقة مع أسئلة يطرحها العالم، دون ضحك على غفلة الوعي في ظاهراتية الإنسان وهو يتخلى ليتحلى لكن دون تجلٍّ.
المهرّج، عبث الحياة أمام عبث الإنسان وهو يقطعها دون استحضار سؤال الوجود، الموت الذي يضحك عليه. الضحك مما مات في دواخله من وعيٍ بنفسه وحالاته في تناهي الوقت المؤدي به إلى نهاية تحتاج عراجين من الأسئلة الحارقة؟

محدودية الحياة ومجاز الوقت
تتحرك المجموعة الشعرية في نسق متماوج تستشعر القراءة فيه ذاتها المتشظية في بؤرة اللاجدوى، لكن الشاعر يتساوق مع سؤال «العبث» في سياق ما يقتضيه امتلاكه الجمالي للكلمة الهاجسة بخلخلة ما يحدث، تماما كما بيكيت في «اللامسمى»: «يجب أن أقول الكلمات طالما أن هناك كلمات، يجب أن أقولها حتى تعثر عليّ، حتى تقولني». وعي الكلمات هو وعي «الحال» في توهجه الباطني حين يعود إلى المجاز وينقلب على الذات في توغّلها المادي: «هناك/يخضور الحقيقة في شعاع الوقت/قبّرة المجاز..». الوقت مدار الحال الصوفي، ولعبة الوجود تناور حول «يخضور الحقيقة»، باعتباره المتنفّس الوحيد للإحساس بالجدوى من الاستمرار في الوجود والاستمرار في الوقت، فلا جدوى إذا اعتبر الإنسان حاله كينونة يطحنها التتالي المستمر للوقت، وحدة تأكل وحدة إلى أن ينتهي في مدار الموت، ولكي تخرج الذات من ديمومة الدورة الوجودية المكتملة في حياة/موت، عليه أن ينظر إلى أفق الأبد، ولهذا يرتبط الوقت في المفهوم الصوفي بأبد الله اللامنتهي، خلال هذه المسافة ينبت «المجاز» وتتحقق الحقيقة لا باعتبارها الفصل النهائي للأشياء، لأنّ الأرض تتأسس في المعقول المحدود للحياة، ولكن باعتبارها المسار اللانهائي للتجربة الإنسانية، وهي تحاول أن تفسّر «اليخضور» في انعكاساته الدالة على الحياة في وريقات النبات، وعلى وجه هذه الأرض الممتدة في «شعاع الوقت».

الوقت أو الامتداد في المطلق
يستأثر الوقت بفضاء النصوص، باعتباره مفهوم البراءة القابلة للامتداد في المطلق، فمحدود الوعي بالذات لا يمنح فرصة لاكتشافها في مستوياتها الأكثر عمقا في الغموض: «والوقت/خيط من النّمل يركض نحو المغارة»، «الوقت الخيط»، دلالة السيرورة نحو الأفق المعلوم، المشاهد كما لو إنه في مقام الرؤيا، والوقت باعتباره خيطا من النّمل، مسارٌ من الدراية في وعي الكلمات التي لا تفهم إلا بوعي من ساروا على درب الانتقال من وقت التراب إلى وقت الروح، فـ»المغارة» وقت يتشكل في عراقة العزلة لاكتشاف أبعاد الذات، وهي تكتنف غموض الكلمات التي لا تتشكل لغة، إلا إذا فُضّ سرّ مقال النملة الأولى لمثيلاتها على درب «الجدوى».
«نفسها الأشياء في درج الحياة»، رتابة تسير بالخطوات الشعرية نحو ما هو مفضٍ إلى الملل، إلى تشخيص اللاجدوى باعتبار الحياة خزانة الأشياء الحيوية، مصدر الدلالة في العيش داخل منظومة وجودية تتطلب التغيير والتحول، حتى إذا بقيت الأشياء على حالها، معنى ذلك أنّ «درج الحياة» لم تمتد إليه «اليد الوجودية» لتفتش في غموضه، إنه المعنى في «المغارة» حين تصبح العزلة انفصالا عن التفكير لا تفكيرا في ما انفصلنا عنه: «ونفسها الكتب النّفيسة على طاولة المنظّر/لا جديد». التحول والتغيير لا يحدثان إلا إذا امتدّت «اليد الوجودية» أو الحركة إلى الأشياء النفيسة، باعتبارها موضوعا للتفكيك، للجدل القائم على إحراج الساكن، ففي السكون تكمن عناصر الحركة وانبثاق «الجديد».
يعتلي الوقت سر الفرح، ويمتثل النص للحظة المعنى: «وارفع هامة القلب الذي يحزن للأعلى/وقل: عيد سعيد..». تستمر «المغارة» في نفث روح الامتثال للمتعالي باعتباره مسار «الجدوى»، حين ترفع «هامة القلب» فإنّ الوعي يتقلّب في انخفاض مسارات الذات في شهود لحظة اللامعنى، حزنا مشتبكا مع ما هو أرضي/واقعي، وما يستوجبه الحزن من نظر نحو الأعلى، حيث الفرح أو «عيد سعيد» بتعبير النص.

الوقت تجربة السلوك:
يتأثّث الوقت في «المتفرّجون» بين التجربة، الخطأ والطّريق، وتتحدّد في سياق النصوص كعناصر مسرحية تتلمس فيها اللغة مسار المعنى حتى يعتصم فيها الجمهور، بحبل الفهم وصولا إلى مدار الجدوى: «جرّبني الوقت»، الدخول مع الوقت في حالة انتباه، شعور بدقاته المتواصلة، اندماج لا شعوري في انسيابه المطلق نحو المآلات المكثفة بالإنسان، فالوقت وجد ليقيس مهارته الوجودية، هو هذا طقس التجريب، من خلال الوقت على دربة اكتشاف «الوجود» في فعالياته المتعدّدة. فعل التجربة موضوع التقلّب في حالات الجدوى: «أخطئ../ما زلت.. في كل شيء../أنا خطأ الوقت». «المهارة الوجودية» تتطلب اكتشاف الجدوى، لكن من خلال ما تعايشه في اللاجدوى، «عبث الوجودية»، الانصهار في مسارات التدمير الوجودي للذات، من خلال فقدان القيمة والمعنى، الانفكاك من حالة التدهور، كل ذلك هو في ذاته اكتشاف لحالات الخطأ، وبما أنّ «الوقت» مَلْزَمَة المعيش الأبدية، فـ»الوقت ما أنت فيه» بتعبير الدقاق، أي اكتشاف حالة الارتهان إلى السلبي والانطلاق نحو الإيجابي، فمسار الوقت هو النّحو الماثل في الأفق المتعالي ويتأسس الإنسان خطأ فيه، باعتبار تقلباته الوجودية المتداولة بين الانحباس والانطلاق: «في الطريق إلى مسكن الوقت/بضع دقائق تكفي»، أن تضع الخطوات على طريق الوقت، ذلك ما نسمّيه الاتجاه، والطريق معاناة بقدر ما فيه من الألم فيه من المتعة لأنّ جوهره اكتشاف، وعربون معرفة الصوفية للطريق، يتجلى في كونه تجربة لا تستدعي الوصول بقدر ما تستوجب العناء الذي فيه لذّة السلوك والكشف.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية