جدار إيزابيل الشفّاف…

يلاحظ المتتبع لحركة الإنتاج الثقافي الجزائري في السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا من طرف جيل جديد من المثقفين الجزائريين المعربين- المنفتحين على اللغة الفرنسية خاصة – بسيرة الكاتبة والمغامرة الفرنسية إيزابيل إيبرهاردت وبشذرات مذكراتها وبأعمالها السردية القليلة. فمن كتابةٍ لسيرة حياتها، إلى طبعٍ لأعمالها الكاملة إلى ترجماتٍ متعددة لقصصها، من طرف مترجمين مختلفين، إلى أطروحاتٍ مونوغرافية عن حياتها، إلى دراساتٍ عن أعمالها السردية، إلى تخييلٍ متعدد لسيرتها من طرف روائيين شباب، إلى ملتقياتٍ تتناول كلّ هذا وذاك أو بعضا منهما.
لا شك أن في سيرة إيزابيل إيبرهارت ما يدفع أكثر المثقفين كسلا إلى تتبع مسارب حياتها القصيرة، والتشبث بمعرفة دقائق ما حدث لها في الصحراء الجزائرية، مما لا يمكن أن يحدث لرجل معتدّ بقوته فما بالك بامرأة شابة، حتى إن تخفّت في زيّ رجل، من مغامراتٍ لا تزال محل تساؤل وحيرة من طرف العديد من الباحثين المهتمين بسيرتها، ومحل شغف متزايد عند كتاب السير وراصدي المغامرات ومتتبعي البعد الأسطوري، في ما يمكن أن يحصل للإنسان وهو يعبر نهر الحياة بشراسةِ من لا يخاف أن تغمره مياهه فتجرف حياته فجأة وتقطع حلم الشرق المشتعل في مخياله نهائيا، كما حدث لإيبرهاردت بالذات.
غير أن هذا الشغف كلّه وغيره من الأسباب المرتبطة بعنصر التشويق الكبير في مكامن الحكاية الإيبرهاردية، قد لا يفسر لوحده كل هذا الاهتمام المتزايد من طرف المثقفين الجزائريين الحاليين؟ فلماذا إيزابيل إيبرهارت بالذات من دون كلّ المثقفين الفرنسيين وغير الفرنسيين الذين أثثوا بيت الثقافة الكولونيالية بأطروحاتهم وأفكارهم وتصوراتهم، من خلال ما أنجزوه عن الجزائر وعن بيئتها ورجالها، وتاريخها وتقاليدها، في كتاباتهم التاريخية والفكرية وإبداعاتهم الأدبية والتشكيلية؟ ولماذا لم نر بعضا من هذا الاهتمام عند الجيل الأول من المثقفين الجزائريين، الذين انبروا للرد على الأطروحات الكولونيالية؟ وهل هي رغبة ملحة من طرف الجيل الجديد للعودة الواعية إلى فهم أصول تكوّن الشرط الاستعماري داخل نسيج المجتمع الجزائري، وبدايات تبلور أطروحاته حول الذات الجزائرية، كما كانت تعيش علاقتها الجديدة مع الاستعمار الوافد؟

لماذا لم نر بعضا من هذا الاهتمام عند الجيل الأول من المثقفين الجزائريين، الذين انبروا للرد على الأطروحات الكولونيالية؟

لعل ما يبرز تعلق المثقفين الجزائريين بإيزابيل إيبرهاردت، على عكس عدم اهتمامهم بالكثير من المثقفين الفرنسيين الآخرين، على الرغم من خطورة دورهم في توطيد مأساة الإنسان الجزائري في فترة الاستعمار، هو كون إيزابيل إيبرهاردت امرأة غربية وليست رجلا غربيا، فهي الشكل المقلوب للآخر، كما رسّمته العلاقة الصادمة بين المُستعمِر والمُستعمَر، وهي امرأة غربية خارجة عن أنموذج المرأة الكولونيالية المتسيدة بزوجها الضابط أو الحاكم والخاضعة له في آن، ولذلك فهي، في نظر المثقف الراهن، امرأة حرّة في ممارسة حياتها، من خارج النسق الكولونيالي، حرّة في وقوفها ضده، أي وقوفها مع الإنسان الشرقي إلى درجة تشبهها بالرجل الشرقي واتخاذها اسم (محمود) علامة فارقة بين التصور الشرقي للمرأة الغربية، والتصور الغربي للمرأة الشرقية، ثم تبنِّيها للديانة الإسلامية بتخليها عن منابعها الروحية، التي طالما كانت سببا مباشرا في سقوط الرؤية الشرقية البريئة في فخ الصورة الظاهرة لتمدين الرجل الشرقي المتخلف، كما روج لها الوجه الأبيض للكولونيالية. ولعل هذا في حد ذاته يعدّ أمرا حاسما في بناء المثقف الشرقي لتصوّرِ رغبةٍ معاكسةٍ لرغبةِ تعلُّقِ الرجل الغربي (الكولون أو العسكري) بالمرأة الشرقية (ياسمينة) التي أفرزتها علاقة الاحتكاك بين الكولون والأنديجان، والتي تنتهي دائما بانتهاك حرمة الذات الشرقية، كما صورتها إيزابيل إيبرهاردت في قصة (ياسمينة)، بهدف إخضاعها بصورة نهائية.
ولعله من هذا المنطلق، تمثل إيزابيل إيبرهاردت بالنسبة للمثقف الشرقي ما لم يجده يوما في الممارسات الكولونيالية، وهي تحاول أن تقدم المرأة الشرقية وليمة سائغة للرجل الغربي. إنها الصورة التي تثلج/تشعل الرغبة الانتقامية للمثقف الجزائري وهو يقرأ عن امرأة اقتحمت عالم الرجل الشرقي، وحاولت أن تفكك صورته الممحوقة تحت وقع الضيم الاستعماري للبورجوازي الفرنسي الشاب (جاك)، الذي تبعثه الأقدار لأداء الخدمة العسكرية فيسقط – تماما كما الآلاف من مجندي اللفيف الأجنبي والمئات من المثقفين المتنورين المدججين بمرتعجات القراءة الحالمة لكتاب «ألف ليلة وليلة» – في الرؤية النمطية التي ما انفك الرحالة والكتاب والرسامون الغربيون يقدمونها عن الشرق بوصفه تفاحة ديونوسية قابلة للقضم المنهجي اللذيذ.
وعلى الرغم ممّا يمكن أن تحمله صورة الاهتمام الظاهرة للمثقفين الجزائريين الحاليين من بعد إيجابيّ يدل على انشغال هذا الجيل بتاريخه وبما يمكن أن يحمله من أبعاد لا يتوقف الواقع الراهن عن المناداة بحاجته الملحة إليه من أجل تخطي العقد الرابضة في كوّة الوعي الجمعي والمزروعة في طريقهم ألغاما غير منزوعة الفتائل، إلا أن هذا الاهتمام المفاجئ لا يمنع من التساؤل عن السرّ في كل ذلك، من خلال محاولة تجاوز أشكال هذا الاهتمام ومساءلة ما يمكن أن تخفيه من أفكار وتصورات باطنة.

تخبّط جيل ما بعد الاستقلال، خاصةً في محاولته صياغة مشروع ثقافيّ جديد يكون قادرا على تفكيك البنيات المنسية للثقافة الجزائرية.

فهل السرّ يتوقف عند عينيّ إيزابيل الزرقاوين فقط كما تقول الأغنية الفرنسية المشهورة؟ أم أن وراء هذا الاهتمام ما يمكن أن يدل على المأزق الذي تتخبط فيه الأجيال الجديدة من المثقفين الجزائريين وعدم قدرتهم على تحقيق طرائق منطقية للتعامل مع الثقافة الغربية، ما يضطرهم إلى البحث المضني عن عتبات ليّنة مطواعة للولوج إلى الحداثة الغربية، من خلال زيارة عوالم تاريخ الجزائر الكولونيالي الموصدة، خاصة بعد أن سارع الغرب إلى إعادة رسم حدود المسار النهائي لإحداثيات الصراع بين الشرق والغرب في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، التي كانت نتيجتها انغلاق التيارات الفكرية المحافظة على نفسها جرّاء ما حدث في العالم العربي والإسلامي، خاصة في الجزائر، من تجارب أثبتت فشلها في بناء علاقة عقلانية مع العالم الغربي بوصفه نسقا ثقافيا مفصولا عن نسق التمركز الكولونيالي؟
وهل يدل هذا على تخبّط جيل ما بعد الاستقلال، خاصةً في محاولته صياغة مشروع ثقافيّ جديد يكون قادرا على تفكيك البنيات المنسية للثقافة الجزائرية، وتطهير بركها الراكدة في اللاوعي الجمعي كما صورته الممارسة الكولونيالية من عوالق محق خصوصيات الذات الجزائرية، خاصة بعد فشل المشروع الثقافي للدولة الوطنية في تحرير التاريخ من الأسر الأيديولوجي وانكفاء الرؤية الصارمة التي حملها مثقفو الثورة التحريرية عن الثقافة الغربية وتفكيكهم لخلفياتها السياسية، بالتفصيل في كتابات ما بعد الاستقلال التي رافقت النزق الثوري حتى مرحلة السبعينيات، وكذا تقهقر دور المثقف النقدي بما كان يقدمه من أدوات تبريرية للاختيار الأيديولوجي المناوئ لتوجهات الثقافة الغربية المعاصرة، بما هي إيقاظ للبنيات الثقافية الكولونيالية في مرحلة تاريخية مُتّسمة بصراع المركزيات وبتدافع الأفكار الثورية المبتهجة بما أنتجه خطاب ما بعد الكولونيالية من أحلام استعادة الذات الشرقية من خدرها الاستشراقي وتحريرها من أسر الرجل الغربي.
قد يشكل هذا الاهتمام الكبير بسيرة إيزابيل إيبرهاردت من طرف المثقفين الجزائريين الحاليين كل هذا وذاك، أو بعضا منهما في صياغة الراهن الثقافي الجزائري بما يحمله من ممكنات الانفتاح على العالم، والانقذاف في المستقبل، ولكنه قد يدل، من جهة أخرى، على بناء هذا الجيل لجدار ثقافيّ شفاف بينه وبين كثير من تاريخه المغيّب، الذي قد لا تنتبه إليه الأجيال القادمة إلا بنزع الأسطرة عن الأيقونات المهيمنة على الراهن، والانفتاح على ما تخفيه رؤية هذا الجيل في تمجيد تصوراته الثقافية وراء هذا الجدار، ولنسمّه، على سبيل المزحة جدار إيزابيل الشفاف.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية