دمشق – «القدس العربي»: يلخص المشهد في سوريا كما يلي: «رسائل ملغزة» تركية – روسية – أمريكية من ليبيا والقوقاز وصولاً إلى شرق المتوسط للضغط والكسب السياسي والعسكري فيما يجري سراً وعلناً اللاعبون المؤثرون في سوريا مفاوضات «عض الأصابع».
نظراً لما تحظى به منطقة جنوب «القوقاز» التي تضم كلاً من أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، من أهمية كبيرة بالنسبة إلى روسيا التي تقف مع تركيا في الصراع هناك، فضلاً عن تضارب المصالح بين اللاعبين في كل من سوريا وليبيا أيضاً، ينشغل مراقبون بالإجابة عما إذا كانت تركيا وروسيا ستبحثان عن هوامش لتحقيق مصالحهما بعيداً عن التصادم المباشر. أم أنها سوف تنعكس على الملف السوري في إدلب ومناطق النفوذ التركي وعلى رأسها في منطقتا «درع الفرات» التي تضم مدن الباب وجرابلس وإعزاز ومحيطها، و»غصن الزيتون» التي تضم مدينة عفرين وريفها؟
«رسائل ملغزة» تركية – روسية – أمريكية من ليبيا والقوقاز وصولاً إلى شرق المتوسط
وما أثار المزيد من التساؤلات، حديث القيادي لدى «الجيش الوطني» المقرب من أنقرة مصطفى سيجري عن رفع الجاهزية القتالية في منطقة درع الفرات وتهديد روسي حقيقي لمناطق النفوذ التركي في ريف حلب الشمالي وإدلب شمال غربي البلاد.
كما تزامن ذلك مع إرسال تركيا أرتالاً عسكرية ضخمة إلى إدلب، وتصريح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عن ضرورة منع أزمة إنسانية في المنطقة وهو ما يؤشر حسب متابعين إلى «وجود نية روسية لفتح جبهات وشن عملية عسكرية في المنطقة» واعتبار أي تصعيد في سوريا يندرج في إطار مفاوضات حافة الهاوية والضغط على تركيا لتحصيل تنازلات منها.
القيادي في الجيش الوطني أكد عبر صفحته الشخصية «رفع الجاهزية العسكرية في مناطق عمليات درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام، استعداداً لصد أي عدوان روسي محتمل على المنطقة بعد ورود معلومات عن نوايا روسية لشن عملية عسكرية ضد المنطقة الخاضعة لتفاهمات تركية – روسية سابقة تمنع العدوان وتجاوز الخطوط، في تصعيد خطير ومحاولة للضغط على تركيا».
وأضاف سيجري، «الواضح أن هناك تكتيكاً جديداً من قِبل الروس بهدف الضغط على تركيا، وإن لم نشهد تصعيداً عسكرياً خلال الأيام القادمة فهذا يعني أن هناك تفاهماً ما قد حصل بين أنقرة وموسكو، ولكن ليس على حساب الشعب السوري، إنما حول ملفات أخرى عالقة وخارج الجغرافيا السورية، وسينعكس إيجاباً على الملف السوري».
تعدد بؤر الصراع
وفي هذا الصدد، تحدث الخبير السياسي أيمن دسوقي عن تعدد بؤر الصراع التي انخرطت فيها كل من تركيا وروسيا، وقال لـ»القدس العربي»: لكل ساحة من هذه البؤر توازناتها وتحالفاتها ومصالح تحكمها، وهذا ما يعزز ميل كلا الطرفين إلى مقاربة تجزئة الخلافات، بدون أن يلغي ذلك إمكانية استثمارها من قبل كل طرف للضغط على الطرف الآخر لتحصيل مكاسب في ساحات أخرى، أو لإيصال رسائل معينة.
ورجح الخبير لدى مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أن لدى كلا الطرفين مصلحة في تطوير تعاونهما الإقليمي، وقد اختبرا صيغاً متعددة لهذا التعاون، وإن كانت غير مكتملة الأركان وليست ناجمة عن تفاهم كلي وتواجهها صعوبات وتحديات، لكن إرادة تطوير العلاقات وأهمية التنسيق تفرض نفسها لتجاوز ومعالجة الخلافات الناشئة بين الطرفين، طالما شعر الطرفان أن هذا التعاون يعزز مصالحهما المشتركة.
وحول رفع الجاهزية في مناطق الشمال، اعتبر دسوقي أن ذلك لا يرتبط بالوضع في أذربيجان، بقدر ارتباطه بتطورات الملف السوري نفسه، وجاء عقب شعور موسكو بتنامي التنسيق التركي – الأمريكي في شمال شرقي سوريا، لتكون رسالتها بأن تفاهماتها مع تركيا لن تكون بمعزل عن تطورات شرق الفرات وبأنها ستتأثر سلباً، ليكون الموقف التركي برفع الجاهزية، وأنها مستعدة للتصعيد ولا يعني انخراطها في أذربيجان تراجعاً في الساحة السورية.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حذر الاثنين، من انفجار ما سماها بالمشكلة الكردية التي «قد تتفجر بسبب الإجراءات الأمريكية». وقال «الأمريكيون … يحاولون تشكيل في شمال سوريا، حكم ذاتي كردي، الذي سيكون له وظائف شبه دولة. نعلم أنهم يحاولون أيضًا إقناع الأتراك حتى لا يمانعوا… وفي هذه الحالة، هذا لا ينطبق فقط على سوريا، ولكن أيضًا على المشكلة الكردية، التي يمكن أن تنفجر».
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي اعتبر أن روسيا ليس لديها خيارات كثيرة في جنوب القوقاز، فإمّا أن تقبل بفاعل جديد بعد أن كانت تحتكر السيطرة على البيئة الأمنية للمنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، أو أن تضغط على تركيا في سورية عبر استئناف الحملة العسكرية بإدلب وحتى مناطق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون شمال غرب البلاد بغرض تنحيتها عن دعم أذربيجان، أو أن تختار مسار التدخّل العسكري المباشر لصالح أرمينيا.
وكمؤشر أولي، يبدو أن روسيا أرسلت تهديداً إلى تركيا باستهداف مصالحها في سوريا ما لم تتراجع عن موقفها جنوب القوقاز، حسب المتحدث لـ»القدس العربي» وهو ما صرّح عنه مؤخراً الرئيس رجب طيب اردوغان ورفضه إطلاقاً، مما يعني أن تركيا غير مستعدة لتقديم أي تنازلات في سوريا أو ليبيا وعلى هذا الأساس يُمكن فهم التعزيزات العسكرية الكبيرة التي زجّت بها في إدلب خلال الأسبوعين السابقين إضافة إلى رفع الجاهزية.
وأوضح عاصي أن تصعيد روسيا شمال غربي سوريا يعني وضع مسار التعاون الثنائي مع تركيا على حافة الهاوية، ويجعلها أمام استنزاف لقدراتها العسكرية والسياسية ما لم يكن هناك تحالف وثيق تتعاون معه – باستثناء إيران – فلا يكفي غياب الموقف من قبل الولايات المتّحدة الأمريكية، هذا عدا عن كون روسيا تخشى من تقديم الولايات المتّحدة دعماً لتركيا في شمال غربي سوريا، مقابل تقديم تنازلات تكون مرضية لكلا الجانبين في شرق الفرات بما يشمل مصير وشكل المنطقة الآمنة والإدارة الذاتية. وهذا يعني بالنتيجة، أن أي تصعيد في سوريا يندرج في إطار مفاوضات حافة الهاوية والضغط على تركيا أو كمناورة لا بد منها للحيلولة من زعزعة استقرار البيئة الأمنية في القوقاز.
الخبير السياسي محمد سرميني تحدث عن تأثيرات النزاع الذي تشهده منطقة «القوقاز» بين أرمينيا وأذربيجان على الملف السوري وانعكاساته عليه، وأوضح لـ»القدس العربي» أن منطقة جنوب «القوقاز» تحظى بأهمية كبيرة لدى روسيا التي لا يناسبها أي اختلال في موازين القوى هناك.
رسائل من «القوقاز»
ولفت إلى حديث الرئيس رجب طيب اردوغان قبل أيام والذي قال خلاله إن خطط تهديد تركيا في سوريا لن تنجح، مضيفاً أن هذه التصريحات تشير إلى أن تركيا قد تكون تلقت تهديداً من قِبل روسيا باستئناف الحملة العسكرية على إدلب ما لم تتراجع أنقرة عن موقفها في أذربيجان، وقال «إن اختلال موازين القوى هناك قد يحدث من خلال ناحيتين الأولى تتمثل باستمرار تركيا في تقديم الدعم لأذربيجان، وبالتالي وضع روسيا أمام خيارين إما التدخل العسكري في حال أخفقت جهود السلام أو مواصلة الترقب».
وأوضح سرميني أن خيارات روسيا في هذا السياق محدودة فهي إما أن تستأنف العمليات العسكرية في سوريا للضغط على تركيا من أجل تقديم تنازلات في أذربيجان، والوصول إلى صيغة سلام مقبولة لجميع الأطراف تشمل تعهدات ضمن جدول زمني، أو تحافظ على التهدئة في سوريا والعمل على إجراء مباحثات ثنائية مع تركيا على المستوى الرئاسي من أجل الوصول لصيغة استقرار تحفظ مصالح كلا الطرفين لا سيما من ناحية عدم إتاحة المجال للغرب كي يتدخل في منطقة القوقاز.
واستبعد الخبير السياسي إنهاء التفاهمات الثنائية بين روسيا تركيا في سوريا وليبيا، «ما لم تتوفر لدى روسيا بدائل» معتبراً أن ذلك يمثل الخيار الثالث والأخير.