اللحظة الفارقة في أدب كونديرا

تضعنا وفاة التشيكي ميلان كونديرا أمام ثلاثة أسئلة ملحة شغلت النصف الثاني من القرن العشرين. أول سؤال عن علاقة المثقف بالسلطة، وما لحق المثقفين من خيبات أمل تجاه الأحزاب في بلادهم. فقد كانت تشيكوسلوفاكيا تحكم باسم الطبقة العاملة، وأي تفكير نخبوي أو تطلعات رومانسية تعتبر تحريفا لأيديولوجيا الدولة. وفي ظل هذه التضييقات دخل المثقف في ما أسميه الاختناق الاجتماعي أو وهم النظريات، خاصة أن ما بشرت به آلة الأيديولوجيا أنبأ عن عجز مفجع في تحقيق الهدف المرجو. فانحلال الدولة في مجتمع يوتوبي يحكم فيه الإنسان نفسه، أصبح ضربا من المستحيل، ولم يحكم براغ في حينه غير المدرعات. وكانت هذه أول نقطة افتراق سرّعت فصل رأس كونديرا عن روحه، وأدت بالنتيجة إلى لجوئه في فرنسا، والانضمام لزمرة من الأصوات الغاضبة مثل البولوني آدام زاغاييفسكي ومواطنه جيسلاف ميوش، والبيروفي ماريو بارغاس يوسا، والبلغارية كريستيفا وآخرين. ولا يمكن مقارنة لجوء هذه الرموز الأدبية بظروف ودوافع هنري ميلر وسومرست موم أو حتى جيمس بولدوين. ويأتي الخلاف من حقيقة بسيطة، أن أدباء شرق أوروبا اختلفوا مع آلة النظام وأساليبه أكثر من اختلافهم مع الخطاب، في حين عانى أدباء أمريكا من الكنيسة وأخلاق المجتمع (بغض النظر عن الطبقة والعرق).
السؤال الثاني له علاقة بمفهومه عن فن الرواية، هل هي سرد أم كتابة؟ والحقيقة أن كونديرا لم يهتم بكتابة السرد إطلاقا، ويمكن أن نقول إنه اهتم بالكتابة عنه، وربما أعاد، في مقالاته عن كافكا، صياغة معركة الكاتب مع حياته كما لو أنها قصة. فقد تابع أزمة كافكا عبر عدة عناصر: واقعه وحياته النفسية وعلاقاته (المعارف والصديقات). وقدّم لنا رأيه حول ذلك بأسلوب قصصي، حتى إن صور كافكا كانت تبدو أشبه بشخصية روائية تمر بأطوار وحالات، بعكس شكل وأسلوب رواياته، فقد اعتمد فيها على أمرين اثنين: الحوار – وفيه يناقش شخصياته، أو أنه يستجوبها، ولا يسمح لها بالرد، لكن يضع على لسانها أفكاره.
والأمر الثاني هو الكتابة، فأي رواية لكونديرا تقفز من فوق الحبكة، وتدخل في كلام مطول ينقل لنا خلاصة تفكيره، ويصدق ذلك على أصغر أعماله كـ«البطء» و«الهوية» وحتى أعماله الكبيرة مثل «كتاب الضحك والنسيان» و«فالس الوداع». ولا تخرج أفكاره أيضا عن إطار التفكير البيولوجي بالغرائز – وأفضّل هذا التعبير على كلمة إيروتيكا. فكونديرا يهتم من هذا الجانب برأي المذكر عن جسد المؤنث، أو بمنابع التأنيث ومصادره، ولا يولي أي عناية للجانب الحركي ولا إيقاعه، ولا حتى ما يتضمنه من معنى للبهجة والسعادة، ويتفرع من ذلك هجاء سياسي تبدو فيه الشخصيات كأنها تفكر بصوت مسموع. وغالبا ما يدمج المحورين في بنية واحدة وبالتوازي، كما هو حال روايته «المزحة» وهي عن الانتقام من الدولة بانتهاك عرض إحدى الحسناوات. ولا يميز كونديرا بين المشاعر والأفعال، فكلها عنده شيء واحد. ونقل عن تيريزا بطلة «كائن لا تحتمل خفته» أنها ترى روحها بعين جسدها. ويمكن أن تفهم من ذلك أنه لا ينظر إلى موضوعه، لكن يعيش معه بعلاقة مساكنة.

احتفظ كونديرا بمسافة عن تطور الرواية الأوروبية بكل تياراتها، واختلف عن أقرب الروائيين لنفسه، وهو كافكا. فوجدان كافكا مركزي، ويتابع مأساة الإنسان على أنها حقيقة لا تقل عن القدر المشؤوم الذي تطور من خطيئة أصلية نحن ندفع ثمنها.

وعليه لا أعتقد أن كونديرا مدين في شكل رواياته لأحد من رواد الحداثة، وأذكر منهم جويس وبيكيت، وأرى أنه اكتشف طريقه بنفسه. فهو لم يراهن على اللعب بترتيب الأزمنة وحلقات وعي الشخصيات، وإنما ركز اهتمامه على لحظة مفارقة: اختلاف الوعي مع التاريخ، واختلاف المؤسسة مع الأفراد، وبالتالي كانت قضيته تتلخص في مشكلة الحرية، وربما الأصح أن نقول في التخلي عن مسؤولياته، واكتشافها وهو يكون نفسه، ولذلك حرص على إلغاء أي انتماء افتراضي – ثم حول الوعي الفردي إلى قضية أو لوغوس أو موقف، وقدّم هذه الحزمة كلها في روايته القصيرة «إدوارد والله» وفي مسرحيته «أصحاب المفاتيح» ثم في أفضل وأرق أعماله وهي مجموعة قصص «غراميات مرحة».
لكن هل كان كونديرا يعرف معنى المرح أو المزحة أو حتى السخرية السوداء، كما يعزى له؟ لا أعتقد ذلك، فاستعمال هذه المفردات في كتاباته لا يعدو أن يكون لحظة مفارقة أخرى. ومن خلالها أراد دحر المعنى المعروف لهذه المفردات وقراءتها قراءة تدميرية. بتعبير آخر أراد الإشارة لخطأ في المعنى وتصويبه، وفي رأيي حاول أن يميز بين المعاني الميتة – التي انتهت صلاحيتها، والمفردات الباقية التي لا تزال قيد التداول، واللغة لديه هي الكائن البشري ذاته، فصورة الإنسان لم تتبدل، لكن وعيه وإدراكه تحولا تحولا راديكاليا، ولذلك أفهم من كلامه عن المزاح والرغبة والسعادة أنه تبشير بها، ودعوة لإعادة اكتشاف أحفوراتها تحت طبقات من المنع والقتل والتدمير. وفي روايته «المزحة» أودى بحياة كل الشخصيات البسيطة، ولم يحافظ إلا على شخص واحد اعترف في لحظة مكاشفة: إنه لا يستطيع أن يغفر.
السؤال الثالث والأخير هو تولعه بالموسيقى، فقد اختار لرواياته شكل أنشودة من صوت ولحن واحد. وأفرط في تشبيه كتّابه المفضلين بشونبرغ وباخ وموزارت. وأكد في عدة مناسبات أن نشوء الرواية تزامن مع تطور كتابة وتأليف الموسيقى أيضا، وأعتقد أنه أخذ من هيرمان هيسة ميوله الروحية في تأويل الموسيقى، ومن توماس مان وعيه الاجتماعي لدور الموسيقى في تنظيم حياة الأفراد. وذكر في مطلع كتابه «الغدر بالوصايا» إن توزيع الأصوات في رواية «آيات شيطانية» حولها إلى سيمفونية، وجعل منها رهانا جماليا. وأضاف: كي نفهم شخصيات سلمان رشدي نحن لسنا بحاجة للنظر في احتياجاتها النفسية، لكن لإيقاعها الروحي. بتعبير آخر لعلاقة الصوت بالمعنى.
وفي النهاية احتفظ كونديرا بمسافة عن تطور الرواية الأوروبية بكل تياراتها، واختلف عن أقرب الروائيين لنفسه، وهو كافكا. فوجدان كافكا مركزي، ويتابع مأساة الإنسان على أنها حقيقة لا تقل عن القدر المشؤوم الذي تطور من خطيئة أصلية نحن ندفع ثمنها. بينما لدى كونديرا ضمير نائم وغرائز مفتحة العيون. وهذا الفرق بين الطرفين هو الذي يساعدنا على رؤية الانحرافات والمخاطر التي حولت تاريخ البشرية إلى سلسلة من المآسي. وكما ورد على لسان لودفيك في «المزحة»: يكفي أن الإنسان يعيش ميتا، وكأنه يقطن في مقبرة مؤقتة مترامية الأرجاء، ثم يضيف بإشارة لعقوبة التنزيل من الجنة: لقد سقطنا في الفخ، ونحن نقف أمام فوهة رشاش.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية