«اللعب على المكشوف» في زمن انهيار القيم

حجم الخط
6

بإسم الحرية والحق في النقد والسخرية ،نشرت جريدة «شارلي ايبدو»رسومات شنيعة على مدى سنوات، لنبي الأمة الإسلامية محمد صلى الله عليه وسلم، وللقرآن والإسلام عموما، مما يعتبر إيذاء لمشاعر ومقدسات أزيد من 23بالمئة من سكان العالم،الذين لا يفصلون بين دينهم وبين نبيهم، فالإسلام هو محمد ومحمد هو الإسلام،عكس ما يريد القائمون على هذه الجريدة و أتباع فكرهم ومناصريهم في الغرب والشرق «للأسف»إقناع العالم به ،من أنهم يحترمون كل الأديان، وأن الرسومات في الجريدة لا تعدو كونها رؤية ساخرة للتشدد والتطرف ،و ليست سوى ممارسة للحرية الإعلامية التي يتمتع بها الغرب، و لايوجد ماهو أقدس من حرية الرأي والتعبير وإن سخر من الإله؟
هذا الإصرار على التلبيس، وإخفاء حقيقة نظرتهم للإسلام كدين ومعتقد ،وممارسة النفاق الفكري، قد يمر على عقول بعض الغربيين ،الذين لا يعرفون الإسلام،لكنه لا يمر على عقول المسلمين.
فالمقدس نوعان في ثقافتهم الفكرية والسياسية،وإن حاولوا إدعاء غير ذلك، مقدس لا يلمس ولا يشار إليه بسوء وإلا كلف صاحبه السجن سنوات، ونقدا لاذعا من الإعلام والمجتمع ،وطرد من العمل ،وغرامة مالية تقصم الظهر، وتجعل المغضوب عليه يفكر ألف مرة قبل أن يقبل على جريمته في حق المقدس «كالمحرقة».
وهو ماحدث مع الكوميدي الفرنسي الشهير «ديودوني» بعد ان سخر من المحرقة .
وحدث كذلك مع أحد مؤسسي جريدة شارلي إيبدو بعد ان سخر من خطبة ابن ساركوزي لفتاة يهودية.
وهناك مقدس الضعفاء ،الذي لايمثله في هذا الزمان البائس، سوى المسلمين بعربهم وعجمهم،بل و باتوا مستهدفين من طرف كل من يريد أن يبلغ إسمه عنان السماء ،من أيام سلمان رشدي ،وأصبحت الخلطة السحرية معروفة هنا وهناك.
يكفي رسم كاريكاتيري يهزأ فيه بالإسلام والمسلمين، أو كتاب حتى يصبح عملا فريدا عميقا يحصد الجوائز والأموال،ويرضي اللوبي الصهيوني الذي يجيد إمتطاء الفرص السانحة ليظهر للعالم «بشاعة» ما يعانيه مع المسلمين في فلسطين المحتلة،ويكسب بذلك تعاطفا شعبيا،{ لأن التعاطف الرسمي مضمون عبر الفيتو}ويكمل بذلك مشروعه في إلتهام الأراضي المحتلة.
قد يكون من السذاجة الحديث عن أن عملية شارلي ايبدو التي قام بها الأخوان الفرنسيان كواشي في قلب باريس وفي وقت الذروة ،عملية مخططة ومدبرة من طرف الجهاز الأمني الفرنسي بذاته ،لكن من السذاجة ايضا القول بأن الجهاز الأمني والمخابراتي الفرنسي «العريق» بكل خبرته العميقة في مجال الحروب والإستخبارات، قد غفل عن وجود عنصرين إرهابيين ، تلقى أحدهما تدريبات في اليمن ،فهذا يعتبر إخفاقا إستخباراتيا يسيء للدولة الفرنسية ،خاصة في هذه الظروف الدولية الغاية في التعقيد والحساسية، والتي إرتفعت فيها درجات التأهب بشكل غير مسبوق،حتى أصبح كل من يحمل سمات العرب والمسلمين محط ريبة ،ومشروع قنبلة قد تنفجر في أي لحظة،من وجهة نظرهم.
وباتت فرنسا بعد هذه العملية على خطى أمريكا بعد أحداث سبتمبر 2001، وما الشحذ الإعلامي الذي شهده العالم، والإنزال الجوي في باريس من قبل رؤساء العالم، الذين هالهم العمل الإجرامي ،بل وتصدر نتنياهو، الذي قتل 17صحافيا في حربه على غزة المسيرة السلمية،إلا دليل على أن أمرا ما سيحدث على المدى القريب او المتوسط ،فليس إكتشافا ان المجتمع الدولي تخلى عن ادنى قيمه الإنسانية،وأننا نشهد إمبريالية حديثة ،تسعى لإعادة صياغة الجغرافيا العالمية بما يتناسب وأطماعها ،وإلا كيف نفسر صمتهم المطبق على جرائم الإحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وتخليهم عن إلتزاماتهم تجاه الشعب السوري، الذي مزقه بشار الأسد ،وعبث في الوطن وجره للهلاك بصمتهم و بمباركتهم الضمنية ،مادامت إسرائيل في امان.
لماذا لم يقم رؤساء العالم والقادة السياسيون،بمسيرة سلمية بعد مجزرة الغوطة الشرقية ،التي راح ضحيتها المئات جلهم من الأطفال،؟أم ان الصفقة التي أبرمت مع النظام بعدها، وتسليم بشار الأسد السلاح الكيماوي الذي بحوزته،أهم بكثير عند بعض الدول الحرة،و الراعية لحقوق حتى القطط والكلاب، من الإنسان والطفل والرضيع،الذي يسكن خارج الحدود الجغرافية لهذه الدول ؟.
لماذا لم تشعل الشموع ولم يقل العالم كلنا غزة،عندما حولتها إسرائيل الى رماد وشردت ساكنيها؟
إننا كمسلمين وعرب ندفع ثمن تهور وإستخفاف الدول العظمى في العالم بنا ،خاصة أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وبثقافتنا الإسلامية التي يعد إرتباطنا بها إرتباطا وجوديا،وإستهزاؤها بحاضرنا وبمستقبلنا،وإعتبارنا مجموعة بشرية قابلة للسلخ وإعادة التأهيل ،والتفكيك والتركيب،متناسية في غمرة طغيانها تاريخنا، الذي لم تعد تذكر منه سوى فترة إستدماره ،والحالة البائسة التي تركته عليها.
ومن مصائبنا التي ظهرت بعد أحداث شارلي ايبدو،إقتناص بعض ممن يحسبون على الطبقة المثقفة في عالمنا العربي الفرصة ،لتمرير أفكار ظاهرها وصف وقراءة للوضع وتحليل الحال ،وباطنها قلب المفاهيم، وإقناع الأمة بأن الدين الإسلامي ،فيه من التطرف مايوجب إقامة ثورة على نصوصه،وتطويره بما يتماشى مع الحداثة والمدنية،؟ وإصرارهم على نسخ ولصق التجربة الأوروبية،التي نختلف عنها تاريخيا وجغرافيا ،وماضيا وحاضرا.
وعلما أن الدين الإسلامي من القتل وسفك الدماء براء، ولم يعهد المسلمون في تاريخهم هذا الكم الهائل من الترهيب والترويع ،إلا بعد خلط السياسيين النوابغ في مراكز الدراسات هناك،لبعض المتعصبين السذج بالجهل، مع الأطماع السياسية والعسكرية ،فأنتجوا هجينا فكريا لاينتمي إلا لصانعيه في الدوائر الضيقة،ظنا منهم انه تحت المراقبة والسيطرة ،ويمكن التحكم فيه عن بعد،وإستعماله عند الضرورة ،هناك في المشرق البعيد،وإذا به يعود إليهم ليذيقهم بعض مايعايشه المسلمون من ألم وتدمير للإنسان والأوطان.
ستقوم فرنسا بمحاربة الإرهاب في «معقله» وتتقاسم مع الولايات المتحدة الأمريكية «المهمة المقدسة» في تخليص البشرية من هذا الوباء القاتل،وقد تتكفل بالدول القريبة لها نسبيا ،وقد تكون ليبيا هي المحطة المقبلة.

منى مقراني_الجزائ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية