لودويغ فتغنشتاين فيلسوف ورياضي بريطاني شهير من أصل نمساوي (1889 -1951) يعرفه الباحثون العرب في الفلسفة واللسانيّات على أنّه أحد زعماء المدرسة التحليلية في الفلسفة، ورائدا من روّاد فلسفة اللغة. هذا الرجل اعتقد في بداياته أنّه حلّ في رسالته المنطقية القصيرة، التي نشرها له في حياته برتراند راسل، كلّ قضايا الفلسفة ولذلك هجرها مدّة فأغراه التدريس، ولكنه نبذه وشغلته الهندسة لكنه تركها ليعود إلى الفلسفة من جديد.
كان فتغنشتاين ومنذ سطور رسالته الأولى يقرّ بأنّه لن يُفهمه إلاّ صبور عليه وأين الصبر من عقل بسيط؟ كان يرى أنّ عدم فهمه ليس تقصيرا من القارئ، بل من منطق اللغة العاديّة التي يُراد منها أن تبين فتلبس. يقول في تصدير الرسالة: «يتناول الكتاب مشاغل فلسفيّة، ويبيّن، في اعتقادي، أنّ صياغتها تستند إلى سوء فهم لمنطق لغتنا.
ما تزال اللغة في هذا السياق، كما كان الأمر من عهود، في رباط وثيق مع الفكر والعالم تثير إشكالا قديما هو، كيف يمكن للغة أن تنقل بشكل واضح ومن غير التواءات أو غموض هذا العالم؟ في «بحوث فلسفية» في الكراسات وهو يبدو فتغنشتاين كالمتدارك على أفكاره في الرسالة؛ لكنّ غرانغار يؤكّد في كتابه عن فتغنشتاين أنّ الأثرين الأخيرين يصحّحان ما في الأثر الأوّل من «دغمائيّة»؛ وأنّه ليس فيهما «تجديد في الأفكار تامّا ومن باب أولى وأحرى ألاّ يكون فيهما إنكار للأفكار السابقة».
وفي المؤلّفَيْن «أسلوب عمل جديد» وهذا الأسلوب الجديد «يواصل الأوّل الذي يصلحه ولكنّه يبني عليه». لقد باتت اللغة محورا لعمليّة التفكير بقطع النظر عن نوعه. هذا التصور هو الذي سترتكز عليه فلسفة اللغة في المدرسة التحليلية الأنكلوسكسونية، التي أفادت كثيرا اللسانيّات المعاصرة، ولاسيّما في التداوليّة. سوف نرى بوضوح أنّ الفلسفة نشاط يطبّق على اللغة العاديّة أو اليومية وهي اللغة الطبيعية وليس على اللغة الاصطناعية التي تبتدع لغايات الصورنة في الرياضيات وفي الكيمياء وغيرها.
ليس غرضنا أن نعرض في هذا المقال تفاصيل عن الفلسفة التحليلية، ولا أن نخوض في فلسفة اللغة «العاديّة» مع فيتغنشتاين وغيره، ممّن وجّهوا هذا المنعطف الفكري على حدّ عبارة غرانغار ـ التوجيه الصحيح إنما غرضنا أن نعرض لقصة طريفة حدثت بين فيتغنشتاين وطبيب نفسي من تلامذته هو موريس دراري.
جاء في «كتابات مختارة من موريس أوكنور دروري عن فتغنشتاين والفلسفة والدين والطب النفسي» كيف أنّه طلب من أستاذه وصديقه أن يزوره في مقرّ عمله في مشفى الطب النفسي في دبلن عام 1938 وفي هذه الزيارات المتكررة كان للطبيب مريض مسنّ ذو معرفة مهمّة بالموسيقى، سأله دراري عن أّيّ الآلات أقرب إلى نفسه، فقال إنّه: الطّبل الكبير.. وجلس فتغنشتاين يتحاور مع هذا المريض في فلسفة هربرت سبنسر (1820-1903) صاحب نظرية الداروينية الاجتماعية (التي ترى أنّ المجتمع جسم يمكن أن يتطوّر) وكانت المناقشة تدور بحضور الطبيب؛ وحين أراد التدخل نهره فتغنشتاين: وقال له: إخرس يضيف الطبيب: «حين رافقته عائدين إلى المنزل قال لي: «حين تلعب كرة الطاولة لا تستخدم مضرب التنّس».
كان فتغنشتاين ومنذ سطور رسالته الأولى يقرّ بأنّه لن يُفهمه إلاّ صبور عليه وأين الصبر من عقل بسيط؟ كان يرى أنّ عدم فهمه ليس تقصيرا من القارئ، بل من منطق اللغة العاديّة التي يُراد منها أن تبين فتلبس.
قول فتغنشتاين وإن كان استعاريّا فإنّه غير بعيد عن آرائه في الرسالة أو في «بحوث فلسفية» من أنّ «كلّ ما يمكن أن يقال بشكل صحيح يمكن أن يقال بوضوح»، أمّا «ما لا نستطيع أن نتحدّث عنه فعلينا أن نحافظ (فيه) على الصّمت». المحاورة باللغة ليست كلاما بين الناس يقال كما اتّفق مثلما نعتقد ونحن نجلس في مقهى ونتحدّث بكثير من التسامح عن اليوميّ. الأقوال والحوارات ينبغي أن يختار لها أصحابها الأدوات اللغوية المناسبة للأفكار التي ينبغي أن تقال. المريض الذي يحسن التّحدّث في الفلسفة والمحاورة فيها ليس كالفيلسوف الذي يحسن التفكير في الفلسفة والتحدث فيها؛ وتحاور الفيلسوف أو العارف بالفلسفة مع الشخص البسيط أو الشخص الذي نقصت مداركه، أو من كان بعقله بعض اللوثة ليس كالتحاور بين الفلاسفة أو العارفين بالفلسفة. وفي سياق الحال فإنّ الفيلسوف وهو يحاور المريض يكون كمن يلعب كرة الطاولة، حيث الرقعة والكرة والمضرب في أحجام صغيرة بالنسبة إلى أصل أكبر منها هو لعبة التنس، حيث الرقعة متسعة والمسافات أرحب والمضرب أكبر. ومثلما هو غير مقبول أن تضرب كرة الطاولة (البنغ بونغ) بمضرب التنس، فإنّه من غير المقبول في هذه المحاورة أن تردّ على محاورك وعلى كرته وهي على الطاولة الصغيرة بمضرب عظيم، لهذا أغلظ فتغنشتاين على صديقه طبيب النفس القول وصدّه عن الكلام لأنّه كان يعرف أنّه سيفسد عليه لعبته التحاورية التي تواضع فيها الفيلسوف، وقبل أن يلعب، مع لاعب كرة الطاولة بقوانينها التواصلية، أخذا بيده.
فكرة لعبة ـ اللغة Language –game الأثيرة عند فتغنشتاين تعني أنّ اللغات لا تعمل بالشكل نفسه وأنّها لم توجد لتسمّي الأشياء. إنّ اللغة كالألعاب لا تحكمها قواعد واحدة بل هناك في الألعاب مقاطع بدون قواعد. ومن الألعاب كان لفتغنشتاين الفضل في الوصول إلى فكرة « التشابهات الأسريّة» فأنا على سبيل المثال أشبه أبي في أنفي، وفي لون عيني لكنني أشبه جدّي لأمّي في لون شكل رأسي، وهكذا فإنّ التشابه الأسري ومثل هذا يقال عن عمل اللغة بقواعد يشبه بعضها قواعد لغة وبعضها الثاني قواعد لغة أخرى. يكسّر هذا فكرة كلاسيكية في المقولة هي فكرة الشروط الضروريّة والكافية الأرسطية ويفتح الباب لطريقة عرفانية في المقولة هي طريقة الطراز: أنّا نُمَقْوِلُ الأشياء بناء على أحسن ما ندركه من أنواعها.
وبالرجوع إلى الحكاية أعلاه فإنّ الطبيب أيضا كان معه الحقّ في أن يرغب في التدخّل في النّقاش، لأنّه سبق أن سأل مريضه: أيّ الآلات أحبّ إليك والعزف معترك، فأجاب الطبل الكبير. ربّما قرأ الطبيب جوابه فأراد أن يرفع مستوى النقاش مساعدة بمن يحب من الآلات صوت الطبل الضخم؛ كان الطبيب سيداويه بالتي كانت هي الأضخم، لمّا رأى الفيلسوف يداويه بالتي كانت هي الأضعف. ولكنّ الفيلسوف الذي كان يعرف ولا شكّ أنّ المريض يعشق صوت الطبل الضخم كان يدري أنّ المسألة في التحاور، أي المساهمة في العزف ليست كالمسألة في الاستماع إلى العزف: فحين تستمع فذلك شيء، وحين تتكلم وتحاور فإنّه شيء آخر: حين تستمع وتكون دواخلك مضطربة ربما رمت نفسك إلى أن تسمع أضخم الأصوات، لكنك وأنت تتكلم وبنفسك شيء من انكسار أو ضعف قد تميل إلى أن تتكلم بصوت خفيض وبأن يحاورك شخص على الموجة نفسها. هذا تصوّر فلسفي لوصف اللغة للكون، أراد طبيب النفس أن يخرقه عن حسن نيّة، ربما شعورا منه أنّ المحاور مريض عليه أن يشفى وليس فيلسوفا عليه أن يحاور، لكن ربّما كان للفيلسوف رأي آخر: إنّ الفلسفة هي أيضا يمكن أن تُشفي باختيار اللغة المناسبة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية