تختلف اللهجات المصرية من بلد إلى بلد، فبرغم أن اللسان عربي واللكنة مصرية، إلا أن اللهجات متنوعة والثقافات مختلفة، فهناك فرق بين اللهجة الجنوبية الصعيدية واللهجة الشمالية، وكذلك تختلف اللهجة البدوية عن سائر اللهجات الأخرى، وقد اشتغل كُتاب السينما والدراما على هذه الثيمات عامدين إلى مسايرة كافة أساليب النُطق والتخاطب وعرض الصور الاجتماعية وأنماط الحياة بشتى اختلافاتها وخصوصياتها.
وفي متن اللهجات بحث المبدعون عن التنوع الثقافي وغزلوا خيوط فنهم على منوال الاختلاف الإنساني والمكون العام للشخصية المصرية بكافة مستوياتها الثقافية والحضارية، وفي هذا الإطار اهتدت السينما والدراما التلفزيونية إلى ثراء المحتوى الكامن في عمق المجتمعات المُتشكلة عبر سنوات الحضارة والأزمنة، ونجحت الإبداعات السينمائية والدرامية في رصد التفاصيل الدالة على الخصوصية المُجتمعية المتعلقة باختلاف الألسنة ومفردات الكلام والعادات والتقاليد، وبدلاً من التركيز على اللهجات الأكثر شيوعاً وشهرة، كاللهجة الصعيدية واللهجة البحراوية في الشمال المصري، بدأ الالتفات إلى لهجات أخرى كاللهجة البدوية في جنوب وشمال سيناء، وبالتبعية تم الإطلاع على حياة الإنسان البدوي وهمومه ومشكلاته عن قرب بالنظر إلى زوايا التنوع المتباينة والثرية في البيئة والشخصية.
على سبيل المثال قدمت السينما واحداً من أهم أفلامها «دعاء الكروان» المأخوذ عن رواية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، حيث طرح العديد من الصور الدرامية المُركبة عن شكل المجتمع البدوي بطابعه الصارم وأخلاقياته الحازمة من خلال قصة حب مأساوية ربطت بين بطلة الرواية هنادي «زهرة العُلا» المُنتمية للمجتمع البدوي المحافظ ومهندس الري «أحمد مظهر» القادم من بيئة مدنيه مُتحررة، وفي ثنايا العلاقة العاطفية ألمح الكاتب الكبير إلى عدم التكافؤ والانسجام بين الطرفين، وبمد الخط الدرامي على استقامته تبين الفرق الشاسع بين الثقافتين المحليتين للمجتمع المصري الواحد من خلال المأساة الأخرى للشقيقة الصغرى آمنه «فاتن حمامة» التي وقعت في نفس المحظور فكادت أن تكون هي أيضاً ضحية المهندس المراوغ المُستهتر، وفي الحالتين كان هناك ثمن فادح دفعه أبطال الرواية مُجتمعين، فهنادي التي استسلمت للغواية قُتلت على يد خالها عبد العليم خطاب وآمنه ظلت خائفة ومهددة، والمهندس مات مقتولاً برصاصة استهدفته من بندقية الخال ذاته، أما الأم أمينة رزق فقد جُن جنونها وفقدت عقلها إثر صدمتها الكبرى في ابنتيها المنكوبتين.
وعن المجتمع الصعيدي كان للسينما السبق أيضاً في تصوير قسوة المجتمع الناطق بلهجة خشنة لا تقل حدة وصرامة وجدية عن اللهجة البدوية، إذ كشف فيلم «البوسطجي» عن طبيعة الحياة داخل المجتمع المحافظ في أربعينيات القرن الماضي، وربط يحي حقي في روايته المهمة بين اللهجة بإيقاعها ورسوخها وبين سلوك أصحابها المُتسم بالجهامة والشدة، والغريب أن الفيلم المأخوذ عن الرواية اعتمد بشكل أساسي على قصة الحب كمحرك للأحداث على نحو دراماتيكي مؤثر للغاية، حيث انتهت القصة بموت البطلة زيزي مصطفى على يد أبيها صلاح منصور لارتباطها بعلاقة عاطفية مع زميلها بالمدرسة سيف عبد الرحمن، وكالعادة استُخدمت اللهجة الجنوبية كمسوغ للدلالة على ثقافة المجتمع وطبيعته.
وفي مسلسل «مارد الجبل» الذي قام ببطولته نور الشريف في بداية مشواره الفني، كان للهجة البدوية محل كبير من الإعراب في التأسيس الدرامي للأفكار وعلاقتها بالمضامين الاجتماعية والقضايا المحلية، وعلى الرغم من التوظيف الإيجابي لشخصية البطل أحمد ابن شبيب كمقاوم لسياسة المماليك الاحتلالية وممارساتهم التعسفية، وشاعرية اللغة المُستخدمة في الحوار، لم تختف العلاقة بين اللهجة البدوية والثقافة المُجتمعية، ولم يتوار الجانب المُكتسب في سلوكيات ونوازع البطل الرومانسي الجانح إلى تفعيل القوة في الحصول على الحقوق المسلوبة والمنهوبة وفق ما جاء في السيناريو المكتوب بحرفية ومهارة.
وفي مسلسل «ذئاب الجبل» بطولة حمدي غيث وأحمد عبد العزيز وسماح أنور، ظلت اللهجة الجنوبية علامة تجارية للعمل الفني الكبير، قيمة وإنتاجاً. فعن طريق لغة التخاطب بين الأبطال تم التعريف بهوية المسلسل والجمهور الموجه إليه، وهو قطاع كبير يهوى الأعمال الناطقة باللهجة الصعيدية، ويرى نفسه وواقعه في الشخصيات والموضوعات المثارة.
ولأن اللهجة الجنوبية عادة ما تكون هي البطل الرئيسي في دراما الثأر والشرف فقد كرست لمفهوم ثابت لدى المُتلقي المعني بالقضايا الدرامية، وهو الإعلاء من قيمة التقاليد وعدم التفريط في العادات المتوارثة مهما اختلفت حولها الآراء، وبالقطع لم ينفرد مسلسل «ذئاب الجبل» بخصوصية التناول في هذا الصدد، وإنما سبقته ولحقته مئات الأعمال التي عزفت نفس العزف على نفس الأوتار، كمسلسل «خالتي صفية» و»الدير» و»سلسال الدم» وغيرها الكثير من النماذج المتشابهة والمختلفة والمُستنسخة، والقائمة في ذلك تطول.
وعلى مستوى المُدن الساحلية، جرى التعريف باللهجات الفارقة والمتنوعة في نُطقها وجرسها وتناغمها عبر أفلام ومسلسلات، كان من أهمها مسلسل وفيلم «ليلة القبض على فاطمة» بمستوييه السينمائي والدرامي، كونه حظي باهتمام جماهيري كبير وقدم صورة واقعية في حقبة تاريخية ما عن المجتمع البورسعيدي، وتنافست فيه نجمتان كبيرتان هما فاتن حمامة التي قدمت القصة في السينما مع شكري سرحان وفردوس عبد الحميد التي قدمتها في التليفزيون.
وعن مدينة الإسكندرية خرجت عشرات الأعمال في أطر خاصة للغاية، فكانت الرؤى أكثر غزارة، لا سيما في الطرح الدرامي عند الكاتب الراحل أسامه أنور عكاشة الذي كتب «عفاريت السيالة» و»زيزينيا» و»الراية البيضاء» ولم يفته التعويل على اللكنة واللهجة الخاصة للأبطال من باب تمييز الواقع والشخصيات.
ومن قبل عكاشة كان التميز الأدبي لفيلم «السمان والخريف» الذي جرت أحداثه بين أحضان المدينة الساحرة ونُقلت تفاصيله الدرامية والإنسانية عن رواية أديب نوبل نجيب محفوظ وشارك في بطولته محمود مرسي ونادية لطفي.
كان ذلك طواف سريع حول الأعمال المهمة التي أنجزت تحقيقاً إبداعياً في اللهجات المصرية بغير مباشرة وبخضوع مقصود لمُتطلبات التصوير الفني والدرامي عبر الشاشتين، الكبيرة والصغيرة.