المؤلف عبد الله المصري: الموسيقى ومضات تترك الانطباع الشبيه بالعطر غير الملموس

زهرة مرعي
حجم الخط
0

في يوم الموسيقى العالمي تأكيد قدرتها على تبديل السلوك والإرتقاء بالوعي والفكر

بيروت-“القدس العربي”: في هذا العالم المشتعل بالحروب والعنصرية والوباء قد تشكل الموسيقى مساحة الحلم المتبقي للشعوب. وهذا العام يصادف عيد الموسيقى في21  من الشهر الجاري والحال غير سار مطلقاً. العالم غارق بمكافحة كورونا، ومع ذلك هبّ لمناصرة شعار “حياة السود مهمة”. فعنصرية الشرطة الأمريكية بلغت حدوداً قصوى. وهي وصلت فلسطين فشطبت ما بقي منها، وقررت ضمه للكيان الاستيطاني.

بمناسبة يوم الموسيقى العالمي كان الحوار غنياً مع المؤلف الموسيقي اللبناني الدكتور عبد الله المصري. للمايسترو المصري مؤلفات عدة، ويستعد لإصدارات جديدة. أجاب على اسئلة “القدس العربي” واضعاً الأمور في نصابها. هنا التفاصيل:

*في يوم الموسيقى العالمي نسألك عن دورها في تقارب البشر؟

**منذ الأزل كانت الموسيقي وما زالت اللغة التي تتكلم بها كافة شعوب الأرض على انفراد، وتكون مفهومة ومسموعة من الجميع. وفي عصرنا الحالي أصبحت لغة الموسيقى أكثر تفاعلا بين كل الشعوب. فالعظماء الذين كتبوا الموسيقى الكلاسيكية ينتمون لشعوب وقوميات مختلفة، وهي تُعزف وتُقدم وتكون موضع ترحيب وحب في كل أصقاع الأرض. وما من حاجز يمنع هذه الموسيقى من الوصول والتفاعل مع أحاسيس الشعوب المتفرقة لأسباب سياسية أو غيرها. إلى ذلك نجد الموسيقى الشعبية بأنواعها تخترق مشاعر كل الجنسيات وتصبح مرغوبة وجديرة بالاهتمام، كما الفولكلور العالمي وأنماط الموسيقى الأخرى من جاز، وبوب وغيره. لن يختلف البشر على الموسيقى، فهم يسمعونها ويتأثرون بها، وبذلك يتقربون من صانعها ومصدرها مهما كانت جنسيته.

*كم للموسيقى أن تعبر عن قضايا الناس؟ وهل لها قدرة التغيير؟

**الموسيقى هي فائض الروح الصانعة لها. إنها نتاج معاناة وقضايا من كتبها. وهنا يتنوع مستوى التعبير، بين المباشر كنوع من الشعارات ولخدمة مرحلة آنية ينتج منها أغنيات بسيطة أو الحان عابرة حماسية، أو أن تتبلور في أعمال عميقة في بعدها وحرفتها وفي قوامها كمؤلفات موسيقية. وهذه الموسيقى تكون في البداية نتاج لحالة آنية وتصبح لاحقاً تحفة فنية، ومع الزمن ننسى أسباب إنتاجها ولكنها تبقى قيمة جمالية وإبداعية. ليس للموسيقى قدرة تغيير بشكل مباشر، إنما الاستماع لها يغير في سلوك المستمع ويهذّب الذوق ويرتقى بمستوى الوعي والفكر، إضافة إلى أن الموسيقى والفنون تمثل مرآة الشعوب والدول ووجهها الحضاري.

*هل الموسيقى متاحة للناس كافة سواسية؟

**طبعاً لا. لو تكلمنا عن موسيقى المناسبات والأهازيج الدينية والفولكلور فهي حالة طبيعية تعيشها الشعوب وتكون جزءاً من سمعهم الدائم. أما الموسيقى الآلية بكل أنواعها فمتوفرة لمن يملك القدرة المادية، أو لدى وجود الظروف المؤاتية لبعض الناس. من إيجابيات انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إتاحة امكانية الاستماع لكافة أنماط الموسيقى ولكل من يرغب. ولكن أن لم يُرفق هذا الجانب الإيجابي بسياسة توجيه جيدة فقد يؤدي لنتائج غير مرضية.

*هل تفرّق الموسيقى بين البشر طبقياً أو عرقياً؟

**لو عدنا للتاريخ فسنجد أن الموسيقى التي كتبها مبدعون من دول تناحرت بين بعضها تُعزف في هذا البلد وذاك. تخترق الموسيقى الحواجز والممنوعات حتى لو تم تسييسها. في زمن الحرب الباردة كانت أعمال المولفين السوفييت مثل شوستاكوفيتش وخاتشاتوريان وبروكوفييف تُقدم بكل قاعات الولايات المتحدة وأوروبا. وكذلك كانت أعمال المؤلفين الأوروبيين والأمريكيين تُقدم في روسيا. وقد سُجلت محاولات لتسييس المؤلفين أنفسهم بطرق سطحية وغير مجدية. فالقيم الجمالية مشتركة بين الجميع.

*في يوم الموسيقى العالمي ما هو نوع الموسيقى التي تشير للشباب العربي بسماعها من فلسطين إلى سوريا واليمن والخليج العربي ولبنان طبعاً؟

**أصبح وعي الشباب حالياً أكثر شمولية. وعي بعيد عن التقوقع وأقل تأثراً بالادعاءات والاملاءات التي قد تُفرض أحياناً. ليس للمساحة الفنية حدود، إنما التأثير الإعلامي ما زال قوياً. لن اُسدي النصائح بهذا الصدد، ولكن أتمنى أن يتوجه الاختيار نحو الأعمال القيمة التي فرضت نفسها مع الزمن وأصبحت من الإرث الراقي، ومنها الموسيقى الكلاسيكية والكثير من إنتاجات موسيقى البوب والجاز التي حملت في طياتها أحلاماً إنسانية. أتمنى عدم التطرف بحب أو كره أي نمط موسيقي قبل تمريره عبر المشاعر الخاصة من خلال الاستماع.

*ألحّ عليك طموحك بدراسة التأليف الموسيقي وبتّ من المؤلفين المرموقين. هل يرضيك وصف موسيقاك بأنها ذات منحى فلسفي؟

**لم لا! أي عمل إبداعي لن يعيش إذا لم يحمل في طياته أبعاداً إنسانية وفلسفية. وهذه نتيجة ليس من السهل ايجادها. فالأعمال الإبداعية هي مزيج كبير من أفكار تمت معالجتها وصناعتها بتقنيات وجماليات تكون من إبداع المؤلف نفسه مع الخلفية العلمية والإنفراد بالأسلوب. وكل ذلك لن يجدي بدون الموهبة الفذة.

*كم يتشابه التأليف الموسيقي مع الولادة؟

**العمل الفني هو وليد أفكار ومشاعر المؤلف نفسه. فهو يمر بمعاناة لإظهارها بما تراه قريرة نفسه وروحه. لذا يعاني المبدع من الإكتاب والحزن أثناء كتابة هذه الأعمال والتي تطول لأشهر وأحياناً لسنوات. ولكن فرح الانتهاء واظهار النتيجة يكون كفرح ولادة قيمة ستعيش وتعيش. من تجربتي الشخصية خلال الكتابة دائما ما أمر بحزن وقلق كبيرين، وأحياناً شك بعدم قدرتي إنهاء ما بدأته، وطبعاً التغييرات الدائمة على ما أصنعه يكون لها إنعكاس إيجابي بصقل الأفكار، فتأتي النتيجة مرضية.

*في رأيك هل من وجه شبه بين الموسيقى واللوحة الفنية حيث لكل متلقي أن يقرأ وفق رؤيته ومشاعره؟

**طبعاً. الشبه في ترجمة المشاعر التي يتلقاها المستمع أو المشاهد، ولهذه المشاعر مساحة واسعة ومتناقضة أحياناً. ولكن اللوحة الفنية هي إبداع منظور وملموس ويمكن التأني في استشفافه وأحياناً تملي الأحاسيس بشكل مباشر وموجّه. أما الموسيقى فهي برهات أو ومضات تترك الانطباع الشبيه بالعطر غير الملموس، ولكنه يعيدنا إلى ذكريات أو أحاسيس كثيرة وغامضة. إنها كالكهرباء تدخل لتؤثر وتهز بألم أحياناً. الموسيقى هي لغة المشاعر المجردة. وأقصد الجدية منها طبعاً. وتفسير الموسيقى يتغير مع تغيرات الإنسان نفسه. وفي كل عودة إليها نكتشف أبعاداً ومشاعر جديدة.

*هل تحن لفرقة الجبل التي قدتها ولحنت لها أغنيات قصيرة كثيرة؟

**الحنين شعور مرتبط بتقدم الوقت. وتجربة فرقة الجبل كانت الدافع الأول بان يحمل الفن والموسيقى بعداً إنسانياً نضالياً، فلقد مررنا بظروف الحرب والعوز والنضال والإبداع. الفروقات الطبقية ليست حاجزاً بوجه الطموح نحو آفاق أوسع وأعمق. فكل أصدقائي في فرقة الجبل بنو طريقهم الكبير في هذه الحياة الشاقة.

*كم عدد تلك الأغنيات الموصوفة بجمالها وهل ترغب بإحيائها؟

**قدمنا عشرات الأغنيات وتأثرنا بالموجة السائدة، ولا أفكر بتجديدها رغم البساطة الجميلة التي ميزتها، والتي لمست مشاعر الكثيرين. أنها مرحلة تحمل واقع ما مررنا به من صعوبات وهي صادقة فعلاً. أخاف من إعادتها أن تفقد عطر زمنها الحزين.

*هل بات تلحين الأغنية القصيرة من الماضي بعد أن دخلت التأليف الموسيقي من بابه الواسع؟

**لا أستطيع الجزم بهذا الشيء. كثيرون يطالبونني بالتلحين، ولا أرى من كلمة إبداعية تضاف بهذا الإطار، فالأغنية من أصعب القوالب التي يمكن التوسع بها. كان طموحي نحو تجريدية الموسيقى منذ تكويني كموسيقي. فليس للتأليف الموسيقي حواجز وقيود، ومع كل عمل أكتبه أخوض بمعاناة إنتاج جديد وكأني أكتب للمرة الأولى. لا أحب القوالب الجاهزة، ودائما بحالة تغيير لما صنعته من قبل، وهذا ما أثّر على غزارة أعمالي. الموسيقى عالم لا ينتهي من الابتكارات وأساليب رسم المشاعر.

*من الصوت الذي ترغب بالتلحين له؟

**بما أنني أعلنت انحيازي للموسيقى الصرفة فهذا ما يجعلني بعيداً عن مجال الكتابة للصوت الغنائي. ولكن بتجربتي الموسيقية التأليفية كانت أميمة الخليل من الأصوات التي حملت عملي الموسيقي “مطر” إلى الآفاق البعيدة التي رسمتها في مخيلتي. فهذا العمل بأداء أميمة له زخم كبير لا أراه بأصوات أخرى برغم حبي واحترامي لكثير من الأصوات الموجودة.

*أخبرنا عن مهامك الموسيقية في دولة الكويت الشقيق؟

**يسعدني أنني بعملي في الكويت كان لي التأثير بإنشاء مدرسة التأليف الموسيقي المعاصر. درّست مادة التأليف الموسيقي في المعهد العالي للفنون الموسيقية، ومجموعة كبيرة من الطلاب الذين درّستهم ثابروا وأصبحوا من المؤلفين الموسيقيين المرموقين، ومنهم من تولى مراكز إدارية علمية عالية ومؤثرة، وتابعوا المهمة من بعدي. وكذلك درّست المواد الموسيقية في تخصص التأليف الموسيقي. ومؤخراً تم إصدار كتاب “الهارموني التقليدي” والذي يعتبر من أوائل الكتب العلمية في وطننا العربي، وهو لم يكن ترجمة لكتب أجنبية، بل صياغة جديدة وكاملة لهذه المادة وباللغة العربية. إضافة إلى تكوين اوركسترا وكورال تابعين لعملي الجامعي، حيث أعدنا توزيع الأعمال الموسيقية الغنائية الكويتية والعربية والعالمية، وقدمناها في شتى المناسبات والمهرجانات الموسيقية وعلى مدى 15 سنة متواصلة.

*ما هي مشاريعك للمستقبل؟

**الظروف الحاضرة منعت وعطلت الكثير من المشاريع والأمسيات الموسيقية. حالياً أعدّ لإصدار اسطوانة رقمية تتضمن عملين من تأليفي. الأول هو كونشرتو العود والذي سجلناه في موسكو الصيف الماضي بأداء عازف العود الرائع سمير نصر الدين، والعمل الثاني وهو ثلاثي العود مع آلتي الغيتار. وتم التسجيل في استديوهات السينما الروسية “موسفيلم” وبقيادتي لاوركسترا “اورفاي” السيمفونية. العمل جاهز للإصدار في حال انتهاء أزمة كورونا العالمية. ومؤخراً أنهيت كتابة “سوناتا البيانو” والتي ستؤديه عازفة البيانو العالمية تاتيانا بريماك خوري، إضافة إألى استمراري في التأليف لباليه “المهاجر” وكتابة كونشرتو الفيولا. وكنا قد برمجنا موعداً لتسجيل عملي “السيمفونية الثالثة” في موسكو والأمل أن نتابع ذلك في المستقبل القريب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية