لأن أساليب الرواية تتنوع في التعبير عن الهوية السردية، فإن بعضاً من تلك الأساليب قد يكون لها دورها في أن يطغى البعد الثقافي على البعد السردي فتغدو الهوية ثقافية بامتياز وليست سردية. ومن تلك الأساليب الميتاسرد كتقانة تضخم دور المؤلف، وتمنحه حرية بها يفرض ـ بسبب غاية شخصية أو موقف ما في نفسه ـ على السارد وجهة نظره، والسارد بدوره سيفرضها على الشخصيات، فتتسيس الأحداث لصالح تلك الوجهة. وتبدو عند ذاك شخصية المؤلف حقيقة درامية، بوصفه العين الناظرة. وهذا كله يحرض الناقد على التفتيش عن سبب معين يجعل المؤلف فضوليا، وهو يرغب بمشاطرة سارده الدور، مستبدلا السرد بما بعد السرد، غير تارك السارد يسرد بنفسه، ولا القصة تنطق عن نفسها بشكل مستقل.
ولا خلاف على (أن ما يدمر القصة هو الإفراط في معالجتها، أو التقصير في هذه المعالجة) كما يقول لوبوك، فيغدو تدخل المؤلف في عمل السارد، سببا في وقوعه في بعض الهفوات، كالانتقالات العشوائية والتذبذبات الفجائية. وهو ما نجده في بعض الروايات التي تتناول موضوع (القدس).
وهو ما نجد مثاله في رواية «مصابيح أورشليم» لعلي بدر التي أشير في عنوانها الرئيس إلى أنها تسرد زيارة إدوارد سعيد للقدس، بينما يسرف السارد في التركيز على المدينة/أورشليم بمناطقها وأسماء الأُسر اليهودية فيها وتوظيف المفردات العبرية. وكان لتوظيف المؤلف للميتاسرد تأثير في هذا التركيز ايضا فكان الإخبار التقريري يفوق السرد الواقعي، مطابقا هويته بهوية سارده، متخذا موضوعه من مخطوطة كتبها الشاب الفلسطيني المقيم في بغداد والمحب لفلسطين أيمن المقدسي ـ وهو الشخصية الفلسطينية الوحيدة التي اقتصر دورها على القسم الأول من الرواية فقط ـ وحين عزم أيمن على العودة إلى فلسطين أودع المخطوطة لدى صديقه المغترب العراقي، الذي قدم بغداد لا حبا بالأهل، وإنما رغبة في العمل لدى قنوات ووكالات إعلامية يهمها الشأن العراقي، فكتب تقاريره لها، كما كتب تقريره الإخباري هنا في القسم الأول الذي عنونه بـ( تقرير أولي) وهو وإن لم يذكر اسمه فإنه هو المؤلف علي بدر، بسبب تقريرية المعطيات التي تؤشر إليه، وأهمها البنية الميتاسردية للرواية. أما الذي جمع المؤلف بعلاء خليل العراقي غير الفخور بعراقيته فهو إعجابهما بكنعان مكية، ومن على شاكلته من العراقيين العائدين من الغرب، ممن كانوا أدلاء، أو مستشارين مع القوات المحتلة يتقاضون أجورهم ممن جاء بهم وهو المحتل الأمريكي.
لكن ما الذي يحمل أيمن المقدسي على إيداع مخطوطته عن إدوارد سعيد عند المؤلف العراقي، وهو الذي أجبرته أحداث الاحتلال على العودة إلى فلسطين؟ ثم لماذا لم يجعل هذا المؤلف عنوان الرواية هو عنوان المخطوطة (إنها أورشليم يا انطي ميليا) بل جعله عنوانا فرعيا للقسم الثاني فقط؟ أفلان أورشليم ـ التي تعني بالكنعانية ملكي وهي لفظة عربية لأن الكنعانيين عرب ـ عاصمة يهودا كما روّج لها الإسرائيليون، وبغيتهم طمس الهوية العربية وإثبات الهوية اليهودية، أم لأن الأسماء العربية مثل بيت المقدس والقدس الشريف وأولى القبلتين لا تظهر هويتها الثقافية والتاريخية؟ أم لأنها تسهم في توكيد أثرها الإيجابي تجاه القضية الفلسطينية، فاستعمل الاسم الإسرائيلي للمدينة (أورشليم) مضافا إليه اسم تنويري (مصابيح)؟
لا شك في أن عنوان «مصابيح أورشليم» مستل من قول كنعان مكية في روايته «الصخرة» إن «أولى علامات العرش أن سمك بنيانها كأول شعاع ضوء. الشعاع اخترق الظلام ليملأ الأرض المختارة. انتشر النور ليغطي سائر أرجاء العالم دون تمييز» (الصخرة، بالإنكليزية). كما أن تقريرية القسم الأول جعلت التناص مع رواية «الصخرة» محشورا حشرا، أولا توصيفها بأنها (أول رواية عربية عن القدس) وثانيا المقاطع التي ترجمها واستلها قصدا «إن قبة الصخرة بناها كعب الأحبار، وهو مسلم من أصل يهودي وأنها صخرة موسى ومحمد معا اليهودية والإسلام في كف واحدة» (مصابيح أورشليم) مؤكدا بها أن غرضه السياسي وغرض مكية واحد، وثالثا تصوير كنعان مكية بطلا سلبيا في عين علاء خليل، غير الفخور بعراقيته الذي ما أن علم بعودة «كنعان مكية في الأيام التالية للحرب، وقد سمع في يوم أنه سيزور مقهى حوار هو ومجموعة من الضباط الأمريكيين، فهرع لاستقباله والجلوس إلى جانبه» (مصابيح أورشليم).
لا شك في أن عنوان «مصابيح أورشليم» مستل من قول كنعان مكية في روايته «الصخرة» إن «أولى علامات العرش أن سمك بنيانها كأول شعاع ضوء. الشعاع اخترق الظلام ليملأ الأرض المختارة. انتشر النور ليغطي سائر أرجاء العالم دون تمييز».
ولأن التناصات في القسم الثاني هي الطاغية، توجه القسم الثالث ـ وبغض النظر عما فيه من اختلاط السرد بالميتاسرد ـ إلى عرض المصادر التي بدت مملة لكثرتها، وهي بمجموعها متعلقة بالأدب الإسرائيلي كروايات ورحلات ومذكرات ولوحات، إلى جانب مفردات عبرية وأسماء شعراء وروائيين ومفكرين إسرائيليين وغير إسرائيليين مثل، يائيل دايان ونحمان بياليك وديفيد بن غوريون وباول تشرينخوفسكي، ورحلات مثل زيارة بيير لوتي ماسينون ورحلة لامارتين إلى فلسطين وخوسيه سراماغو والأسقف ألبرت والمصور ماكسيم دوكامب والروائي غوستاف فلوبير.
ويظل التناص مع الرواية الإسرائيلية هو الأوضح، وقد نفهم السبب من قول لإدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والمقاومة» يؤكد فيه أن قوة هذه الرواية تكمن في أنها محملة بوجهة نظر ازدرائية، تنتقص العرب قاطبة، و»تعتمد كلية تقريبا على نوع من الرؤية البطولية.. لم يتعاملوا مع سكان محليين ذوي وجود راسخ ومتجذر يعيشون في البلدات والمدن، ويمتلكون بنيتهم الاجتماعية الخاصة، بل مع مجرد صحراء يقطنها بدو هائمون على وجوههم». وقد يلمس قارئ رواية «مصابيح أورشليم» أن هناك تركيزا أيضا على روائي بعينه، وهو عاموس عوز، الذي تكرر ذكره في القسم الثاني والثالث، ولاسيما سيرته الذاتية المعنونة «قصة عن الحب والظلام» التي كانت قد نشرت بطبعتها الإنكليزية عام 2003، أي قبل نشر رواية «مصابيح أورشليم». ولأن غرض علي بدر سياسي ووجهة نظره أحادية مضادة، تطلع في ختام روايته إلى أن يكون هدفه قد تحقق، وقد تركت هويته الثقافية أثرها السلبي في المقاومة، محاولا أن يبرر صنيعه بطريقة ملتوية ومفتعلة، فادعى التعدد والانفتاح والكونية وأن «نقل الخطاب الهوياتي إلى المستوى الكوني ليس أمرا يوتوبيا، إن الهوية الفردية ذاتها تحمل هذا المفهوم الكوني» (مصابيح أورشليم). وكان الباحث محمد قاسم الياسري قد أفاض القول في تبعية علي بدر الاستعمارية للنموذج الغربي وبأساليب كثيرة منها استعارة العين الأجنبية ومحو الشخصية وعنف الأيديولوجيا والتعويل على القضايا الساخنة كعلاقة المثقف بالسلطة والآخر والاستعلاء الشوفيني ومواقف شعبوية تقوم على سوء القراءة للواقع المحلي، بهوية مطابقة ونظرة إسقاطية تحريضية، والغاية «فرض الوصاية على القارئ.. وجعله يدور في فلك يشبه الفردوس المفقود، ومنحه وعدا عصيا على التحقق مثلما هي الوعود الاستعمارية» (ينظر: كتابه تبيئة المفاهيم الاستشراقية جرد واستنطاق وتأويل لنصيات علي بدر، بغداد،2009) ولن نجانب الحقيقة إذا قلنا إن الميتاسرد والتناص فضحا المؤلف علي بدر وأظهرا تفكك روايته كالآتي :
أولا ـ إن الرواية ركزت على يائيل وايستر من جانب، وعلى القدس من جانب آخر بصورتها الأورشليمية كشوارع وأزقة وحارات. ولو جمعنا المواضع التي ذُكر فيها إدوارد سعيد، لوجدنا أنها لا تشكل الحجم نفسه الذي تشكله المواضع التي ذُكر فيها يائيل وإستر، وقد لا يرد ذكر سعيد معهما إلا عارضا.
ثانيا ـ ما وقع فيه كل من المؤلف والسارد من تضاد، فأورشليم بدت في عين المؤلف في القسم الأول مدينة محلومة فوق مدينة حقيقية، لكن أورشليم بدت في عين السارد في القسم الثاني مدينة تاريخية لإسرائيل، وهي تبدأ من جديد بيهود الأشكناز والسفارديم وبولونيا وليتوانيا وفرنسا واليمن والحبشة، مع قصدية واضحة في تكرار هذا التناص الشعري «ازحفوا لقد وصلنا وصل جنود يهوه إلى مبتغاهم راياتهم راياتكم فليحم الهيكل، ومن لا يعجبه فليتخوزق من مؤخرته.. لا تسألوا من هو المسؤول عن موت أكثر أحبابكم في الهولوكوست كل شخص ليس منكم هو من أعدائكم» (مصابيح أورشليم).
ثالثا ـ إن القسم الثالث وهو بعنوان (تخطيطات وأفكار ويوميات أنسكلوبيدية للكتابة) بدا خليطا يجمع السرد بالميتاسرد وكان يمكن أن يقتصر على الميتاسرد، بذكر المصادر التي أغلبها أدبي، وبدور واحد للمؤلف بيد أن الذي حصل هو احتشاد القسم بالمصادر.. فعاد السارد العليم ليحكي مجددا حياة إدوارد سعيد، لإدراك المؤلف أن هناك تفككا، وأن الحاجة تقتضي تطابقه مع السارد قائلا: «هكذا كان يمكن للرواية أن تبدأ بتكذيب حياة إدوارد سعيد ومن ثم تخلق له سيرة ذاتية جديدة» (مصابيح اورشليم).
وهذا التفكك بين القسمين الأول والثاني، وكذلك التضاد داخل القسم الثالث يجعل القارئ يتصور أن القلم الذي كتب القسم الأول، ليس هو نفسه الذي كتب القسمين التاليين، وإلا كيف يعقل أن المؤلف الذي يُخطئ بمناطق البصرة، فيتوهم أن الشارع الوطني الشهير في مدينة البصرة اسمه ساحة الوطن، ويذكر أنه رأى كورنيشها المطل على البحر، بينما لا بحر تطل عليه وكورنيشها يطل على شط العرب.. كيف يعقل أن يكتب بهذه الدقة عن حارات أورشليم وأزقتها وأسماء عوائلها وتقاطعاتها وأبنيتها القديمة والجديدة، إلخ.
وكان يمكن للمؤلف أن يفيد من سيرة إدوارد سعيد بوصفه نصا مفتوحا على العالم، وصاحب رؤية كونية، بسببها تعرض إلى معاداة اللوبي الصهيوني.. فكان حريا بالمؤلف أن يتعمق في عرض مواقف هذا المفكر الحر التي تتعارض مع وجهة النظر الإسرائيلية، فضلا عما عُرف عن سعيد من ترديده لمقولة إنه «شخص فلسطيني بلا جنسية وخارج المكان».
كاتبة عراقية