100يشكلون كورال الفيحاء يغنون المقامات العربية بتوزيع هارموني
بيروت ـ «القدس العربي»: نعرف أن الصوت البشري هو الآلة الموسيقية الأقدم، هو اختراع رباني يتكامل مع حضور الإنسان في هذا الكون. رغم التقدم الذي حققه عالم التقنيات الصوتية، والذي جعل رهان البعض على هشاشة صوت هذا أو هذه بعيداً عن تدخل الأستوديو والآلات صائباً، فإن كورال الفيحاء لم يعر الأمر أية أهمية. لهم حفلاتهم وأمام جمهور عريض دون مكبرات صوت. ودون أية آلة موسيقية على الإطلاق. إنه غناء الأكابيلاّ حيث الصوت هو الذي ينغّم بجمال آخّاذ.
إنه المشروع الصدفة الذي تحول إلى شغف وعشق للمايسترو باركيف تاسلاكيان. مرّ على طرابلس الفيحاء في حفل للأرمن، ومن ثم صارت مقره الإضافي بعد عنجر التي ولد وترعرع فيها. كورال الفيحاء طرابلس بات له إخوة، فيحاء بيروت، وفيحاء الشوف وفيحاء القاهرة أيضاً. فالمايسترو الذي اكتشف جمال وعظمة الموسيقى العربية يتابع مشواره منذ تسللت إلى إحساسه الفني المرهف ملحمة «أنا احمد العربي» لمارسيل خليفة. ويعترف بأنه قبلها لم يكن على ود مع الموسيقى العربية.
مع قائد ومؤسس كورال الفيحاء المايسترو باركيف تاسلاكيان هذا الحوار:
○ يتجدد كورال الفيحاء ويتوسع من لبنان إلى الدول العربية. كيف لكم هذا وعالم الغناء الجميل والفن الجاد ينكمش بفعل كوفيد وتراجع الاقتصاد؟
•لا شكّ أننا في كورال الفيحاء تأثرنا أيضاً بهذه الأوضاع إذ اضطررنا أحياناً إلى إلغاء التمارين، أو إلى تقليص عددها بسبب كوفيد أو لتوفير كلفة المواصلات على المغنين. ولكن الغناء بالنسبة لنا رسالة وأسلوب حياة، لذلك حافظنا على شغفنا وحاولنا، ولا نزال، تخطّي هذه المرحلة والمضي قدماً لتحقيق أهدافنا.
○ في ظل الأزمات المركبة التي نعيشها يعجز المعهد الموسيقي الوطني عن إحياء حفل بعكس حالكم. فما هو السر؟
•للأسف إن نتائج أزمة كوفيد أتت قاسية على قطاع الثقافة عامةً وعلى الفرق الموسيقية والغنائية خاصة. إذ تحتاج الاوركسترا كما الكورال إلى تمارين جماعية متواصلة ومباشرة. نحن في كورال الفيحاء لمسنا النتائج الإيجابية للجدية في التأسيس والتمارين قبل مرحلة كوفيد، فقد استطعنا الحفاظ على مستوى الأداء بالرغم من إلغاء بعض التمارين في فترة معيّنة. كما أننا لم نفوّت فرصة للتمرين عندما كانت الظروف الصحية والاقتصادية والأمنية تسمح.
○ وماذا عن دخل كورال الفيحاء؟
•منذ تأسيس الكورال عام 2003 ولغاية عام 2018 اختلفت مصادر دخل الكورال بين الحفلات والمشاريع الاجتماعية والجهات الراعية ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: بلدية طرابلس، اتحاد بلديات الفيحاء، مؤسسة الصفدي، جمعية العزم والسعادة، مؤسسة الحريري وغيرهم… اليوم وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم ولبنان خاصّة، لم يعد لدينا أي داعم للكورال. نحن ننفّذ مشاريع دعم نفسي اجتماعي عن طريق الغناء الجماعي، بتمويل من منظمات محلية ودولية مع الأطفال والشباب اللاجئين أو النازحين بالإضافة إلى مشاريع بناء السلام والتلاحم الاجتماعي وغيرها… إن مردود هذه المشاريع المادي هو مصدر الدخل الرئيسي للكورال حالياً.
○ باركيف تاسلاكيان المولود في عنجر كيف قادته عصا المايسترو الصغيرة إلى طرابلس لتأسيس كورال باسمها؟
•إنها الصدفة. كنت أدير كورالاً في عنجر، وسنة 2000 أحيينا حفلاً في طرابلس للأرمن الذين يعيشون في المدينة. وبالطبع كان حضور من غير الأرمن الذين تفاجأوا بهذا النوع الجديد من الغناء الكورالي وهو الأكابيلا (أي الغناء من دون مرافقة الآلات الموسيقيّة وبتوزيع هارموني). في سنة 2001 تم تنظيم مباراة لفرق الكورال في لبنان فنال كورال «كوميداس» التابع للنادي الثقافي الأرمني المرتبة الأولى، مما أهلنا لتمثيل لبنان سنة 2002 حين نظّم المجمع العربي للموسيقى مهرجاناً للكورال، في معرض رشيد كرامي في طرابلس. ومن هذه المشاركة نلنا لقب أحسن كورال عربي. مشاركاتنا الثلاث التي احتضنتها طرابلس أدت إلى اقتراح بتأسيس كورال للمدينة من قبل جمعية طرابلس لتشجيع الموسيقى والفنون الجميلة. ودون كثير من التفكير قبلت المشروع. ولك تخيّل صعوبة السنة الأولى، لكنّ شباب وصبايا طرابلس قريبون جداً للقلب. وجدت لديهم كافة صفات أبناء القرى التي اختبرتها في عنجر وجوارها، وجدتهم أبناء ضيعة يعيشون في المدينة. وهذا ما شجعني للاستمرار رغم انعدام الخبرة في غناء الأكابيلا لديهم، كذلك إيماني بأنهم سيحققون أمراً مهماً للمستقبل، وبات لنا كورال الفيحاء نسبةً للقب طرابلس.
○ وهل ما تزال تعيش في عنجر؟
•بل بتّ أعيش في طرابلس، الوقت لم يعد يسمح بالتنقل كما في السابق. أزور مسقط رأسي عنجر دائما فعائلتي فيها. وأعيش في الشوف حيث أيضاً لكورال الفيحاء فرع. ساعات العمل موزعة بين فروع الكورال من طرابلس إلى الشوف وبيروت.
○ تُشعرني وكأن علاقتك مع الكورال بفروعه فيها جانب نضالي من خلال هذا الترحال الدائم؟
•الموسيقى شغفي. يتعب جسدي، ويبقى فكري متأهباً. ألتزم اسبوعياً بـ19 تمريناً منها 9 مع كورال الفيحاء. وتتوزع التمارين الأخرى إلى «SOS» والنازحين السوريين، وكورال مشترك بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس، وكورال سنبلة، وكورال أطفال سوريا وغيرها.
○ تحتاج من ينظّم عملك ويضبط المواعيد؟ توسعتم نحو القاهرة وبتم مؤسسة. من يكتب النوطا ويؤمن التواصل والمواعيد؟
•مديرة الكورال رولا أبو بكر وهي التي تضبط عمله. نحن لا نحتاج لكتابة النوطا، فأعضاء الكورال لا يتقنون قراءتها. بل يتلقنون النوطا وهذا أمر جميل بالنسبة لي.
○ كم هو عدد كورال الفيحاء؟ نساء ورجالاً؟
•قبل وباء كورونا وصل عددنا إلى 150. أدّى الوباء إلى تغييرات كثيرة. كان فرع بيروت يتلقى التدريب في حرم مدرسة لجمعية المقاصد الإسلامية الخيرية في منطقة البربير، حيث جهّزوا لنا المكان المناسب. لاحقاً سافر كثيرون من فرع بيروت، وكذلك من فرعي الشوف وطرابلس. تغيّرت ظروف الناس بسبب الأزمة الاقتصادية. وانضمّ إلينا آخرون، ونحن الآن بحدود الـ100 شخص. يتساوى تقريباً عدد النساء مع الرجال، وعادة النساء هنّ العدد الغالب.
○ التنقلات باتت مُكلفة فهل تتم على حساب أعضاء الكورال الشخصي؟
•صحيح. نحن لا نمتلك قدرة تأمين أي نوع من المواصلات. ولكننا نحاول دعم أعضاء الكورال كل حسب ظروفه.
○ جميعكم تمتهنون فعل التضحية إذاً؟
•فعلاً هم مضحون. على سبيل المثال فرع طرابلس يضمّ أفراداً من زغرتا وعكار ونهر البارد، وفرع بيروت يضم أشخاصا من الجنوب والجبل، وفرع الشوف يأتي أعضاؤه من عاليه وحمانا والإقليم مما يزيد من كلفة التنقل بسبب بعد المسافات.
○ بالإضافة إلى كلفة النقل العالية طرقاتنا تترصد موتنا كم يشغلك تنقلهم ليلاً؟
•يشكلون مجموعات للتنقل بعضهم مع الآخر. ونحن لا ننام قبل وصولهم جميعاً إلى منازلهم، حرصنا على كل عضو في الكورال نابع من القلب. نحن عائلة منظمة بأكثر مما يتخيل الإنسان.
○ هل من شروط محددة لقبول الصوت الغنائي؟
•كل من يملك موهبة الإستماع وإن بنسبة واحد في المئة نرحب به معنا، وليس بالضرورة أن يكون الصوت جميلاً. المهمّ هو الإلتزام بحضور التمارين. نعمل ثلاثة أيام في الأسبوع، وفي كل مرّة ما يقارب الثلاث ساعات ونصف الساعة. نجتهد لدمج الأصوات أحدها بالآخر. وإن أردنا المقارنة مع الآخرين، نحن لدينا المغنيين الأضعف. ولأننا نعرف هذا ونتقبله نبذل مزيداً من الجهود لتقديم الأفضل. كورال الفيحاء الذي شاهدته على خشبة مسرح المدينة لا يقرأ أحدهم الموسيقى. لكن التمارين جعلت ذائقتهم الموسيقية رفيعة جداً، وهم متطورون جداً في الموسيقى.
○ ادوارد طوريكيان موزع دائم للكورال؟
•كان الموزع الدائم لأغنيات الكورال، وحالياً بتنا نغني من توزيع جورج حرّو، وشربل أبي نادر، وهاني سبليني، وكريكور أراكليان وغيرهم. جميعهم يوزع الأغنيات العربية، إنما تبقى الخبرة الأكبر لإدوارد طوريكيان، وأسلوبه في التوزيع عربي بامتياز، فقد تمكن من بناء مدرسة جديدة في توزيع الموسيقى العربية.
○ هل ساهمت ولادة باركيف تاسلاكيان وادوارد طوريكيان في لبنان إلى هذا الذوبان في الموسيقى العربية؟
•ولدت وكبرت في عنجر، وقد لا تصدقين بأني كنت أكره الموسيقى العربية. عندما كنت أدرس الهارموني مع استاذي البروفسور ييرفانت ييرغانيان الآتي من أرمينيا، أخبرني أن أعظم موسيقى العالم هي العربية. استغربت أمامه وتساءلت يومها عن الأسباب. وعندما بدأت التقرُّب من الموسيقى العربية أكثر منذ سنة 2003 رحتت اكتشف عظمتها يوماً بعد يوم. وفي كل زيارة لي إلى أرمينيا التقي أستاذي مجدداً، وأشرح له جديداً تعلمته عن عظمة موسيقانا العربية. ثمة واقعة مؤثرة في حياتي فعندما سمعت «أنا أحمد العربي» لمرسيل خليفة وجدت نفسي منجذباً جداً إلى الموسيقى العربية، وهي بالتأكيد شكلت بداية لعملي الحالي مع كورال الفيحاء بفروعه كافة. لست مغرماً الآن بالموسيقى العربية بل أزحف نحوها حيثما كانت. إنها عشقي الأبدي. وقد انتقل هذا العشق إلى ادوار طوريكيان الذي اكتشف أيضاً عظمة الموسيقى العربية من خلال عمله على توزيع الأغاني لكورال الفيحاء.
○ نشر غناء الأكابيلا عربياً كما هو طموحك ألا ينصب العداء للآلات الموسيقية والموسيقيين؟
•لسنا مناهضين للآلات. نمطنا هو غناء الأكابيلّا. والأكابيلّا مصدرها CHAPEL فهذا الغناء كان يؤدى في الكنائس، موجود في العالم لكنه جديد على بلداننا العربية. لسنا مناهضين للغناء برفقة الآلات، لكن هذا نمطنا. غنينا مع الأوركسترا القطرية، والأوركسترا الشرق عربية اللبنانية وغيرها.
○ لماذا برأيك تبرّعت الجامعة الأمريكية بمنحكم فرصة تمرين فرع بيروت في حرمها؟
•إنها «منى حلّاق» التي نظمت مهرجان «الجار للجار لتروحن راس بيروت» علمت أننا نحتاج مكاناً للتدريب، مباشرة رحبت الجامعة الأمريكية. وقريباً جداً تبدأ التمارين في المكان الذي تمّ تخصيصه لنا. ونحن بصدد قبول جدد في كورال بيروت.
○ أعددتم حتى الآن تسعة من قادة الكورال. كيف لكم حق منح هذه الشهادات؟
•نحن لا نمنح الشهادات للأسف. شخصياً لا أملك شهادة، رغم كوني قائد كورال محترف، والسبب عدم حيازتي لشهادة البكالوريا القسم الثاني. درست قيادة الكورال على يد مختصين من أرمينيا، في لبنان وفي أرمينيا. وما زلت حتى الآن أسعى للتطوّر، فليس للعلم حدود. ليس بوسعي منح شهادة لأحد، لكن كورال الفيحاء له سمعته لجهة المستوى والإحتراف. للشهادات أهميتها بالتأكيد، إنما الفعل هو الأهم.
○ كيف تعرّفت إلى الموسيقى في عنجر ونعرف أن الأطراف فقيرة في هذا الجانب؟
•لا بدّ من العودة للبدايات حين كان والدي يعمل شيف الباتيسري في كازينو لبنان وتعرّض لحادث سير قاسٍ غير حياتنا. فقد قسم الكلام من دماغه، وبات نصف أخرس، ولاحقاً بدّل مهنته وبات مزارعاً. تحمّلت والدتي مسؤولياتها وامتهنت الخياطة، وعشنا فقراء. كان والدي يمتلك أوكورديون، بدأت العزف عليه حين اكتشفته، وكان العقاب «قتلة» من أمي التي قررت منع تعاطي الموسيقى التي لا تطعم خبزاً. لاحقاً اشتغلت على نفسي وبدأت فك رموز النوطا وقراءتها. وصدفة بدأت تدريب كورال الكنيسة وبالكاد كنت أعرف تحريك أصبعي. وعندما كنا بصدد حفل كان لا بد من قيادة الكورال. هكذا كانت البداية فيما كنت قبلها أعزف آلات النفخ جميعها. مع العلم أنني لم أقتن خلال طفولتي أي آلة موسيقية، فنحن كنا فقراء بمعنى الكلمة والحمد لله. سنة 1992 تمّ فتح صف قيادة كورال في برج حمود مع أستاذي المايسترو هاروتيون طوبيكيان، وكنت أول تلميذ بدأ معه وآخر تلميذ يتركه على مدار ست سنوات. كما درست الموسيقى مع الأستاذ يريفانت يرغانيان. بتّ محترفاً رغم كوني رغبت بأن تكون الموسيقى هوايتي فقط. تخلّيت عن مهنتي في مختبر الأسنان بعدما بدأت أتقاضى راتباً من بلدية طرابلس وتفرّغت للموسيقى.