المايسترو كريم وصفي: لو حكم الموسيقيون العالم العربي لحققنا نهضة تشبه حالنا قبل عشرة قرون

زهرة مرعي
حجم الخط
2

يعمل لمواجهة الحروب والإرهاب بالموسيقى

بيروت-»القدس العربي»: يقود المايسترو كريم وصفي الأوركسترا السيمفونية العراقية الوطنية منذ العام 2007 لكننا عرفنا صورته الأكثر شهرة على أنقاض مدينته الموصل يعزف التشللو، محاطاً بعازفين آخرين. إنسان وموسيقي يؤمن بالإيجابية الإنسانية والفكرية، ملؤه الأمل أن يتمكن من إحداث تغيير في حياة الناس المعذبين من حروب لم تتوقف منذ نصف قرن في وطنه. أنشأ مؤسسة الفن للسلام الدولية، بهدف إثراء مسار السلام المستدام من خلال قيم الجمال والإبداع. يعمل دون كلل من خلال الموسيقى لإعادة من دمّرت حياتهم الحروب وممارسات الإرهابيين إلى التواصل في المدى القريب، والتعافي في المدى الأبعد. ويؤكد بأن الجهاز العصبي شديد التأثر بالموسيقى.
أسس وصفي الكثير من الأوركسترات في العراق، ويومياً يدرّب آخرين ليعملوا إلى جانبه في تطبيق مفاهيم التعافي من خلال الموسيقى. فقد ساعد نهجه المبتكر آلاف الأشخاص في مناطق الأزمات على تخطي تأثير العنف والخوف من الإرهاب. وبات هؤلاء قادرين على التعبير عن امكانات التعايش السلمي من خلال الموسيقى والصوت والعلاج بالفن.
وإلى جانب الكثير من الجوائز التي نالها، فاز هذا العام بجائزة مبادرة تكريم للإبداع الثقافي.
هنا حوار مع المايسرو كريم وصفي:
○ في العام 2021 فزت بجائزة تكريم العربية عن فئة الإبداع الثقافي وقبلها نلت جوائز عدّة. كيف تنظر إلى الجوائز؟
• سيبقى لجائزة تكريم تقديرها الخاص وقيمتها المعنوية الكبيرة. فهي من الجوائز الرصينة التي تُعنى بالإبداع على مختلف توجهاته وأشكاله. وفي مثل الظروف التاريخية التي نمر بها لتلك الجائزة الكثير من الاهتمام والتقدير. فما نحن فيه عربياً ليس بمستوى منطقتنا السلوكي، والعلمي، والتاريخي. ومن أسباب اهتمامي بهذه الجائزة أن وجهاً آخر لنا مُغيب من الضوء محلياً ودولياً كذلك. أنها الثقافة والعلوم، حيث الإبداع غير مُقدر على الإطلاق ليس من باب النشر وحسب، بل من باب الدراية بما يحدث. لهذا أتى النفس الإيجابي من القائمين على مبادرة تكريم، ومن الذين سبق تكريمهم من قبل المعنيين بها ليفرض حضوره الجميل. إذاً تقديري لهذه الجائزة متعدد الأوجه ويشمل كل ما تقدمت به.
○ من صورك المعمّمة عزفك مع فرقة موسيقية على أنقاض الموصل، كانت إضاءة لافتة وسط صور الحرب والتفجيرات. لماذا برأيك الصور المؤلمة تتصدّر كل ما عداها؟
• إذا تكلمنا بلغة المصالح وسيكولوجية المعلومة بحسب مكانها، نرى الاهتمام غير متوازن وخجول بإتجاه الإيجاب. التركيز يتجه نحو الشحن، والأخبار السلبية، والفعاليات الجبهوية أو التصادمية، وأحياناً أخرى التعبوية. عاصرت حروباً كثيرة في المنطقة وصواريخ وقنابل وانفجارات، وسمعت أحياناً صوت صافرات الإنذار وسيارات الإسعاف أكثر بكثير من سماعي للسيمفونيات أو غيرها من أنواع الموسيقى. ومنذ فترة طويلة أخذت على نفسي قراراً بالتركيز على الجانب الإيجابي والذي فيه تعافي، وفيه انتباه وتقدير للحالات الإيجابية كفعل، وليس فقط رد الفعل. من منطلق التأثير الجماعي ودون اجبار أحدهم على أي من أطوار الموسيقى، فالموسيقى هي لغة كونية جاءت من الصوت ولها علاقة بالخلق والخليقة. لقد ركزت على الجانب الإيجابي في الحياة، وفيه إتّزان، ويحترم كافة الثقافات حتى المتباينة منها.
○ منذ منتصف العقد الماضي وأنت تعزف موسيقاك العلاجية في العراق. كم اهتم الإعلام بالموسيقى المؤثرة إيجاباً على الجهاز العصبي وماذا عن إقبال الناس؟
• أقبل الناس بنسبة أكبر وأشمل بكثير من الإعلام على الموسيقى. بالتالي المستفيد والمتلقّي هو المجتمع بمختلف شرائحه الأكاديمية والعلمية والثقافية وحتى المجتمعية سلوكياً. كانت علاقة مباشرة شديدة وعميقة ومؤثرة وإيجابية مع المتلقي كمجتمع. المتلقي الإعلامي كان موجوداً، ولا أعتقد أنه كان بمستوى ما كان يُقدّم. ما زلت أقدم الموضوع نفسه، إلى جانب أدوار أخرى من العمل الموسيقي الثقافي. وهذا فيه نوع من الغرابة أحياناً، ونوع من التواصل الواضح. تلك الموسيقى التي قدمناها ونقدمها لا تهدف للترويح عن النفس فقط، بل هي علمية وأكاديمية وعلاجية. فحوى ممارسة تلك الموسيقى العلاجية سيبقى من ضمن الأولويات. إذاً إلى مواجهة الحروب والتفجيرات بالموسيقى كان الجانب الأكاديمي والعلاجي هو الأساس، وهو في الوقت نفسه ممارسة تؤثر إيجاباً على السلم المجتمعي. كما أنها تمنح المتلقي مساحة من الخيارات، وتُطمئنه. فهو يتعامل مع تلك الموسيقى سواء في السلم أم الحرب بشكل فيه تعافي، وتركيز حتى على مستوى اتخاذ القرار الشخصي.
○ إذاً من ضمن الأهداف التي تركز عليها موسيقاك التأثير الإيجابي على الجهاز العصبي. أين تتواجد مع موسيقاك؟ وهل بدّلت في حياة الأفراد؟
• ما تحقق ليس بمستوى الطموح بكل تأكيد، فالدعم غير متوافر. رغم أن هذا الجانب الموسيقي يتضمن جانباً أكاديمياً ويدخل في الدراسات العليا لجهة شموليته، على صعيد الربط بين الجهاز العصبي ووظائف الدماغ والسلوك المجتمعي. إذاً هي مسألة مرتبطة بالمجتمع افقياً وعمودياً، فهو المستفيد. وكذلك حال السلام المستدام، والحالات الأكاديمية والثقافية والفنية لمختلف مستويات المجتمع وأعماره وأجناسه. مع غياب الدعم هناك جهود مضنية بحيث يأخذ هذا الجانب حقه في المجتمع. ظهرت مراكز أخرى على شفى ما أعمل، لكن مركزنا له ريادة الاستمرار في العمل منذ 2008 وإلى الآن. ليس من زمن بعيد أنشأنا الأوركسترا الرابعة، إضافة إلى أوركسترا الموصل منذ سنة 2018. وأوركسترا شباب البصرة التي يقود عملها سيفان سورين وهو من طلبتي.
○ قرأت أنكم تهتمون بمناطق شهدت من المجازر ما يفوق قدرات العقل. ناس تلك القرى أو المدن ألا يحتاجون لتكامل علاجي بين نفسي وموسيقي؟
• من ناحية إنسانية نقول لدى وقوع المصيبة الكبرى من المستحيل الرجوع إلى الوراء لدرء مخاطر ما حدث بعدها. من وجهة نظري فإن مفهوم التعافي فيه جوانب قريبة وبعيدة الأمد. في التعافي الآدائي محاولة إعادة الشخص ليكون طبيعياً في حالة التواصل مع النفس ومع المجتمع. عمِلنا مع العائلات التي تأثرت بالإرهاب والقتل والتهجير، وذلك بالتعاون مع الحكومة الكندية. أنجزنا دورات للنساء، وتحديداً اللواتي عشن تعنيفاً وعنفاً ناتجاً عن ما حصل. وهنّ أرامل وفتيات وأمهات من المناطق التي وقع عليها الحيف نتيجة العمليات الإرهابية، ركزنا معهنّ باتجاه التعافي النفسي والتواصل. هنّ من سوريا والعراق، ومن مختلف مكونات الشعب العراقي. إذاً هو التواصل على المدى القريب، والتعافي على المدى البعيد. في الموصل التي شهدت الحيف الكبير تمّ تكوين أوركسترا سميت الفارابي، والهدف منها التواصل أولا ومن ثمّ التعافي. وفي خلال اهتمامي هذا وجدت دوراً وتأثيراً للهوية الثقافية على الناس، حيث شعرت الكثير من العائلات أن هويتها الثقافية هي التي تُمحى، وليس فقط التقاتل من خلال الأيديولوجيا والمشاكل السياسية المختلفة.
○ تؤمن بالفن من أجل السلام أليس هذا تعبيراً سوريالياً عاطفياً وغير واقعي في عالم تجارة السلاح والمخدرات والرقيق؟
• هو ليس كذلك. أعتقده واقعياً جداً ونتائجه ملموسة. سؤالكم السابق حول المعيار والمقياس مهم جداً فيما أقدمه. كان المجتمع مقبلاً جداً على ما أقدمه، وما زال رغم اختلاف الأدوار والمسببات. لكن لغة السلاح والمال أكبر بكثير على الصعيد الاقتصادي، من لغة الفن والسلام. إنما تأثير الفن للسلام أكبر بكثير من تجارة السلاح والمخدرات وغيره. لا أعتقد أن الفن للسلام مفهوم خجول باتجاه الحدث والمشكلة. سوريالية الفن للسلام يمكنها أن تُشكّل أساساً حياً وقوياً ومتيناً للاستثمار الناجح والتعافي.
○ قلت بأنك حاربت القنابل بالموسيقى والفن. هل دَعَمت إيجابيتك الإنسانية هذا التصميم في مواجهة شرور الحروب؟
• هذا أكيد، إنما لا يقتصر الأمر على ذلك، فالتجربة بات فيها طلائع الخيار للجميع. نجاحها ليس صدفة، هو التصميم والعمل بجهد عالٍ لتحقيق الهدف. والأهداف عندما تكون سامية وإيجابية ومهمة تتحق. وأهم الأهداف المحققة هي الخيار. ولهذا قلت أننا أقوى من القنابل عندما استطاع كثر الإنحياز للسلم عوضاً عن الإقتتال والإحتراب. الإنحياز للسلم يساهم بالتعافي عوضاً عن اختزال الآخر وقتله وقتل النفس. وهذا كان مبشراً.
○ إن كنت منزعجاً من حدث أو مشهد ما فهل لك المساهمة بتعميم التعافي؟
• يتم ذلك من خلال التواصل الفكري مع النفس ومع الآخر، ومن خلال العزف والآداء الجماعي، وبغض النظر عن نوع الأطوار كلاسيكية كانت أم مقامات أم شرقية أم إرتجال. وفي الوقت نفسه إعطاء فرصة للمتلقي ليعرف أو لتعرف، أن وجوده/ ها هو من ضمن منظومة كونية كبيرة. وبالتالي اقتصار المؤثر العلاجي على أن يكون هو ضمن الحدث سنداً إلى أنه مهدد/ة بسبب حالة سياسية أو غير ذلك. وهكذا يجد الإنسان نفسه من ضمن هذا الخيار، وأنه جزء من منظومة كونية كبيرة وليس فقط رقم لمشاكل سياسية. تنمية الامكانية الفردية بالتالي تخلق هذا الفسيفساء الواسع من الطاقة الإيجابية، التي تُعطي الدفع المعنوي لتواصل الحياة والابتعاد عن الهزيمة النفسية. نعرف أن في الموت حتمية، لكن خوض هذه التجربة في بلدان ليس فيها حروب، يشكل مباشرة كبيرة نحو التنمية الفكرية. فهذه التجربة ليست مخصصة فقط للأزمات. فالتنمية الفكرية بإتجاه أن يكون المجتمع متعافياً ومتصالحاً مع نفسه ومع الآخر، فعلى المدى البعيد ستؤسس لمنظومة فكرية ونفسية تربوية وسلوكية، فيها وعي وإدراك.
○ أظنك تحتاج لمساعدين كي تتابع دربك في تعميم التصالح الذاتي والسلام الداخلي. فهل درّبت مساعدين؟
• نعم هم شابات وشبّان بدأوا مهماتهم، وأنا في طور التفكير للبحث مع جهات لها رغبة التعاون على إنشاء مركز للتعافي من خلال الصوت. أرغب بنشر هذه المراكز في أماكن مختلفة من العراق. هناك نقاش مع المؤسسات الدولية من أمم متحدة وسواها. تأهيل المدربين مهمة نقوم بها حيثما وأينما كان لها سبيلا، وتتم يومياً وليس ظرفياً. نحن في خلية عمل يومية للتأسيس. الزمن الذي نمارسه بكلاسيكية شديدة خارج نطاق قناعاتي، فنحن من يصنع الزمن.
○ لو ترك للموسيقيين تسيير شؤون العالم العربي فكيف تتصوره بعد 10 سنوات من الآن؟
• لو تركت المهمة للموسيقيين ومعهم قادة أوركسترا متميزين استلام الدّفة، فعلى أقل تقدير أعتقد أننا سنصل لحالة تشبه حال منطقتنا قبل عشرة قرون. مرحلة تخللتها النهضة العلمية والفكرية في بغداد والتي انتشرت في أرجاء المعمورة بشكل واضح وصريح. حضارة غلبت عليها الترجمة لكنها كانت الحاضنة. احتضنت بغداد الثقافة والعلوم من مختلف أنحاء العالم، وسارت بين فلسفة ابن سينا والفارابي وابن خلدون. وكثير من الفلاسفة والمفكرين اعتمدوا على أعمالهم والتي ظهرت لاحقاً في الفكر الفلسفي الأوروبي. عندما دخلت أوروبا عصر الاقتتال المظلم، كانت منطقنا في نهضة على المستوى الثقافي والعلمي والأكاديمي. بأقل تقدير نحن نقود من خلال تعاوننا هذا حالة من النهضة ليس للاقتتال مع حضارات أخرى بل للتكامل. وأعتقد أننا سنتجه نحو حالة تعافي إقليمي على مستوى الشعوب. فالعولمة جعلت الشعوب تتماشى مع بعضها أكثر من السياسيين، خاصة في ظل وسائط التواصل الاجتماعي، لهذا أعتقد أننا سنشهد نهضة اريد لها أن تُختزل أو تختفي، أو أن لا تكون ضمن الحسابات الدولية لأسباب كثيرة ودون نظريات مؤامرة. وأعتقد أننا كعالم عربي سنتجه نحو نهضة فكرية وإدراكية وتوعوية على أقل تقدير بالنسبة للشعوب وحتى السياسيين.
○ حضورك دائم إلى جانب التشيللو هل من آلة أخرى يستهويك صوتها؟
• كجواب متسرّع لا. يضحك ثم يقول: التشيللو من الآلات القريبة على النفس البشرية لأسباب علمية ونفسية نتيجة مساحتها الصوتية. إلى جانبها أحب الهارب، والكلارينات، والبيانو وأحب صوت الأوركسترا السيمفونية بكافة آلاتها واعتبرها آلة واحدة. بالنتيجة الموسيقى هي جزء من منظومة الصوت الكونية وإعادة تعبير للصوت البشري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية