هناك دائما شيء في القصة القصيرة يجعلها بالتأكيد مختلفة عن الرواية، يتأسس ذلك الشيء في بدايتها الأولى، وفي اقترانها بالشعائري والعقائدي، وارتباطها بالتجريدي، وهذا يجعلها أقرب إلى الشعر في عنايتها بالحدث اللافت المضيء بعيدا عن النمو المطرد. والقصة القصيرة في ظل ذلك بنية ساكنة ترتبط بالثبات أكثر من ارتباطها بالحركة والنمو، لأن حركتها ذهنية داخلية مشدودة للحدث في تجليات سابقة وآنية، مما يجعلها في معانقتها للمعرفي تحدث زحزحة وانفتاحا لحدودها الزمنية، فيصبح الزمن دائريا ذا خصوصية.
وفي العقود الأخيرة – بعيدا عن التجليات التراثية – تأصلت أشكال سردية في مساحات التداخل بين الأنواع الأدبية، وذلك من خلال الجمع بين آليات أكثر من فن، ليكون لدينا شكل له خصوصية. من بين هذه الأشكال السردية المتتالية القصصية التي يعتبرها البعض نوعا فرعيا قائما بذاته، لأن دارسي الفن الروائي لا يعتبرونها رواية بالمعنى المتداول والمستقر لديهم، ولا يعتبرها كذلك دارسو القصة القصيرة داخل حدود القصة القصيرة، وذلك لكونها تجمع بين جزئيتي الانفتاح والانغلاق، وبين النمط الكلي وما يوجبه من تداخل، والجزئي وما يسدله من حدة فارقة وصلبة بين الجزئيات. وهذه الأشكال البينية وثيقة الصلة بالسيولة النوعية في محاولة البحث عن أشكال جديدة تتعاظم على الحدود الجاهزة، لتأسيس بنية خاصة فيها من التماوج والمطاوعة مما يجعلها نوعا خاصا، يتطلب بالضرورة آليات مقاربة جديدة.
والكتّاب – في بعض الأحيان – انطلاقا من سياقات حضارية يتولّد لديهم رغبة ملحة في إنجاز شيء كلي موحد في المجموعة القصصية، حيث يظهر فيه الاتساق أكثر من التنوّع، ولكنهم حذرون في الوقت ذاته من كتابة الرواية بآلياتها المعروفة والمحددة، ومن ثم يجدون بغيتهم في شكل المتتالية التي تسمح بآليات فنية لتنضيد الوحدة والتنوّع في آن. وقد أشار جيرار لينش إلى أن شعبية المتتالية القصصية تزامنت مع صعود الحداثة في الأدب، أي في الفترة التي كان تأثير داروين وماركس وفرويد وأينشتاين محسوسا بشكل تراكمي، وكانت جميع الأنظمة التقليدية في الأدب – ومنها الرواية الواقعية – داخل مراجعة مزعزعة، وفي ظل هذا السياق ينظر إلى المتتالية على أنها نوع من المقاومة للرواية الواقعية، وتفتيت للسلسلة السردية الطويلة من المكان والزمن والشخصية والحبكة.
تتشكل قيمة المتتالية بوصفها شكلا أدبيا خاصا فيما تتيحه من مقاربة فنية تتمرد على البنية الرأسية الواقعية في تقصيها وتمددها واكتمالها، فتتحوّل إلى مقاربة أفقية تتوسّل بالتكرار لتنضيد الإيقاع الخاص، وللوصول إلى معنى أو دلالة لا يمكن الوصول إليها من التعامل مع القصص بشكل منفرد بوصفها بنيات مغلقة. فمن الجزئيات الجيدة التي يتيحها شكل المتتالية كونها تتيح للكاتب بناء قائما على التكرار والتوازي، يمكنه من المقاربة وإعادة المقاربة في صور عديدة للإمساك بإيقاع حركة لشخصية أو مجموعة شخصيات، أو نمطية خاصة بمكان أو مجتمع.
حدود النوع
ثمة فروق أو اختلافات بين المتتالية القصصية والرواية، يتمثل أهمها في غياب المركزية السردية في المتتالية وحضورها في النص الروائي، والمقصود بالمركزية هنا تراكم الحدث وتتابعه، سواء أكان خطيا أو غير خطي في أفق وتوجه محددين من خلال الشخصيات أو الحبكات أو التيمات. فالفارق بينهما لا يرتبط بالخطية، وإنما في وجود بنية محددة الأطر والتوجهات يتراكم حولها السرد، وهذه البنية متحققة بصورة مباشرة في النصوص الروائية، ولكنها في المتتالية تتطلب فعلا من أفعال التأويل، للوصول إلى الوعي وتشكيل ملامحه وحدوده، وإذا كانت هذه الكتلة المركزية تتحقق في الرواية بالنمو السردي، فإنها في المتتالية تتحقق بفعل التكرار لإحداث إضافة داخل بنيات سردية تلحّ على جمعها واستحضارها وسبكها داخل نسق تأويلي موحّد، وأحيانا يكون التكرار ماثلا في شخصية أو في خطاب أو في مكان أو في استعارة لها تكرار لافت.
المتتالية القصصية هي مجموعة من القصص المترابطة التي تحتل موقعا في المنتصف بين المجموعة القصصية والشكل الروائي المستقر، فهي تتكون من قصص مفردة، لكنها مرتبطة ببعضها البعض، وتتحقق في مساحة الريب بين الوحدة الكلية والتفتت، ويمكن جمع شتات هذا التفتت من خلال معاينة البنيات التكرارية مثل المكان أو الشخصيات أو الموضوع.
وفي تحديد النوع الأدبي وتشكيل خصوصيته يقابلنا أول تحديد للمتتالية من خلال الجهود الرائدة لفورست إنجرام عام 1971، حيث يعرّف المتتالية (بأنها مجموعة من القصص القصيرة ترتبط ببعضها البعض من خلال مؤلفها لدرجة أن تجربة القارئ على مستويات مختلفة يعدّل فيها بشكل كبير). فالمؤلف حين يتوجه إلى هذا الشكل الكتابي الموزّع بين الانفتاح والإغلاق لا يخلو توجهه من قصدية في مقاربة السياقات الفردية والجماعية، في إطار بنية حافلة بالانقطاعات الدالة على معنى عام أو إيقاع، لا يتمّ التوجه إليه في إطار بنية واقعية نمطية، ولكن من خلال بنية خاصة تولّد تشابهات وتوازيات داخل هذه الانقطاعات تشعرك بالتجاوب والتكامل والانفتاح.
أما الجزئية الأهم في تحديد إنجرام فترتبط بدور القارئ في معاينة الاكتفاء والفرادة والتداخل في الآن ذاته، لأن تحديد النوع أو الشكل الأدبي يرتبط أساسا الآليات التي تتطلبها عملية القراءة والتأويل، فاختيار التعامل مع الوحدة أو الكلية أو الجزئية أو الفرادة في امتلاك مركز داخل كل قصة من قصص المجموعة هي آلية قراءة في الأساس. وإذا كان هناك اتفاق بين معظم النقاد على أن المتتالية القصصية تتشكل في حدود هذا التوتر، فإن المقاربات النقدية التي تناولت الأعمال المهمة لذلك الشكل الفني مثل «أهل دبلن» لجيمس جويس، و«حياة البنات والنساء» لآليس مونرو، و«نادي البهجة والحظ» لآمي تان قد كشفت عن أن هناك خلافات جوهرية تتصل بالأسس البنائية أو التيمات الدلالية التي تصلح لزحزحة الفرادة الجزئية لكل قصص المتتالية.
وقد أشار إنجرام في كتابه التأسيسي إلى وحدة المكان أو الفضاء أو الشخصيات داخل القصص التي تشكل متتالية قصصية، وقد تابعته سوزان جارلاند مان في التأسيس لثلاث جزئيات فاعلة في الإحساس بالمتتالية وتشكيل عوالمها، تتمثل في المكان والشخصية والموضوع، وتصل إلى إشارات تجنيسية عامة يمكن أن تكون أداة لوضع أو لضم مجموعة قصصية داخل حدود المتتالية القصصية، بما تمنحه من تماسك وترابط وتسلسل يضمن تطورا داخل القصص مما يسهم في تذويب الجزئية والبؤرة المركزية لكل قصة.
إيقاع التكرار والتأويل
إن الشكل الأدبي حين يتأسس في سياق ما يتأسس لأنه يؤدي إلى مقاربة من نوع خاص، في محاولته الإمساك بدلالة من نوع خاص وفي إطار محدد لا يتم الوقوف عندها في نمط السرد الواقعي المعهود. فهناك منحى دلالي يولده هذا البناء القائم على التكرار والتتالي، وكأنه إيقاعات موسيقية متداخلة ومتعانقة، ولكنها في تداخلها وتعانقها تأخذ أشكالا بها مساحات من الاختلاف ومساحات من التطابق، فيظل مشيرا إلى تشكلات سابقة، من خلال جذع مغذ لحركة المعنى.
والإضافة التي يولدها البناء- بعيدا عن زحزحة الواقعي وتراتبه في عدم عنايته بالتمدد الرأسي والاكتمال – تتمثل في كونه يعنى بالآني في تشكله اللحظي وتداعياته وترابطاته، بما يقدمه من بناءات متوازية أفقيا على اختلاف مظاهرها. والحكم على قيمة المتتالية القصصية فنيا يجب أن يتشكل في حدود الكشف عن دلالة لا يمكن أن يؤديها السرد الروائي الواقعي الممتد، ولا يمكن للقصص داخل المجموعات القصصية التي تشمل بناء مغلقا على مركزية دلالية أو نواة خاصة بها، فهناك وظيفة تكاملية يجب أن يتمّ استيلادها من الشكل البنائي الخاص بالمتتالية.
وإذا كانت المتتالية القصصية تقوم بنائيا على الجزئيات التي تعطيها التماسك والترابط، فإن قيمتها الفنية المضافة أو المولدة من هذا الشكل القائم على التفتيت المتوازي. وهذا الشكل يتحقق في أعمال عالمية كثيرة، وفي أعمال عربية مثل «في مستوى النظر» لمنتصر القفّاش، وفي «غرفتان وصالة» لإبراهيم أصلان، وفي «أخبار الرازي» للتونسي أيمن الدبوسي. وكل هذه المجموعات تستند إلى المكان بوصفه المرتكز الأساس لهذا الشكل المفتت والمجزأ، فالمكان – والشخصيات الثابتة التي تتحرك في إطاره – في المجموعات الثلاث وسيلة الترابط والخروج من الأفق المغلق إلى الأفق المفتوح، فهو مؤطر مساحات الترابط والتداخل بين القصص، ويشدها إلى دلالة أكثر عمقا، قد لا تقدمها القصص في حالات الوحدة المغلقة والإفراد.
فالمكان في مجموعة إبراهيم أصلان (حجرتان وصالة) يشكل الأفق المحدد للحركة، فكل قصص المجموعة رصد للحركة داخل هذا الإطار الضيق المحدد، وإذا خرج السارد الثابت في كل قصص المجموعة يكون في حيز قريب من هذا الإطار الذي يعنى نتيجة للأفق وضيقه بإعادة رصد وإقامة مساحة اتصال مع الأشياء اليومية البسيط التي لم يكن السارد ينتبه إليها سابقا، وذلك لانفتاح الفضاء وتعدده، فالسارد في قصص المجموعة يؤسس اتصاله بالعالم وبالأبناء وبالحاجّة (زوجته) في إطار لحظة زمنية ذات خصوصية.
فما تقدمه المتتالية لا يرتبط بتقديم حكاية أو حكايات مكتملة، لكنها لقطات جزئية خاصة بمراقب مشارك، فنراها جزئيات سابحة داخل عالم تكشف عنه بمنطقها الخاص من خلال آلية التكرار العادي للحركة والسلوك، ولكنها بالرغم من جزئيتها تلحّ على صناعة أفق بشكل مجزأ تنبع قيمته من رصده المطعون بالنقصان وعدم الاكتمال.
فالبناء هنا لا يقوم على الاختيار وتتبع شخصيات منتقاة ومحددة، ولكنه يقوم على المسح الأفقي الشامل للداخل بظواهره المتوازية الكاشفة عن الخارج بأنماطه الضاغطة، ويترك شخصيات هذا المسح على حالها في تأمله اللحظي دون عناية كبيرة بالنتيجة المنتظرة. وفي ظل ذلك تحدث الزحزحة من الداخل للخارج، فيعاين من خلال هذه المساحة الزلقة من التداخل أشياء عديدة، وثيقة الصلة باللحظة الحضارية، فالمكان هنا مكان مجرد نافذة للتأمل لكي يطل على سياقه العام، وعلى الحياة بتنويعاتها المختلفة.
إن المتتاليات القصصية في (أخبار الرازي) لا تكفّ عن الإشارة إلى الخارج من خلال التماهي والزحزحة بين الداخل والخارج، ولكنها في الآن ذاته لا تتجلى بعيدة عن حدود الوجود الذاتي الفردي في مجابهة العالم الذي لا يستطيع السارد الوصول إلى فهم دقيق له، أو إلى استيعاب منطلقاته التي تندّ عن الفهم المنطقي في ظل أنساقه القائمة على الجور.
هذه الدلالات المضافة وثيقة الصلة بنوعية الرصد والمقاربة الفنية، وطبيعة النوع، وتشكلات العالم الذي لا يمكن فهمه بشكل دقيق إلا من خلال هذا التناول الجزئي المفتت الذي يشير إلى التوازيات بوصفها إشارة دالة على تداعيات الخراب في سياق الفرد والمجموع.