دمشق – «القدس العربي»: تمتلك فصائل المعارضة السورية الإمكانيات والقدرات التي تتيح لها الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد ضد الحلف الروسي – الإيراني – السوري، الذي يقود الحملة الرابعة على إدلب والأرياف الملاصقة بها في حماة واللاذقية، شمال غربي سوريا، إذ تعول المعارضة المسلحة على قدرتها في تشتيت جهود الثالوث العسكري، ورفع التكلفة عليه بهدف تقويض قدراته العسكرية على المستوى البشري والاقتصادي واللوجستي، وذلك وسط تجاهلها لموقف الضامن التركي الذي لن يدخل في مواجهة عسكرية لنصرتها في الوقت الراهن على أقل تقدير، معلناً تمسكه بنقاط جيشه المنتشرة في المنطقة، وعدم سحبها أمام التقدم الروسي، وهو ما برز في تصريحات وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أمس، عندما قال إن بلاده لن تخلي بأي شكل من الأشكال نقاط المراقبة الـ12 في منطقة خفض التصعيد في إدلب، شمال غربي سوريا.
وأضاف خلال اجتماع عقده في ولاية هطاي جنوب تركيا، مع قادة الوحدات التركية المتمركزة على حدود سوريا، بحضور قيادات الجيش، على خلفية التطورات في إدلب، أن تركيا تبذل جهودًا حثيثة ليلًا ونهارًا من أجل منع حدوث مأساة إنسانية في هذه المنطقة، وتقدم التضحيات لإنهاء المآسي والكوارث في المنطقة، وأضاف «ننتظر من روسيا في هذا الصدد، أن تستخدم نفوذها لدى النظام في إطار التفاهمات والنتائج التي توصلنا إليها خلال اللقاءات، وممارسة الضغط عليه لوقف الهجمات البرية والجوية».
مستقبل نقاط المراقبة
ومع بروز تغيّرات جوهريّة على خارطة محافظة إدلب ومحيطها، ودخول نقطتي مراقبة ضمن مناطق نفوذ النظام السوري بعد أن فرض هذا الأخير تغييراً على خارطة النفوذ خلال عام 2019، بسيطرته على القطاع الجنوبي لمنطقة خفض التصعيد، يعتبر المعارض السياسي محمد سرميني ان ردّ فعل تركيا على الخارطة الميدانية الجديدة، ورفضها إخلاء نقاط المراقبة مع تأكيدها على إجراء تفاهم مع روسيا يقضي بفتح الإمدادات بين جميع النقاط، قد شجّع النظام السوري على اتّباع التكتيك العسكري نفسه بما يؤدي لإخضاع المنطقة العازلة المنصوص عليها باتفاق سوتشي (2018) لسيطرته بعد تجاوز عقبة نقاط المراقبة المنتشرة داخلها وترك مناقشة مستقبلها لمرحلة مقبلة، لاسيما بعد رفض تركيا إخلاء نقطة مورك شمال حماة.
مقتل مدنيين بغارات روسية – سورية ونزوح 20 ألفاً من إدلب
وقال المعـارض السيـاسي لـ «القدس العربي» أنّ سـيطرة النظـام السـوري على المنطقة العازلة أنهت فعليّاً مهام نقاط المراقبة التركيّة وقد لوّح بذلك وزير خارجية النظام وليد المعلم عقب لقاء جمع الطرفين في موسكو نهاية عام 2019، حيث قال إنّه لا بدّ لأنقرة أن تتساءل عن جدوى بقاء نقاط المراقبة بعد انتهاء سيطرة المعارضة على المنطقة، موضحاً ان المهام المناطة بنقاط المراقبة يتلخص بـ «رصد الخروقات والانتهاكات على خطوط التماس – القيام بتجميد العمليات العسكريّة الهجوميّة مع الاحتفاظ بحق بالردّ على مصدر إطلاق النار في حال وجود خروقات. ومراقبة نشاط هيئة تحرير الشام والتنظيمات الجهادية لحين تنفيذ التزاماتها بحل ملفها جميعاً – ضمان الحركة التجارية على الطرق الدوليّة الرئيسيّة والفرعيّة تمهيداً لمرحلة الانتقال السياسي – تبادل المعلومات والبيانات اللازمة وتقديمها لمركز التنسيق المشترك». وبالفعل أظهرت نقاط المراقبة قدرة على تنفيذ مهامها باستثناء البند الأخير وذلك المرتبط بمراقبة أنشطة التنظيمات الجهادية».
ووفقاً لرؤية المتحدث فإنّ التواجد العسكري التركي عموماً وفاعليّة نقاط المراقبة خصوصاً يُفترض أن تنبع إّما من أرضية قانونية وهو ما حاولت تركيا وما زالت إيجادها عبر التفاهم مع روسيا على أمل تحويل المذكّرات إلى اتفاقيّات راسخة معترف بها إمّا من الأمم المتحدة أو الحكومة السوريّة، وهنا تبرز «اتفاقية أضنة» وهي إطار غير متوفّر في حالة إدلب، ما يضعها أمام ارتباك حول مصير نقاطها مستقبلاً. أو بيئة محليّة مستقرّة، أي القبول المقترن بدعوة القوى المحلية لها، وهو ما تجادل تركيا به لتبرير تدخلها، لكنّ انتقال انتشار نقاط المراقبة إلى بيئة محلية خاضعة للنظام السوري القادر على توجيهها يجعل هذا المبرر مفقوداً، ويضعها أمام المطالبة المستمرة بخروجها كقوّة أجنبية غير شرعية وغير مرحّب بها شعبيّا.
خيارات الفصائل
في ظل الحملة الرابعة التي تشهدها محافظة إدلب ومحيطها للنظام السوري بدعم جوي وبري من روسيا وإيران، والتي بدأت منذ نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2019، عبر القصف العنيف وتوغل النظام السوري في أكثر من 40 قرية وبلدة، تنحصر خيارات الجيش الوطني في المنطقة في المواجهة وحرب الاستنزاف وهو ما عبر عنه المتحدث العسكري باسم الجيش الوطني لـ»القدس العربي» حيث قال ان الهجمة الشرسة وسياسة الارض المحروقة بدعم الميليشيات الايرانية، تضعان الفصائل الثورية وكل القوى العسكرية والثورية المتواجدة في المنطقة في المواجهة العسكرية ووحدة القرار.
وأضاف الرائد يوسف الحمود لـ «القدس العربي»: «بناء عليه سعينا منذ البداية كفيالق الجيش الوطني المنتشرة في الشمال، إلى ارسال مؤازرات إلى غرفة عمليات الجبهة الوطنية للتحرير، كونها المكون الاساسي الذي يقاتل في ادلب، حيث وصلت منذ ايام عدة بعض الارتال، كما وصل أمس الاثنين رتل مؤلف من 250 مقاتلاً من الفيلق الثاني، وسوف تستمر هذه الارتال خلال الايام المقبلة».
الوضع الميداني
واعتبر ان «الخيار الوحيد هو الدخول في معركة استنزاف» وقال المتحدث العسكري باسم الجيش الوطني، ان حرب الاستنزاف سوف تكون مؤثرة جداً لضرب المشاريع الروسية، وقد تكون ناجعة لجر الطرف الآخر لطاولة المفاوضات بأقل شروط وممكن ان تكون بشروط يضعها الطرف المقاوم، وأضاف «المقاومة وحدها كفيلة برفع التكلفة على الروس، وجعل الفاتورة ضخمة في طريق تحقيق هدفهم في المنطقة، فحروب الاستنزاف تكون ناجحة بإمكانيات عسكرية بسيطة وتكون قادرة على تحقيق خسائر فادحة في القوات المعادية». وأضاف، لن نستسلم وسنقاوم الهجمة الشرسة وخاصة في ظل الصمت العربي والدولي المستمر رغم وطأة القتل الممنهج لأهلنا في ادلب.
وقتل مدنيان أحدهما طفل، أمس، جراء غارات جوية للنظام السوري وروسيا على مناطق سكنية تقع داخل منطقة خفض التصعيد بإدلب، شمال غربي البلاد. وأفادت مصادر الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في إدلب، بمقتل أحد عناصره إضافةً لطفل، في القصف الذي استهدف المدنيين في مدينة معرة النعمان. وذكرت أن فرق الدفاع المدني تواصل عمليات البحث والإنقاذ في مناطق القصف، ونقل المدنيون المتضررون إلى مناطق آمنة.
وقال مرصد الطيران التابع للمعارضة السورية، إن مقاتلات روسية شنت غارات جوية على قريتي كتيبة مهجورة، وتلمنس، بمحافظة إدلب. وأضاف المرصد، أن طائرات مقاتلة تابعة للنظام قصفت مدينتي معرة النعمان، وأريحا، ومختلف القرى بإدلب، من قبل معرشورين، وتلمنس، وغيرها. من جهة أخرى، تواصل المقاتلات الروسية قصف الطرق التي يستخدمها النازحون للتوجه نحو المناطق القريبة من الحدود التركية.
وعادت المقاتلات الحربية الروسية لتصعيد قصفها الجوي على محيط ادلب، مع تحسن الأحوال الجوية، حيث شنت صباح الاثنين نحو 19 غارة استهدفت خلالها البلدات القريبة من الاوتستراد الدولي وهي «الايكاردا وأم عتبة والشيخ أحمد وتل حدية وزمار بريف حلب الجنوبي، ومعرشورين ومحيط الغدفة بريف معرة النعمان». وحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، فقد تسببت الغارات الجوية بسقوط 4 جرحى في الايكاردا بينهم سيدة، كما استهدفت طائرات النظام الحربية بلدة تلمنس في ريف إدلب الجنوبي الشرقي. في غضون ذلك، تواصل قوات النظام استقدام التعزيزات العسكرية إلى محاور أرياف حلب الجنوبية والغربية، حيث وصلت خلال الـ 48 ساعة الفائتة عشرات الآليات العسكرية المحملة بالجنود والأسلحة والذخائر إلى الريف الجنوبي لحلب وضواحي المدينة الغربية.
نزوح جماعي
وتسبب القصف بحركة نزوح جماعي حيث فرّ نحو 20 ألف مدني سوري نحو مناطق قريبة من الحدود التركية خلال الساعات الـ48 الأخيرة، جراء هجمات النظام السوري وحلفائه على إدلب. جاء ذلك في تصريح محمد حلاج، مدير جمعية «منسقو الاستجابة المدنية في الشمال السوري» المعنية بجمع البيانات عن النازحين، الاثنين حسب الاناضول.
وأضاف، أنه منذ بداية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وحتى اليوم بلغ عدد النازحين الهاربين من الهجمات الجوية على مناطقهم 284 ألف شخص. وأشار أن نحو 20 ألف مدني نزحوا نحو مناطق قريبة من الحدود التركية خلال الساعات الـ48 الأخيرة، رغم توقف الغارات الجوية على إدلب عقب مباحثات وفد تركي في موسكو، برئاسة معاون وزير الخارجية سادات أونال، في 23 الشهر الجاري.
وأوضح أنه في حال تكثيف الهجمات مرة أخرى، فهناك قلق من احتمال بدء موجة هجرة جديدة من منطقة جبل الزاوية جنوبي مدينة إدلب. ولفت حلاج أن آلاف المدنيين يواجهون صعوبة في العثور على مأوى بسبب نقص المساعدات وأماكن إنشاء الخيام الجديدة والبنى التحتية لها. وذكر أن الفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة تداهم المخيمات، إضافة لمحاصرتهم داخل بحيرات من الطين. وأكد أن الآلاف من النازحين الهاربين من الهجمات الجوية للنظام وروسيا، أصبحوا بلا مأوى ينتظرون المساعدات العاجلة حسب وكالة الاناضول.