إلى جانب الأحداث العاصفة والصور القاسية التي تأتي من الميدان، يجدر الانتباه للتطورات السياسية وتأثيرها المحتمل. رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، يبث التصميم على البقاء في منصبه وهو مستعد لدفع ثمن ذلك. في الطريق، تمكن في يوم الجمعة من إبعاد عضو الكنيست المشكوك بأنه متمرد من قائمته في الكنيست واستبدل به ووزيراً اضطر إلى الاستقالة من منصبه والتخلي عن مستشارته السياسية، التي هي الشخص المقرب جداً منه كما يبدو في مكتبه. إلى جانب انتكاسات نموذجية للحكومات التي تدخل إلى ما يبدو أنه خطوة أخيرة في فترة ولايتها، قد يكون هناك تأثير على سلوك بينيت على الصعيد الأمني والسياسي.
قبل تولي منصبه الحالي، مال بينيت أكثر من مرة إلى إصدار تصريحات واتخاذ قرارات كان يبدو أنها كانت بصورة ارتجالية. المستشارة السياسية التاركة، شمريت مئير، كانت تقريباً هي الكابح الأخير في محيطه القريب لاتخاذ خطوات غير ناضجة ومغامرات أمنية. الآن، باستثناء المستشارين السياسيين، بقي هناك رئيس مجلس الأمن القومي، ايال حولكا، لكنه يقلل من الانشغال بالمسألة الفلسطينية التي تقف في هذه الأثناء على رأس جدول الأعمال اليومي.
في إسرائيل مثلما هي الحال دائماً، تندمج الاعتبارات السياسية مع الاعتبارات الاستراتيجية. بينيت الآن في وضع وكأن ظهره للحائط، فهو مضطر إلى مواجهة موجة عنف جديدة، مستمرة منذ شهرين، وهي لا تظهر أي علامات على التلاشي. الجيش و”الشاباك” استثمرا جهوداً وموارد كبيرة في الضفة الغربية، ونشرا قوات كبيرة على خط التماس. وبعد انتهاء شهر رمضان، عاد أيضاً إلى توسيع نطاق الاعتقالات في الضفة الغربية. ولكن كل ذلك لا يكفي من أجل إغلاق الثغرة أمام المخرب المناوب الذي يصل إلى هدفه في مركز البلاد مرة كل أسبوع تقريباً. جدار الفصل مخترق تماماً، وسيستمر مشروع إعادة ترميمه لأشهر كثيرة، وستضطر التسع كتائب ونصف التي نشرها الجيش على طول الثغرات إلى العودة ذات يوم إلى التدريبات.
هذه ظروف تخيب الآمال وتتحدى العلاقات المعقدة أصلاً بين بينيت وقيادة الجيش. استمرار تنفيذ العمليات سيؤدي إلى مزيد من الضغط على هيئة الأركان العامة من أجل توفير حلول، على شكل تصفية كبار قادة حماس أو القيام بعملية هجومية في قطاع غزة أو عملية واسعة في جنين ومحيطها. ومثلما كتب هنا في السابق، فإن لقيادة الجيش أسبابها الخاصة للتحفظ، التي ليست جميعها موضوعية. الجيش الإسرائيلي غارق جداً في الرواية التي تقول بأنه هزم حماس في العملية الأخيرة، عملية “حارس الأسوار”، قبل سنة (حماس خائفة، لذلك لن تكون مسؤولة عن موجة الإرهاب الحالية). ولكن من الصعب إيجاد أي أحد في المستوى المهني يؤيد عملية في غزة الآن. وإذا تم إلقاء المهمة على الجيش فقد يجر إليها وهو غير مؤمن بها. وعلى المستوى السياسي، قد يجد بينيت نفسه في خلاف متزايد مع الوزير يئير لبيد، وبني غانتس الذي حصل أول أمس على درس طويل في الوطنية من مقدمي برنامج “اوفيرا وباركو”.
مقارنة مع غزة، تعد جنين هدفاً سهلاً. قوات الجيش الإسرائيلي تعمل هناك في الأصل، تقريباً يومياً، وأي دخول إلى المدينة أو إلى مخيم اللاجئين القريب منها يرافقه في الأشهر الأخيرة انطلاق نار كثيف للفلسطينيين. الاحتكاك المستمر يضع إسرائيل على مسافة نصف خطوة من تنفيذ عملية في جنين. عدد المسلحين المقتولين الذي يزداد من عملية إلى أخرى، يؤجج مشاعر الانتقام لدى الفلسطينيين. إلى جانب المخاوف من سيطرة إسرائيل على الحرم، التي تتغذى من دعاية لا أساس لها من قبل حماس، فإن بعض المخربين الذين خرجوا من منطقة جنين إلى حملات قتل داخل الخط الأخضر، جاؤوا أيضاً للانتقام على موت أصدقائهم. في كل مرة يصب المزيد من الزيت على النار. فموت الصحافية شيرين أبو عاقلة في جنين وموت أحد سكان شرقي القدس صباح أمس، الذي -حسب أقوال الفلسطينيين- أصيب في الشهر الماضي برصاصة مطاطية من الشرطة داخل الحرم، ويوم النكبة الذي سيتم إحياؤه اليوم الأحد.
مع ذلك، سيكون من الصعب الفصل كلياً بين ما يحدث في جنين وما يحدث في غزة. فالجهاد الاسلامي نشط جداً في المنطقتين، وهو يهدد بإطلاق الصواريخ من القطاع إذا استمر قتل أعضائه في الضفة. من الجدير أيضاً تذكر التاريخ القريب. اختطاف الفتيان الثلاثة في “غوش عصيون” صيف 2014 ولّد التوتر الذي كانت نهايته عملية “الجرف الصامد” في القطاع بعد نحو شهر. بدأت عملية “حارس الأسوار” بسبب إطلاق الصواريخ من قبل حماس من القطاع نحو القدس كإشارة للتماهي مع الفلسطينيين الذين واجهوا الشرطة في البلدة القديمة في رمضان.
صور مثيرة للخجل
الأحداث على الأرض لا تخبو في هذه الأثناء. نشر الجيش ظهر أول أمس النتائج الأولية للتحقيق في موت أبو عاقلة، مراسلة قناة “الجزيرة”. بين سطور بيان المتحدث بلسان الجيش ومن أقوال ضباط كبار، تتضح احتمالية معقولة بأنه تم إطلاق النار عليها بالخطأ على يد جندي من وحدة “دفدفان”. ولكن لأن السلطة الفلسطينية رفضت تسليم الرصاصة التي أصابت الصحافية لفحصها بالستياً ورفضت تشريح الجثة، فمن المشكوك فيه إذا كنا سنعرف الحقيقة كاملة يوماً ما.
تبين من التحقيق أن جنود الوحدة الذين جاؤوا لاعتقال عضو من الجهاد الإسلامي، أطلقوا النار تقريباً ست مرات نحو منطقة الحدود بين مخيم اللاجئين ووادي بلدة برقين، الحي الجنوبي في القرية المجاورة. الجندي الذي أطلق النار كان في إحدى الحالات على بعد نحو 190 متراً عن الصحافية. فقد كان يجلس في جيب حاملاً بندقية مزودة بمنظار وقام بالإطلاق من خلال فتحة لإطلاق النار. وجه سلاحه نحو مسلح فلسطيني ظهر ثلاث مرات من وراء سور، وأطلق النار على الجيب. كان المراسلون على مسافة قريبة خلفه. الإطلاق من داخل الجيب يخلق زاوية رؤية محدودة. وأفاد الجندي في التحقيق بأنه لم يشاهد أبو عاقلة، وبالتأكيد لم يشخص المس بها. وحسب التحقيق، كان هناك مسلحون فلسطينيون وراءها أطلقوا النار على القوة. لا يمكن معرفة إذا هي أصيبت بنار فلسطينية أو إسرائيلية ما لم يوجد فحص للطب الشرعي.
صباح أول أمس عادت قوات الأمن إلى برقين، وفي هذه المرة حاصرت بيتاً كان فيه مطلوب على بعد مسافة 300 متر من المكان الذي أصيبت فيه الصحافية. هذا المطلوب، كما نشر، متهم بإطلاق النار، لكن الجيش الإسرائيلي أكد أقوال مصادر فلسطينية بأنه الشخص الذي ظهر وهو يطلق النار على الجنود في زقاق المخيم، في الفيلم الذي صور قبل يومين من ذلك، قرب لحظة إصابة المراسلة. واحتمالية إصابة أبو عاقلة بالنار التي صورت في الواقع، تم نفيها في هذه الأثناء، لكن الجيش يتهرب من الإجابة على سؤال: هل استهدف الاعتقال توضيح ظروف موتها؟
تحصن المطلوب في البيت، وقامت قوة من وحدة “يمام” الشرطية بمحاصرته لساعات، مع إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات “مناورة وعاء الضغط”. نار كثيفة أطلقت على القوات. وبعد أن قام المطلوب وشقيقه بتسليم نفسيهما، أصابت رصاصة ظهر جندي من “يمام” وهو نوعم راز، وقتلته. راز هو الجندي الإسرائيلي القتيل العشرون في الشهرين الأخيرين، وهو ثمن دموي مرتفع يذكر إلى أي درجة بقي النزاع الفلسطيني جرحاً مفتوحاً. إلى جانب سؤال ما هو هدف العملية، تظهر مسألة التوقيت. في رمضان فضل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات اعتقال في النهار لتجنب الاحتكاك مع الجمهور الذي يتجول في الشوارع بعد الإفطار. ولكن شهر رمضان انتهى، والدخول في وضح النهار يزيد احتمالات المس بأشخاص لا علاقة لهم، ويبطل أفضلية الجنود الإسرائيليين المزودين بوسائل رؤية ليلية متطورة.
لم تقتصر الأحداث على ذلك؛ ففي الوقت الذي كانت فيه العملية في برقين توشك على الانتهاء، تجمع الجمهور للمشاركة في جنازة أبو عاقلة في شرقي القدس. الصدى الذي أثارته ظروف قتل الصحافية المعروفة حولت الجنازة إلى حدث وطني فلسطيني. الشرطة التي كانت تدرك ذلك، استعدت بقوات معززة وأجرت مفاوضات مطولة مع المنظمين حول ترتيبات المسيرة. وحسب رأيها، تم خرق جميع التفاهمات المسبقة وتم رشق الحجارة على رجال الشرطة.
لكن هذا لا يمكن أن يبرر المشهد الذي تطور وتم توثيقه في كل العالم، وهو عشرات رجال الشرطة المسلحين وهم ينقضون على المشاركين في المسيرة بالضرب، وكادوا يسقطون التابوت الذي فيه جثة أبو عاقلة. شرطة القدس، التي أظهر رجالها الانضباط الكبير في شهر رمضان (خلافاً لشهر رمضان في السنة الماضية)، فشلت هذه المرة بصورة مخجلة. هذا كان استعراض زعرنة لا تراعي أي مشاعر.
في قنوات التلفزيون الإسرائيلية حول ما تبقى من حلقة النيران القبلية، جرى حديث في المساء عن عملية دعائية لم يكن لها مثيل. ولكن رغم الضرر الذي لحق بإسرائيل في الساحة الدولية، بما في ذلك إدانة متكررة من البيت الأبيض، لم يكن هذا هو الهدف. هكذا لا يتعامل الناس معاً. هذه الصور تثير الخجل العميق. يثور أيضاً شك بأن عنف رجال الشرطة لم يكن منفصلاً عن أحداث أخرى. قبل فترة قصيرة من الانقضاض على من يحملون التابوت، عرفت الشرطة والجيش عن موت الجندي راز في برقين. وزير الأمن الداخلي، عومر بارليف، فرض وبحق على المفتش العام للشرطة تعيين طاقم فحص للأحداث. سنرى كم هو هامش العمل الذي ستبقيه القيادة العليا لأعضاء الطاقم، الذين هم أنفسهم من رجال الشرطة.
إذا كان هناك أحد أمل في الوصول إلى يوم النكبة في هذا الصباح بأجواء أكثر انضباطاً بقليل، فيبدو أن أمله تبدد. فشهر أيار العاصف سيستمر كما يبدو، على الأقل حتى يوم القدس، الذي يصادف بعد أسبوعين. ولا أحد يستطيع أن يضمن تهدئة النفوس بعد ذلك.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 15/5/2022