المثقف العربي… بين الموقف الوطني وموالاة السلطة

يعيش المثقف العربي تحدياتٍ مستمرةً قد لا تكون وليدة اليوم، بل ممتدة منذ أمد الصراع والتفكير بالسيطرة على الآخر. ولأن المثقف دائما في موقف المتصدي للأفكار، وبالتالي فهو أيضا في موقف المنتقد من قبل الآخر، سواء من الناس أو من السلطة، لذا فهو يقع بين طرفي نقيض.. الناس التي تريد منه المساهمة في تغيير نمط الحياة والوعي، والسلطة التي تريده أن يكون معها، على اعتبار أن السلطة هي المسؤولة عن إحداث التغييرات في البنى المجتمعية، لذا تعد المثقف الذي يقف ضدها مثقفا خائنا أو معارضا مخيفا ومزعزعا لوجودها. ومنه يكمن السؤال ..
هل يعيش المثقف مرغما هذه التحديات ليكون جزءا منها؟ وهل واجبه التحول إلى رجل سياسة؟ أم أن ثقافته قادرة على إحداث التغييرات بطرق مختلفة؟ هنا استعراض لآراء بعض المثقفين العرب…

تابوت المثقف

يعتقد الكاتب والإعلامي العراقي فلاح المشعل أن الواقع المتصور للثقافة والمثقف والأسئلة المطروحة حوله، ما عاد يحتفظ بالتراكيب ذاتها التي تشيرون لها في استطلاعكم، والسبب أن مجريات الحياة ومعطياتها اختلفت كثيرا بتراكيبها، وصارت الثقافة تنحصر بأطرها التقليدية، وتتحول إلى مبتكرات تقنية وإلكترونية، ساقت المثقف التقليدي لآليات عملها، هذا من جهة وهيمنة المنطق الاقتصادي وقيود الحياة المادية قد مارست أبشع أنواع الإذلال والاغتراب النفسي لدى المثقف التقليدي، حتى تحول لعنصر إجرائي محدد وغير قادر على التأثير بما حوله، انتفت عنه صفة القيادة والدور، وتلاشت من حوله أجواء الرومانسية وحرارة الأفكار والثورة الدائمة، وريادات التغيير والتمرد. ويضيف المشعل .. لقد عبثت العولمة كثيرا بمساحات الثقافة وكذلك خصوصيات الإبداع التي كانت تميز المجتمعات والأمم، أدخلت كل شيء في (الماركتنك)، وأصبحت سوق العملات والنفط ومزادات الذهب والماس ونشاطات صندوق النقد الدولي، هي التي تحدد مصائر العالم، فالمثقف في عصرنا الراهن بات يعيش اختراقات متنوعة، نسقه الداخلي لا يعطي له اتساقاً مع الواقع ويتحول إلى جزء من هذه المكننة الفاقدة للحياة، وهو مجبر بهدف الاستمرار بالحياة على التعايش وسط بشر من نوع آخر وثقافة أخرى ونمط سلوكي ومعرفي آخر، وهي مرحلة تحول جذرية في الوجود والحياة البشرية، مرحلة أن نودع فيها تابوت المثقف ونسدل الستار على تاريخ مزهر للبشرية وللذات الإنسانية بتنويعاتها الهائلة.

السياسة والثقافة خطان متوازيان لا يلتقيان، وهما كفرسي رهان يحاول كل منهما الفوز بقصب السبق، خاصة في البلاد المستقرة سياسيا وأمنيا.

قوة المثقف

فيما يرى الروائي الفلسطيني جميل السلحوت أن المثقفين والعلماء والمفكرين يشكلون نخبة مجتمعاتهم، وإذا ما أخذنا المثقفين كنموذج، فإنهم يتحلون بوعي كاف، وقد ينتجون إبداعا كل منهم في مجال تخصصه، وهم يشكلون قدوة لمجتمعاتهم وشعوبهم، وقد تتعدى شهرة المتميزين فيهم حدود أوطانهم، فالمثقفون العرب المتميزون تخطوا حدود الإقليم إلى بقية الأقطار العربية، وبعضهم وصل إلى العالمية، كنجيب محفوظ، محمود درويش، الجواهري، بدر شاكر السياب، حنا مينا، إميل حبيبي، أدوارد سعيد وغيرهم. ومن هنا ينبع الدور الريادي والتوعوي لدور المثقف. فالمثقف الحقيقي الذي يحترم فكره وثقافته لا يتذيل لأي حاكم أو حكومة، لأنه بمثابة المرآة التي تعكس هموم شعبه ووطنه، والقضايا الإنسانية، ولا يقبل الظلم لنفسه أو لغيره، لذا فإنه يتوجب عليه أن يكون ناصحا للحاكم لا متذيلا. وقد قاد بعضهم الثورات في بلدانهم ضد المستعمرين، وضد الحكام المتسلطين الظلمة، ومنهم من فقد حياته دفاعا عن مبادئه. ويستدرك السلحوت قائلاً.. إنه وبسبب غياب الديمقراطية وحرية الرأي، والفقر فإن النظرية شيء والواقع شيء آخر في بلداننا العربية، فالمثقف العربي متهم في بلاده حتى يثبت ولاؤه للنظام الحاكم، وهذا ما دفع كثيرين من المثقفين العرب إلى مغادرة بلدانهم والعيش في المنافي لينجوا بحياتهم، كما أنهم ليسوا سواء، فهناك من تذيلوا للديكتاتوريات الحاكمة في بلدانهم واختاروا أن يكونوا أبواقا لتزيين وتسويق سياسات الفساد وتحويل الهزائم إلى انتصارات، وما نشاهده في بعض بلداننا العربية نموذج لذلك، ففي العراق، سوريا، اليمن مثلا هناك مثقفون يغذون الطائفية، ويساهمون بشكل وآخر مع القوى الإرهابية لتدمير بلدانهم وقتل وتشريد شعوبهم، وقد شاهدنا على شاشة التلفزيون مثقفين سوريين ممن يسمون «قوى المعارضة»، يهللون للطيران الإسرائيلي وهو يقصف سوريا وجيشها ومؤسساتها، وينحازون لإسرائيل ضد إيران، والحديث يطول.

الوجود والاغتيال الحي

أما الروائي المصري محمد الدفراوي فيقول إن السياسة والثقافة خطان متوازيان لا يلتقيان، وهما كفرسي رهان يحاول كل منهما الفوز بقصب السبق، خاصة في البلاد المستقرة سياسيا وأمنيا، فلا تتدخل السياسة في الشأن الثقافي ولا تعبث الثقافة بالسياسة. فالسياسي الجيد يقود ويفرض وجهة نظره ويرسم للآخرين طريقهم وهم بدورهم يتطلعون اليه وتشرئب اليه أعناقهم في الأزمات. وأرى أن هذه العلاقة مرت بحالتي مد وجزر استفاد كلا الطرفين من الآخر على نحو ما، خصوصا في حالات شبه الاستقرار. أما في حالة غياب السياسي المحنك أو اضطراب الدول يجد المثقف نفسه في قلب الدور يعلو ويركبها ويقودها، بل يبدع من خلالها في ما يسمي «حالة التوريط» حتى أذنيه، مجرد إعلانه عن موقفه من القضايا السياسية يتوجب عليه تحمل التبعات والخسارات التي ستلاحقه. إننا رأينا ما يمكن أن يسمى عملية (اغتيال حي) للمثقفين حشروا أنوفهم في السياسة، فأبعدوا عن المشهد، ما يجعل يده مغلولة الإبداع فلا يبدع إلا من خلال ما يتوافق مع السلطة، فصار تابعا لا متبوعا. فالعالم العربي اليوم يتعرض لتغييرات جذرية وتحولات عميقة في بنيته الفكرية والاجتماعية والسياسة ويشهد اضطرابا عظيما على كافة المستويات، ما حدا بالناس إلى التطلع إلى دور للمثقف الفاعل لملء فراغ ناجم عن حالة عجز في مؤسسات المجتمع المدني بما فيها النقابات والأحزاب. فالحاجة ملحة لخلق صورة ذهنية مغايرة للمثقفين أصحاب الأبراج العاجية إلى صورة المثقف الفعال المتفاعل صاحب الرؤى والإبداع والاستشراف.

ليس بالضرورة أن يعيش المثقف ضمن التحديات التي تواجهه، وإنما يستطيع أن يغير واقعه من خلال النقد الساخر الذي يدخل كل القلوب بلا نزاع بشرط أن يبتعد عن الثالوث المحرم.

أثر الربيع العربي

وترى الروائية المصرية رباب فؤاد أن المثقف العربي، لاسيما الكاتب هو جزء لا يتجزأ من مجتمعه، يتأثر بما يعاصره ويؤثر في ما حوله طالما هو متفاعل معه وليس منعزلاً عنه، من ثم فإن ما يواجه مجتمعه من تحديات اجتماعية وسياسية تترك أثرها بدون شك على الجميع. فمهمة المثقف هي نقل تلك التحديات بأمانة لمن حوله ممن لا يدركون كنهها، وأن يحاول إعمال عقله وفكره في التوصل إلى ما يمكن أن يساعد المجتمع في تجاوز تلك التحديات. أما بعد ثورات الربيع العربي، فقد تم دفع الجميع إلى معترك السياسة راضيًا أو مرغمًا، فأصبح المثقف مثله مثل غيره، منغمسًا في الحديث عن الأوضاع السياسية ما بين مؤيد ومعارض. ورغم أن مهمة المثقف والكاتب ليست أن يمتهن السياسة كعمل فعلي، فإن تطورات الأوضاع حوله قد تدفعه دفعًا إلى ذلك بصفته لسان حال المجتمع الذي قد لا يملك بوقًا للتعبير عن رأيه مثل المثقف والكاتب، رغم ما قد يجلبه ذلك عليه من تداعيات قد تعرض حياته للخطر أحياناً. فالمثقف الحقيقي يحمل على عاتقه مسؤوليات ربما تضاهي مسؤوليات رجل السياسة، ومن واجبه أن يكون سندًا لمجتمعه وبني جلدته.

النقد المحسوب

وفي الأخير ترى الروائية السورية فاطمة خضور، أنه ليس بالضرورة أن يعيش المثقف ضمن التحديات التي تواجهه، وإنما يستطيع أن يغير واقعه من خلال النقد الساخر الذي يدخل كل القلوب بلا نزاع بشرط أن يبتعد عن الثالوث المحرم لأنني مقتنعة تماماً أن جل الخلافات تأتي من خلاله. وتضيف أنه يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الإنسان المثقف يجب أن يكون بين الناس يعاصر مشاكلهم الحياتية المعاشة، وإيصال أصواتهم من خلال الكلمة الهادفة البناءة، وحثهم على الحوار في ما بينهم وتقبل الآخر دائماً، بدون التعصب للرأي الواحد. وأعتقد بأن السياسة جزء من الواقع، بل ربما هي الجزء الأهم هذا ما اكتشفناه من خلال الصراعات والنزاعات التي حصلت في الوطن العربي لكنها تستدرك فتقول لكنها لعبة قذرة جداً ولا دين لها، وما بني على باطل فهو باطل، لذا يجب على المثقف إيجاد الحلول المناسبة من خلال الطرح والرؤى والاستفادة من تجارب الآخرين في سبيل النهوض بمجتمع إنساني يضاهي الدول المتقدمة.

٭ روائي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية