المثقف وثالوث آماله وآلامه ومآلاته

من مهام المثقف هو توعية العامة ونقد السلطة، ولكن في الآونة الأخيرة انقلب ذاك الدور فأصبح من ناقد وناقم على الأوضاع السيئة، وطرق تعاطي السلطات معها، إلى أن يكون هو المنتقد والمجرح، بل والمتهم الأول لها، فالقيم الإنسانية والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية أصبحت في يومنا هذا مستهجنة، ليست من السلطة وحدها، بل حتى من النخبة المتخاذلة، المناط بها والمفترض منها الوقوف في صف المثقف ودعمه أمام الهالة الإعلامية التي تحاربه، والتي تركت السلطة الفاسدة، وبيروقراطيتها، وقراراتها المهلهلة، وقوانينها المتضاربة وأحكامها غير المنفذة، وأمسكت بزمام المثقف تكيل له الاتهامات، وكأن كل المشاكل التي تمر بها هو ذاك المثقف سببها ومكمن علتها، فهي تصوره للجمهور أنه السبب الرئيسي لتراجعها؛ وعدم تقدمها وتوقف عجلة تطورها ونموها.

«دور المثقف ورسالته»

دور المثقف في الدول الديمقراطية يتمحور حول مراقبة السلطة وتوجيهها إلى مصدر الخلل، ونكزها عندما تتباطأ في أداء أعمالها، ليستحثها على فعل ما يتوجب عليها فعله، ولكن عندما تكون تلك السلطة هي مصدر الخلل والمسببة للألم كيف ستتقبله! فرسالة المثقف الحقيقي الآن لم تعد ذات جدوى وأعتقد أن هناك خطوة، يجب أن يتخذها بعيداً عن أي اعتبارات استباقية، بإمكانها أن تبعده أو على أقل تقدير توقفه عن الخطوات التالية، وهذه في الأغلب لن تتأتى وهو في كنف سلطة مستبدة، وتحت وطأة أقدامها وطائلة يدها، فهي لن تتوانى بأي طريقة كانت، إما بدعسه أو خنقه، وهذا ما دعا الكثير من المثقفين العرب للهجرة من هذا المآل المحتوم في أوطانهم، إلى بلدان أخرى، باحثين عن الجو الملائم لإبداء آرائهم، بدون مضايقة من تلك السلطة المتغلبة والمتقلبة المزاج، كما هي السلطات في أغلب بلداننا العربية، فالمطالبة بالعدالة الاجتماعية وإطلاق الحريات وإخلاء سراح المعتقلين والدفاع عن المظلومين والذود عن المساكين، كل من يقوم بها اليوم لا يراعي ضرب السكين أو زجه في الزنازين، فالسلطة يصيبها نوع من القشعريرة عند ذكر تلك الكلمات لها وكأن ماسا أمسك بها.

«لعبة السلطة والمثقف»

كانت السلطة في وقت ما تلعب مع المثقف لعبة ممتعة، محاوله بها أن تستميله وتستقطبه بإغراءات عدة، في سبيل توجيه دفة فكرة لمصالحها، وهذا بلا شك يعطي ثقة للمثقف في نفسه، وبما يبديه من آراء، لأن مجرد الالتفات له ومحاولة استمالته هو انتصار بحد ذاته، بأن كلمته أسمعت أهل العقد ومن بيده القرار، ودليل على أهميتها لدى تلك السلطة، فكانت تروق للمثقف هذه الانتباهة، لكن الآن الانتباهه هي حاسمة، فالسلطة أصبحت لا تتقبل أي صوت تسمعه وإن لم تفهمه فوراً تريد أن تخرسه، السلطة اليوم ترفع شعار إما أن تكون معي وصوتك مساند لي، وإلا فأنت عدوي وتحل عليك لعنتي، فهي لا تبتعد بفكرها ورد فعلها وطرق تعاملها، عن ذاك الوزير النازي صاحب المقولة المشهورة: كلما سمعت اسم مثقف تحسست مسدسي.

تشظي فكر المثقف بين أولويات وأمنيات، كيف به أن يجمع بين هذا وذاك، كيف له إمساك خيطين في يد واحدة، وأن يمشي على خطين في آن، كيف يحقق أمنياته وينمي ذاته، وفي الأوان نفسه لا يهمل أولوياته.

«صناعة المثقف الوهمي»

فلذلك استبدلت السلطة هذا المثقف، الذي تعتبره منشقا عن فكرها ويغرد خارج سربها، بمحاولة صناعة مثقف خاص بها، تضع به كل المواصفات التي ترغب بها، وتسيره كما الريبورت لمصلحتها، وكأنه علامة تجارية خاصه بها، مهمته أن يكيل المديح لها، ويرفع من شأن إنجازاتها ويسوق لمشاريعها، والتي هي بالأغلب بلا جدوى اقتصادية ولا منفعة مادية، وأقرب للفنكوشية منها للحقيقة، وليبين أيضاً للجمهور كيف أنها تغلبت على كل المصاعب التي واجهتها، وتخطت كل الأزمات التي عاصرتها، إلى أن وصلت لما هي عليه، ولا ينسى بأن يختم وصلته الموسيقية التي يعزفها، بالتذكير بأن هناك الكثير من الأشرار الذين يتربصون لها ويتحينون الفرص للإيقاع بها، لذلك استقطبت لتلك المهمة توافه المجتمع، ممن يطلق عليهم مشاهير، وعملت على إعادة صياغة بعضهم لأخذ دور المثقف، ودرجة نجاحه التي تتم على اثرها تقييمه، هو كيفية تمرير تلك الكذبات والادعاءات، ومدى تقبلها من قبل الجمهور، فكل ما كانت الكذبات منمقة متقنة وطرق تناوله لها مقنعة مصدقة، كل ما قربته لها أكثر وحظي بحظوة أكبر، بل إن بعض السلطات رفعت درجة هؤلاء المشاهير، إلى أن أوصلته في بعض الأحيان إلى مصاف السياسيين والحقوقيين، فأصبح يمثلها في بعض المؤتمرات الدولية والإقليمية، وهو لم يقرأ كتابا واحدا في السياسة، ولا يعرف ما هي حقوقة حتى يناط به التحدث في مؤتمر عن حقوق الآخرين، تسييل بعض المهام المهمة لدى بعض السلطات، أصبحت عادة متعمده، وكأنها تقول هذه الأمور ليست من مصاعب الأمور، وإناطة الأمر لغير أهله أصبح هو ديدنها وعلامة فارقة في مسيرتها نحو الانحدار.

«المثقف والصحافة»

تخيل تدخل مطعم وأنت تتضور جوعاً، فيأتيك النادل فتطلب شيئا من أنواع الطواجن والمشويات، أو إحدى الكبسات، فيرد عليك بقوله عفواً سيدي فلا توجد لدينا أطباق رئيسية، ما لدينا وما نستطيع أن نقدمه لك هو أطباق جانبية، من أنواع السلطات وبعض الشوربات!
هي هذه حال الصحافة الورقية في أغلب دولنا العربية، لم تعد تستطيع في ظل الرقابة الصارمة والكثير منها غير مبررة أن تتحدث وتكتب في ما تشاء، فهناك أصبحت قائمة للمواضيع، كما هي قائمة الطعام، ولكنها تخلو من المواضيع الدسمة والرئيسية، فالصحف أصبحت تضع محظورات ومحذورات أكثر صرامة مما أتت بها القوانين المنظمة، فهي أحياناً تتركك تنتقد بعض الجهات والمسؤولين ممن يأتون في الصفوف التاليـــــة، وليست الأمــــامية، ولكــــن من أصبح أكثر أهمــــية، ويعتبرون من الخطوط الحمراء هــــم الشركات والمؤسسات، فعلى سبيل المثال لا تستطيع أن تنتـــقد بنوكا وشركات اتصالات أو معارض للسيارات وخطوطا للطيران وكبرى المحلات، فهي تستفيد منها بالإعلانات والانتقاد لها يوقف أي تعاون معها، للأسف أصبح المعلن أكثر أهمية من المصداقية، في ظل ابتعاد القارئ عن الصحف الورقية، واستسقاء الأخبار وآخر الأحداث من المواقع الإلكترونية، والتي هي أسرع بنقل الخبر فغدت تلك الصحف الورقية أقرب للصحف الإعلانية منها للخبرية.

«تشظي المثقف»

تشظي فكر المثقف بين أولويات وأمنيات، كيف به أن يجمع بين هذا وذاك، كيف له إمساك خيطين في يد واحدة، وأن يمشي على خطين في آن، كيف يحقق أمنياته وينمي ذاته، وفي الأوان نفسه لا يهمل أولوياته، والتي تعتبر مسيرة حياته، كيف يحافظ على بيته ومستوى معيشته، وهو يعيش وكأنه رجل الغاب الذي يخرج من كوخه ليأتي بطعام لأولاده، ولا يعرف متى سيعود وماذا سيحل به ويصيبه، وما هي المصاعب التي سيواجها في الغابة الموغلة بالوحشة، والمنتشر بها كل أنواع الزواحف السامة والحيوانات المفترسة، والتي بإمكانها أن تجعل منه وجبة دسمة لها، وبدل أن يكون هو الصياد فإذا به هو من يُصطاد.
هذا هو حال المجرم الحقيقي عفواً أقصد المثقف الحقيقي في وقتنا الحالي، مطارد مطلوب في عالم مجنون.

٭ كاتب كويتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية