«المخبول»… صرخة تحذر من مخاطر الاستهتار بكرامة الإنسان

لطالما كانت الاضطرابات العقلية ومظاهر الشذوذ النفسي موارد خصبة يستقي منها الفن الدرامي بعض مضامينه المشوقة. ولعل من أبرز الممثلين السينمائيين العرب الذين اشتهروا بإتقان تأدية الأدوار المعقدة في هذا السياق، الفنان المصري محيي إسماعيل، الذي يفخر خلال لقاءاته الإعلامية بتجسيد 17 عقدة نفسية على الشاشة حتى لُقِّب ـ أو ربما لَقّب هو نفسه – بـ»رائد السايكودراما» في مصر، ولا عجب أن يتحالف هذا الشغف مع اهتمامه الخاص بالفلسفة التي درسها في جامعة «عين شمس» قبل التحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ليتمخض عن رواية أدبية أطلق عليها عنوان «المخبول».
منذ السطور الأولى للرواية يلمس القارئ تأثر مؤلفها – إلى حد كبير- بأسلوب كتابة القصة المخصصة لعمل درامي، لا كنص أدبي، فهذا النص أقرب في شكله إلى قصة فيلم، قبل أن يدخل إلى مطبخ المعالجة السينمائية ومن ثم السيناريو والحوار، كما يلاحظ أن النص الذي نشر عام 2002 شبيهٌ بنمط الأعمال السينمائية السائدة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ما يشير إلى أنه قد كتب في تلك المرحلة؛ وإنْ كانت القضايا الإنسانية التي يناقشها ذات أبعاد مجتمعية وفلسفية صالحة لكل زمان ومكان.
يتمحور مضمون رواية «المخبول» حول ثلاث قضايا: أهمية الشعور بالكرامة كقيمة إنسانية سامية، والسعي للعيش تحت مظلتها مهما كان الثمن، وآثار الانفتاح الاقتصادي والاستهلاكي المفاجئ على المجتمع، لاسيما حين يتسبب بنقل شرائح معدمة وجاهلة من الفقر إلى الثراء الفاحش دون أسباب معروفة، وما ينتج عن الفقر والتفكك الأسري، من أفراد قد يكونون غير محدودي الخطر على المجتمع الذي يترعرعون فيه.
تدور الأحداث حول شخصية متسول جاء إلى هذه الدنيا لا يعرف والديه يدعى «عادل شديد»، لا أهل له ولا أصحاب في هذه الدنيا غير قطة رومية تدعى «بربوش». تشاء الصدفة أن يراه مسيو فيليبو الأجنبي أمام «قهوة الفيشاوي» فيعجب بجمال القطة أيما إعجاب ويقرر تبنيها وصاحبها بطريقة ما، ثم يتم استغلاله في تأدية بعض الجرائم الإرهابية مقابل تذوق حياة الرفاهية المادية، التي لم يكن يحلم بها. فيتحول إلى نصاب محتال يوقع بمظهره المخادع ولسانه المعسول إحدى السيدات الثريات في شباك الزواج منه، ثم يقتلها ويستولي على أموالها، ويحتل قصرها الفاخر ليعيش فيه. يضع القدر أمامه «مسعد سعيد» الشاب المثقف الحالم، رغم ظروفه المادية المعقدة، وخلال إحدى حفلات القصر الماجنة الباذخة، يرى كم الأطعمة الشهية التي يتم رميها في النفايات؛ فيقرر الذهاب إلى أحد الأحياء العشوائية المكتظة الذي يصفه بقوله: «ها هو شكل الحي، نسلٌ هادرٌ كثيفٌ متلاحق يدخل في زحام ويحتك في عصبية، ويحدث ضجيجا مدويا دون تبرير له، والأمراض تلاحقهم وتقضي عليهم، ولكن من كثرتهم لا تحس بنقصانهم»… هناك حيث تقيم صديقته الفقيرة «فرحانة» مع زوجها وأطفالها الثمانية فيقنعهم مع بقية سكان الحي على تقديم طلب رسمي مكتوب بأن يعطيهم «عادل بيه» فضلات طعامه، بدل التخلص منها في مكب النفايات، بينما كثير منهم يموتون من الجوع يوميا. يبصم سكان الحي بأصابعهم على الطلب ويختم، لكن عادل يجن جنونه من تطاول هؤلاء الذين صار يعتبرهم ـ بعد أن نسي أصله وماضيه – حيوانات، فيسجن «فرحانة» في قبو منزله ويجبر «مسعد» على لعق حذائه… ثم تتصاعد الأحداث المحفوفة بالصراع حتى خط النهاية، حيث يتم إعدام «عادل بيه» الذي تبلورت شخصيته غير المتزنة في ظروف مجتمعية واقتصادية غير عادلة، صانعة مسخا متوحشا استحق أن يوصف بـ»المخبول»، ما تؤكده الرواية بقولها: «لقد أفرز الفقر هذا المخبول، الذي أعدم في الصباح وروع الجميع بأفعاله، وإن الاستخفاف بآدمية الإنسان أو الاستعلاء عليه، دون وجه حق سوف يفرز مخابيل كثيرين يسيطرون على العالم ويوقفون تقدمه».
يدق الروائي ناقوس الخطر من تصاعد أعداد المتوحشين في المجتمعات غير الواعية، بعوامل صنعهم وضرورة معالجة الخطر من جذوره بقوله: «على العالم أن يتكاتف ليخلص البشرية من كل مخابيل الدنيا، الذين ينمون في العشوائيات بعلاجهم ومد يد الرحمة لهم، حتى لا يجدوا يدا سرية تمتد لهم لتأخذهم وتشكلهم كما تريد، حسب أهوائها الشخصية وتحولهم إلى قساة لا يعرفون الرحمة، لا بد من ترميم نفوسهم قبل ترميم مكانهم، المخابيل في الدنيا كثيرون، فالخبل له أكثر من وجه في شخصيات تعيش بيننا».
يتجلى في النص وجود صريح لشركاء آخرين مؤثرين في نسج أحداث الحياة على كوكب الأرض، كالحيوان والطفل، منهم القطة «بربوش» التي فتحت صداقتها له باب مستقبل غير متوقع، والطفل الذكي «سفروت» شقيق «مسعد»، وأطفال فرحانة الثمانية، بينما تستحوذ الرؤية الفلسفية ومحاولات الغوص في أعماق النفس البشرية على روح الرواية مختزلة في مقولة: «لقد أتينا من أرض واحدة، ومن طينة واحدة، ونحن ننمو بالأخذ والعطاء، مصيرنا مشترك متشابك، فإن لم يكن ذلك صحيحا فالأديان هراء، والعلم فخ نصب للإنسان من أجل دماره»، لكن هيمنة اللغة الشعبية على حساب الفصحى سلب من النص جزءا لا يستهان به من عوامل القوة الأدبية، وساهم في مضاعفة تفكك الأحداث، وفرار بعضها من دائرة العقلانية، إلى حد كان فيه الكتاب سيحرم ممن قد يرغب بقراءته، لولا أن مؤلفه شخصية مثيرة للجدل الطريف بين الجمهور مثل الفنان محيي إسماعيل.
* كاتبة من السعودية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية