لوس أنجلوس ـ «القدس العربي»: في جنح الليل، يدفع لاجئون مبالغ نقدية لمهرب فظ ثم يتسللون عبر الحدود التركية البلغارية. وبمجرد دخولهم الأراضي الأوروبية، يستقبلهم حراس الحدود بكلابهم البوليسية وبنادقهم وعصيهم، فيشتعل صراخهم المدوي. بعضهم يقع مغشياً عليه نتيجة الضرب المبرح، وآخرون يتوسلون الرحمة، فيما يفر البعض الآخر إلى داخل الأحراش المظلمة، فتلاحقهم عصابات مسلحة من «صيادي المهاجرين» المكونة من نازيين جدد مناهضين للمهاجرين، معروفين بشراستهم وتعطشهم للدماء.
هذه الأحداث يطرحها فيلم «أوروبا» للمخرج الإيطالي العراقي، حيدر رشيد، ليس من تجربته الخاصة فهو ولد في إيطاليا لأب عراقي وأم إيطالية في فلورنسا، بل استلهمها من مقالات صحافية ومعلومات استقصى عنها خلال أبحاثه، ووضع في صلبها شخصية طالب لجوء عراقي، يدعى كمال، يتحول حلمه بالاستقرار في أوروبا إلى كابوس مروع.
منظمات حقوق الإنسان
لكن عندما سافر رشيد إلى بلغاريا لدراسة الموضوع عن قرب وأجرى مقابلات مع محامين من منظمات حقوق الإنسان ومسؤولين بلغاريين، أخبروه أن الواقع أمَرّ بكثير مما قدمه في نصه.
«تحدثوا عن فساد متفشٍ على الحدود،» يقول المخرج. «هناك تعاون بين الشرطة والمهربين وصائدي اللاجئين. وهي تجارة ضخمة. الأشخاص ذاتهم الذين كانوا يتاجرون بالمخدرات أصبحوا تجار مهاجرين، وادعاء أن دافع صائدي اللاجئين سياسي ليس صحيحا، فهم أيضا لاحقون المال. فبالنسبة لهم المهاجرون هم آلة نقود لأنهم يحملون معهم كل مدخراتهم.»
موضوع اللاجئين لم يكن جديداً على رشيد، فقط تناوله في أفلامه الدرامية الآنفة. لكن بعد أن سمع عن قصصا مرعبة يواجهها اللاجئون خلال تسللهم عبر الحدود الأوروبية قرر أن يعيد كتابة نصه وتدريجياً صارت القصة تبدو كفيلم رعب.
«أنا لست من المعجبين بنوع أفلام الرعب ولم أصنع أفلام رعب من قبل،» يعلق رشيد. «لكن شعرت أن تجربة اللاجئين على الحدود الاوروبية هي تجربه مرعبة، فبدا طبيعيا طرحها في فيلم رعب، وتلك المقاربة تمكن غالبية الجمهور مشاهدة الفيلم وايجاد جانب مثير فيه.» فعلا أنواع الأفلام مثل الرعب تتسم بطابع عالمي. ومشاهدة فيلم «أوروبا» تستحضر أفلام رعب هوليوودية مثل سلسلة أفلام ألعاب الجوع الشهيرة. فبطله تائه وحده في غابة يلاحقه فيها الموت لمدة ثلاثة أيام دون مفر ولا يوجد من ينجده أو يأويه. فيتسلق الأشجار ويحتمى بغصونها وأوراقها ليتفادى صائدي اللاجئين، الذين يقتلون كل من يقع في قبضتهم وينهبونه.
خلافاً للأفلام الدرامية التي تعتمد على إثارة شعور التعاطف مع ابطالها، أفلام الرعب تثير مشاعر الخوف عند المتلقي. ففي بداية نشأة السينما كان ينظر لتلك الأفلام على أنها خيالية تهرّب المشاهد من واقعه، لكن لاحقاً وتحديداً منذ الخمسينيات صار صناعها يستخدمون نوع أفلام الرعب لسبر قضايا معاصرة من خلال مزجها بعناصر واقعية يستطيع المشاهد التعرف عليها وربطها بحياته الشخصية، ليس بصورة واضحة أو حرفية وإنما ضمنياً أو مجازياً.
أولها كان فيلم «غزو سارقي الأجساد (1956)» الذي يحكي قصة غزو كائنات فضائية لأجساد الأمريكيين وتحويلهم إلى كائنات ميكانيكية مطيعة. تلك القصة كانت استعارة لخوف الأمريكيين بداية الحرب الباردة من هيمنة السوفييت على العالم ونشر الشيوعية فيه.
لكن أبرز مخرج سخر نوع أفلام الرعب وتحديدا أفلام الزومبي لطرح قضايا سياسية آنذاك كان جورج روميرو، منذ فيلمه الأول «ليلة الموتى الأحياء» عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين حيث تناول العنصرية في الولايات المتحدة. ثم تلاه بسلسلة أفلام «موتى» حيث سبر الاستهلاك الطائش عام 1978 في «ظهور الموتى» والكوارث التي تنبع من عدم قدرة البشر على التواصل في «يوم الموتى» عام 1985 وغطرسة الولايات المتحدة وفشلها في حرب العراق عام 2005 في «أرض الموتى» وأكاذيب الإعلام وعدم شفافيته في «مذكرات الموتى» عام 2008.
تكاليف صنع أفلام رعب تكون عادة متواضعة وقلما تفشل في شباك التذاكر وذلك بفضل اعتمادها على غريزة الخوف الفطرية التي جعلتها من جهة أحد أكثر أنواع الأفلام شيوعا وجذباً للجماهير العالمية. ولنفس السبب باتت الاقل استحسانا من قبل النقاد وأضعفها حظا مع الجوائز السينمائية وتحديدا الأوسكار باستثناء البعض منها. مثل أفلام المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، الذي استخدم نوع أفلام الرعب لسبر قضايا اجتماعية وسياسية مهمة، وتحديدا سبر استغلال وظلم المنبوذين والمستضعفين خلال أزمات وصراعات تاريخية وسياسية مثل الحرب الاهلية الإسبانية في فيلم «متاهة بان»
المرشح لجائزتي أوسكار وفيلم «شكل الماء» الحائز على أربعة جوائز أوسكار عام 2018، من ضمنها أفضل إنتاج وأفضل إخراج لديل تورو، الذي قال آنذاك في مقابلة لمراسل «القدس العربي» بعد حفل الأوسكار إن أنواع الأفلام هو مقاربة سياسية للغاية في طرح الروايات.
«كل فعل وكل قرار في فيلم الرعب هو سياسي،» أضاف المخرج المكسيكي. «فعلي أن أقرر من منظور من سأحكي القصة؟ هل أحكيها من خلال رجل نافذ أو جاسوس أو عميل أو عالم؟ أو من منظور امرأة وليس مجرد امرأة بل امرأة تنظف المراحيض وتفرغ القمامة؟ الخياران يمثلان موقفين سياسيين مختلفين في مجتمعنا. لهذا أعتقد أن أفلام الرعب مرآة أو مرآة مظلمة للمجتمع. وقد أنتجت بعض أعظم وأكثر المشاهد الأسطورية للسينما في الذاكرة وأراها منافساً شرعياً وجميلاً وقوياً وضخماً في مجال السينما.»
بشاعة العنصرية
كما أن أفلام رعب سياسية ذات قيم فنية راقية أخرى صارت تظهر في الفترة الأخيرة، أبرزها «اخرج» لجوردان بيل، الذي تناول فيه بشاعة العنصرية تجاه السود في الولايات المتحدة. وقد نال أربعة ترشيحات لجوائز الأوسكار وفاز بواحدة منها عام 2018 فضلا عن تحقيقه أرباحاً هائلة في شباك تذاكر دور العرض العالمية.
«مثير جداً ما يحدث في السينما،» يعلق رشيد. «ففيلم «اخرج» يصدمك حقاً من خلال استخدام أفلام الرعب لمحاكاة قضايا سياسية واجتماعية معاصرة في الولايات المتحدة. وبالتالي فإن نجاحه وأفلام السبعينيات، التي فعلت الأمر ذاته، بالتأكيد مصدر إلهام.»
لكن رشيد لم يرد أن يكون الفيلم خيالياً أو حتى مجازياً، بل وعزز من واقعيته وصدق أداء ممثليه من خلال تصويره في غابة شاسعة في إيطاليا، حيث عاش هو وطاقم عمله والممثلون وانقطعوا عن العالم الخارجي حتى نهاية فترة التصوير لكي ينغمسوا في أجواء الوحدة التي قاساها كمال، الذي يؤدي دوره ممثل بريطاني من أصول ليبية يدعى آدم علي.
«أنا وعلي لدينا أرضية مشتركة في قضية الهوية ما ساهم في تشابه رؤيتنا للفيلم،» يعلق رشيد. «فوجدنا طريقة لتحميس بعضنا البعض. وحاولت خلق علاقة بينه وبين الكاميرا يمكن أن تكون تكافلية قدر الإمكان. وأردت أن أركز على التفاصيل والأشياء الصغيرة بينما يأتي الخوف من الخارج، وبالتالي عينيه كانتا الجزء الأهم من أدائه.»
يُبقي رشيد الكاميرا مسلطة على وجه كمال، ما يضخم من ملامحه التي تبث لنا كل لحظة من لحظات رعبه، ويحصره في إطار الصورة ويرفع من صوت نفسه ما يخلق شعور رهاب الأماكن المغلقة، التي تعزز من تماهينا معه وشعورنا بمخاوفه، دون مشاهدة خصومه أو حتى العالم من حوله.
«أردت أن أخلق تجربة كمال من خلال الأصوات التي تأتي من كل الجوانب،» يوضح رشيد. «فمعظم الأحداث في الفيلم تُسمع بدلا من أن تُرى.» فعلا، كثير من أفلام الرعب تخفي خصم البطل أو مصدر الرعب من أجل تعزيز الخوف عند المشاهد. مثلما فعل ستيفين سبيلبرغ في فيلم «الفك المفترس» عام 1976، حيث لم يظهر مصدر الرعب وهو القرش الذي كان يفترس السباحين حتى نهاية الفيلم، ما جعل الفيلم أكثر أفلام الرعب نجاحاً في تاريخ السينما. لكن تلك الأحداث المروعة التي يقدمها الفيلم لم تردع اللاجئين. فمنذ أن أغلقت تركيا حدودها مع أوروبا أمامهم عقب اتفاق أبرمته مع الاتحاد الأوروبي، صاروا يبحثون عن ثغرات أخرى. وهذه الأيام، يتدفق الآلاف منهم إلى بيلاروسيا وينطلقون إلى حدودها مع أوروبا، التي فتحها رئيسها اليكسندر كولاشينكو لهم، ويحاولون دون كلل اختراقها ومواجهة حراس الحدود البولنديين والليتوانيين رغم البرد القارس الذي أدى بحياة العشرات منهم. «أوروبا» خال من الحوارات ولا يسبر الأسباب التي تدفع هؤلاء الناس للمخاطرة بحياتهم من أجل الهجرة، لكنه يوحي بها في مشهد حيث تظهر على وجه كمال أشد حالات الرعب عندما يدرك أن عليه العودة إلى العراق.
«هذا الأمر لم يكن هدف الفيلم، فقرار اللاجئ المخاطرة بحياته هو خياره الخاص» يعلق رشيد. «غايتي من صنع الفيلم هو أن أخبر الأوروبيين عن معاملتهم للناس الذين خسروا كل شيء ويحتاجون المساعدة، بغض النظر إذا كان ذلك في بلغاريا أو إيطاليا أو فرنسا، بينما يروجون للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.»
الفيلم نال عرضه الأول في فئة أسبوعي المخرجين في مهرجان كان الأخير، حيث قوبل بإعجاب النقاد. ويمثل العراق في منافسة أوسكار أفضل فيلم عالمي هذا العام.