بيروت-“القدس العربي”:تعرّف المشاهد اللبناني إلى سينما المخرج العراقي عباس فاضل عندما عرض في بيروت فيلمه الروائي “وطن: العراق سنة صفر” الذي وثّق بعض آثار الغزو الأمريكي المدمر. فيلم طويل من جزأين عُرض في حوالي 60 بلداً حول العالم. وكذلك الفيلم الوثائقي “فجر العالم” الذي فاز بجائزة مهرجان بيروت السينمائي. مؤخراً انطلق في سينما متروبوليس فيلم “يارا” الذي شكل لقاء من نوع آخر مع فاضل، فوادي قاديشا-قنوبين على مداه تحول إلى استوديو تصوير.
المخرج عراقي والفيلم لبناني بالكامل، والصورة رومانسية هادئة. في الوادي خضع فاضل لنوع من الـ”ثيرابي” كان يحتاجه بعد أربعة أفلام فيها الكثير من الألم الذي لحق بالأهل والأصدقاء في العراق، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية.
مع عباس فاضل هذا الحوار:
*لم تجد الريف المناسب لأفكارك في فرنسا فكان وادي قاديشا بديلا. فهل بحثت في فرنسا عن قرية تنقل حاجياتها عبر البغلة؟
**تواصل البحث في فرنسا لأربعة أشهر، لكنني كنت حيال قرى ميتة لا حياة فيها. شاهدت منازل ريفية يسكنها ناس من المدينة بعد تصليحها وفقدانها لروحها الأصيلة. بحثي كان عن ريف لم تشوهه الحضارة المُدنية.
*كيف بدأ فيلم “يارا” كفكرة؟ وإلى أي مدى نُصدق أنه كُتب يوماً بيوم في الوادي؟
**لم تكن فكرتي واضحة تماماً. كنت أحببت فيلمين لمخرج فرنسي البطلة فيهما فتاة مراهقة تعيش في الريف. حينها كنت أدرس السينما، وقررت أنه سيكون لي فيلم بطلته تعيش في الريف.
*نعيش في لبنان ولم نختبر ريفاً بهذه البدائية فكيف وصلت معدات التصوير إلى الوادي؟
**يضحك ويقول: على ظهر البغلة. أقمنا في الوادي مع الممثلين لثلاثة أسابيع نظراً لوعورة وصعوبة وخطورة الطريق. شربل الذي ظهر في الفيلم الذي يحضر الحاجيات الغذائية للعائلة الوحيدة في الوادي، كان يفعل ذلك لفريق التصوير. كانت خدمات البغلة كبيرة، نقلت معدات التصوير، وملابسنا والحاجات الخاصة بكل منا. وهي نفسها البغلة التي ظهرت في الفيلم.
*وهل اختبرتم تلك الحياة البدائية دون تأفف؟
**هذا شرط ضروري. سكنّا المكان قبل أسبوع من بداية التصوير، بهدف التأقلم مع طبيعة الحياة، ولمراقبة تفاصيل تختص بالتصوير من صباح وظهر وعصر ومساء. توددنا للحيوانات بحيث ظهرت في الفيلم أليفة.
*كم بلغ عدد الفريق؟
**توليت الكاميرا، وتولت نور بلّوق المنتجة المنفذة تسجيل الصوت، والآخرون من العائلة تعاونوا معنا حتى في التمثيل. في ظني لو كان الفريق كبيراً لغابت الألفة التي ظهرت في الفيلم، لأن أهل البيت كانوا سيخجلون. فالأسبوع الذي عشناه معهم قبل التصوير جعلنا جزءاً من العائلة.
*هل مرّ التصوير ببساطة كما حال الناس في ذاك الوادي؟
**صحيح. الفيلم لا يحتاج تعقيدات. الحياة في ذاك الوادي فرضت إيقاعها علينا، فجاء الفيلم متناغماً معها. سيرى المشاهدون بطئاً ناتج من إيقاع الحياة في الوادي. في ذاك المكان ليس منطقياً تقديم فيلم بإيقاع مختلف.
*كيف خلق الوادي السيناريو؟
**بصراحة الوادي هو الشخصية الرئيسية في الفيلم. انطلقت من فكرة رئيسية فتاة تعيش في الريف، وعندما وجدت المكان في لبنان صار التصوير متيسراً. اقتراح وادي قاديشا جاء من المنتجة المنفذة نور بلّوق وكان مثالياً. أظنه المكان الوحيد في العالم يحتفظ بهذا النوع من المنازل القديمة التي تعود لـ600 سنة كونه محمية. نعم لم يكن السيناريو موجوداً. السكن كان مشتركاً مع الممثلين وعلى مائدة الفطور في كل صباح كنا نتداول في التصوير حسب إلهام اللحظة والضوء معاً. اللحظة والظلال أفضت لمشهد اللعب بين يارا وحبيبها. كذلك الأمر في تصوير الحيوانات.
*لاحظنا أن الوادي فتنك فأسرفت في المشاهد الطبيعية بين شروق وغروب وغيره؟
**أصور ما أحبه سواء الأشخاص أو المناظر الطبيعية. ثمة مخرجون يصورون من يكرهونهم، من جهتي أفضل تصوير ما أحبه. أنظر للمشهد وأصوره محتفظاً بذكراه. التصوير في الوادي بيوغرافي في جانب منه، فماريا القاضي الآن صارت خارج الوادي. جسدها صار تعباً وليس طبيعياً أن تعيش وحدها.
*قسوت في تصويرها وفي أحد المشاهد خفنا عليها؟
**ليس أنا من طلب ذلك. في يوم باكر وجدتها في طريقها لإطعام الكلب، ركضت خلفها بالكاميرا. وقد بدت صعوبة مشيها ولهذا تركت الوادي وبات الفيلم وثيقة عن الحياة التي انتهت مع آخر فلاّحة هي ماريا القاضي.
*يمكن القول “برافو” لك لأن ماريا القاضي لم تنظر مطلقاً إلى الكاميرا؟
**إنها امرأة هائلة وذكية جداً. صراحة عانيت مع ولديها شربل الذي ينقل الحاجيات، والياس الدليل السياحي. في البداية تركها خجلها ترفض التصوير. فهي تعتقد أن البنات والصبايا الجميلات يتصورون، فهذه الصورة التي تراها في التلفزيون. أقنعناها بأنها الأجمل لموضوعنا، وفي النتيجة كانت رائعة وأجمل من ميريل ستريب في نظري. ماريا القاضي والوادي هما أكبر نجاح للفيلم.
*هل تركتها على سجيتها دون تدخل؟
**حاولت، لكن مستحيل. في مشهد عودة يارا من النزهة مع حبيبها أردتها أن تتخاصم معها وأن تقول لها “من هو الأزعر الذي كنت تتمشين معه؟” رفضت وقالت “لا ألفظ كلمة أزعر”. قلت اسأليها من هو الغريب هذا؟ ردت: وما هي المشكلة إذا تمشت مع غريب؟ وفي النهاية تمّ تصوير المشهد وفق قناعتها.
*وهل خضع الآخرون لإدارة ممثل؟
**طبعاً. ميشال وهبة “يارا” وحبيبها الياس فريفر كانا طلاب سينما عندما أجريت لهما اختبارا، بالتأكيد تلقيا توجيهاً لأنهما ممثلان. أما ماريا والياس وميشال القاضي فليسوا ممثلين وكان عليهم القيام بدورهم الواقعي في الحياة من نطق وحركة.
*بدت “يارا” وكأنها ضيفة على المكان تأتيه صيفاً. لماذا هذا الإحساس؟
**صحيح هي ليست من المكان. صورها وهي طفلة مع والديها تظهرها في المدينة.
*مفترض أن جدتها رعتها إثر وفاتهما وفي هذا المكان؟
**في أي ضيعة في لبنان تظهر الفتيات كما لو أنهن في المدينة.
*في ظني في وادي قاديشا لن تقوم الفتاة بحمام شمس، وترتدي الشورت بأقصر قياس؟
**يمكننا ربط ذلك بـ”يارا” الشابة التي تشاهد التلفزيون عبر الساتلايت. حتى ماريا القاضي العجوز تظهر سبور مع حذاء رياضي وبنطال. “يارا” تلبس كما الشباب الذين تشاهدهم على الشاشة الصغيرة. وهذا ما حدث مع حمّام الشمس. نحن في القرن الـ21.
*قالت يارا “وبترك هون” رداً على دعوة الياس لها للسفر إلى أستراليا. هي رسالة؟
**نهاية الفيلم مفتوحة. لا نعرف هل ستتبع الياس وتترك الوادي، أم ستبقى فيه لتعزيز الحياة والثبات بالأرض؟ يجب أن يكون الفيلم ملكية للمشاهد وله تفسير الأحداث والشخصيات حسب رؤيته. وقد يختلف مع المخرج ومع المشاهدين الآخرين. لكل مشاهد تخيل النهاية التي يرغبها حسب ثقافته وجنسيته.
*متى سيعرض “يارا” في بغداد؟
**هذا فيلم لبناني. لي في العراق أربعة أفلام أحداثها محلية ولا تزال تُعرض.
*من أين تمويل “يارا”؟
**ذاتي ولسبب بسيط أنه فيلم من دون سيناريو. تمّ تصويره فور اختماره في مخيلتي. لو كتبت السيناريو لأنتظرت طويلاً. كل فيلم جديد أنتجه من المال الذي ربحته من الفيلم الذي سبق. وبعد “يارا” صورت فيلماً في البقاع في مخيم للاجئين السوريين. للبقاع حضوره في السينما كما وادي قاديشا.
*لنعد إلى عباس فاضل المخرج العراقي الذي عالج عناوين عدّة من وطنه. كيف اخترتها من بحر الموضوعات العراقية؟
**قبل “يارا” أخرجت ثلاثة أفلام وثائقية وآخر روائي طويل جميعها عراقية. تركت العراق في عمر 18 مراهقاً غير ناضج. لم أكن أنظر للخلف وكأني هارب. في هذا العمر يكون أحدنا غاضباً ينشد التغيير واكتشاف العالم. الأحداث المتتالية أجبرتني على العودة إلى العراق فكراً واهتماماً. هي الحروب المتعددة، الحصار وأصدقائي الذين ماتوا. أن تكون لي أفلام عن العراق كان مهمة ملحة. حرّضني عليها عيشي في أوروبا وفرنسا تحديداً حيث المغالطات كثيرة عن العراق. اختصروا العراق بالنفط وصدام حسين وغاب الشعب. وضعت نفسي أمام مهمة تعريف العالم بالشعب العراقي الطبيعي كما أي شعب آخر، وليس الهمجي كما ينقل الإعلام الغربي. الفيلم الروائي “وطن: العراق السنة صفر” سنة 2015 تألف من جزأين، شكل محاولة لفهم ما حصل خلال الغزو الأمريكي، وتسجيل الواقع. المؤسسة العامة للسينما والمسرح التي كانت تضم كامل أرشيف السينما وتلفزيون العراق بناء كامل احترق. الذاكرة العراقية المرئية اختفت تماماً. لذلك أعطيت نفسي مهمة التوثيق الممكن في بلدي. عندي 120 ساعة صورتها قبل وبعد الغزو الأمريكي في العراق. أجبرت نفسي على هذه المهمة فأقارب لي وأصدقاء وأهل كانوا ضحايا الحرب. سجلت أفلامي الوقائع التي يتعرض لها الناس خلال الحروب من موت وخطف وجوع وتشرد.
*الفيلم طويل جداً ومن جزأين كم تجاوب الجمهور معه وكم ترك أثراً؟
**تم عرض “وطن: العارق السنة صفر” في أكثر من 100 مهرجان في العالم. جلت معه في أكثر من 60 بلداً من الأمريكيتين إلى آسيا، وأوروبا والدول العربية. في كل تلك العروض كانت المفاجأة، الناس لم تكن ترى العراقي يشبهها. كان مهماً بالنسبة لي عرض الفيلم في الجامعات الكبرى كما هارفرد وكان الأمريكيون يندهشون ويدمعون. شاهدوا بأم العين نتيجة الحروب التي تخوضها حكومات بلادهم ضد الشعوب.
*وهذا لم يمنع المسؤولين الأمريكيين من حرب جديدة في العراق وسواه؟
**تعرض أفلامنا في المهرجان فيراها المثقفون، وفي الجامعات فيراها الطلاب، والسياسيون هم من يشنون الحروب. كنت أتمنى لو يُعرض الفيلم في الكونغرس أو البيت الأبيض.
*هل شكل فيلم “يارا” علاجاً شخصياً بعد تصوير مآسي وطنك؟
**بالتحديد. في آخر مشاهد “وطن: العراق السنة صفر” يقتل إبن شقيقتي. نعم كنت في حاجة له. بعد الكثير من الموت نحكي عن الحياة، فكان “يارا”.