قواسم مشتركة عديدة ميزت مشاركة المرأة العربية في احتجاجات التغيير، منها التطلع نحو بناء مستقبل أفضل لبلاد عانت من الظلم والفقر، وتوفير فرص عمل للشباب وتنظيف البلاد من الفاسدين، تحقيق مطالب الثورة السياسية المتمثلة بتنحي المفسدين من الزعماء الذين سرقوا البلاد بالإضافة إلى الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الطائفية والتمييز على أساس عرقي.
ومع أهمية ما تمر به هذه الثورات من منعطفات تمثلت بما شهدته من قمع للمتظاهرين وتكميم للأفواه، ومن نجاحات تمثلت بمحاكمة بعض الفاسدين والتعهد بعملية الإصلاح، يظهر دور المرأة وبصمتها في تحويل هذه المظاهرات الاحتجاجية إلى ساحات لا تخلو من الإبداع من خلال تلوين الأرصفة بألوان تعيد للمدن رونقها وتنظيف الشوارع بعد التظاهر والأغاني الوطنية والأهازيج والرقصات الشعبية والزغاريد التي حمست الشارع على مواصلة التظاهر حتى تحقيق المطالب ومن خلال حلقات التثقيف والإسعاف والطهي وغيرها من أعمال تطوعية، حولت ساحات التظاهر لأعراس شعبية ليسجل التاريخ لحظات لن تنسى للتقارب والانسجام بين الناس.
وعلى الرغم من القيود الاجتماعية والعادات المحافظة فقد تصدرت المرأة مسيرات التغيير التي تجتاح المنطقة العربية، في لبنان، العراق، الجزائر، والسودان تقدمت الصفوف لتقف بجانب الرجل وتنشد تحولا ديمقراطيا في مجتمعها لتصبح لكل ثورة أيقونة أنثى، بائعة المناديل العراقية، أصبحت أيقونة الاحتجاجات حين ظهرت توزع المناديل التي تشكل مصدر رزقها على المتظاهرين مجانا.
وفي السودان آلاء صلاح “كنداكة الثورة” وقفت على ظهر سيارة تنشد وتحفز الحشود.
وفي الجزائر حملت الخالة زاهية المكنسة في التظاهرات لتنظيف البلاد من الفاسدين، وغيرهن كثيرات حملن شعارات “ينقلعو كلن يعني كلن” و “بتنحاو قاع” و”نازلة آخذ حقي” ورفعن مشعل الحرية عاليا من أجل تغيير منشود يحقق أبسط الحقوق للمواطن ويحفظ كرامته ويحميه من الاستغلال ومرارة العيش ليؤكدن على حقوقهن المسلوبة والتي لا يمكن ان تسترجع إلا بتغيير سياسي جذري يعيد كل الحقوق لأصحابها.
الجزائرية غنت للوطن
حكيمة صبايحي أستاذة جامعية وناشطة حقوقية من الجزائر قالت لـ”القدس العربي”: “بدأ الحراك الشعبي الجزائري في 22 شباط/فبراير 2019 حين هب الشعب رافضا المنظومة الحاكمة، وما زال مواصلا انتفاضته حتى إعادة كرامة الجزائري ومكانته التي تليق به.
نرفض أي انتخابات تترأسها بقايا النظام السابق وكل ما يجري من محاولات النظام هو هدر للوقت وللأموال. نعم الحراك مع الحوار الحقيقي لكن هناك أزمة ثقة كبيرة بخصوص السلطة الحاكمة اليوم في الجزائر، هذه السلطة التي اعتقلت نشطاء في الحراك وحاصرت العاصمة وأغلقت مكاتب إعلامية عربية وقامت بالحجب وبالتعتيم الإعلامي حتى لا تصل الصورة الحقيقية إلى الخارج وحتى تمضي الأمور بسلاسة حتى إجراء الانتخابات الرئاسية التي دعت إليها في 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل وهي مرفوضة أساسا من ملايين الجزائريين بالشكل والصيغة المطروحة حاليا”.
وحول دور المرأة الجزائرية في مسيرات التغيير المليونية قالت “إن المرأة هي سند وجودي للرجل لا يمكن الحياة من دونها، وفي الحالة الجزائرية عانت وتألمت المرأة كثيرا في أولادها وزوجها وأقاربها.
تنبع قوة المرأة الجزائرية من هذه الآلام والعذابات، وهي وفية جدا للذين غابوا وستواصل المقاومة بكل ما تملك من قوة الأمل حتى وان خانتها أحيانا قوة الجسد. حمت الثورة وكانت السند الحقيقي وخرجت بقوتها وبأسرتها وبأطفالها.
ما تفعله المرأة الجزائرية في هذه الثورة السلمية الراهنة سيدخل التاريخ فهي تساند الحراك وتحفز الهمم وتطهي الطعام وتسير في مقدمة المسيرات حامية المتظاهرين من أي اعتداء. زينت الحراك بملابسها التقليدية وبعلم الجزائر، غنت للوطن وهتفت تحيا الجزائر وزغردت والدموع في عينيها فرحة وفخورة بالحراك السلمي الذي أبهر العالم، كما أنها عززت الوحدة الوطنية أثناء التظاهرات وتؤكد في كل مرة أن السلمية هي الحل الحضاري لاسترداد الحقوق”.
مجاهدات التحرير
وأشارت إلى أن ما أضاف الزخم للثورة السلمية مشاركة مجاهدات التحرير في المسيرات كالمجاهدة ايغيل احريز وجميلة بوحيرد بالإضافة إلى حفيدات المجاهدات.
وأوضحت أن الشعب ذكي جدا وخروج الناس إلى الشوارع لأكثر من تسع شهور يعبر عن مدى وعي الناس بضرورة التغيير، خاصة ما يعانيه الشباب الذين يموت بعضهم غرقا في البحث عن مستقبل أفضل خارج الوطن الذي لا يضمن لهم كرامتهم ولا يؤمن لهم قوت يومهم بالإضافة إلى تدهور الخدمات الصحية المتردية أساسا وانعدام ثقة المواطن بها.
اللبنانية تطالب بإسقاط النظام الطائفي
دونا ماريا نمور ناشطة ميدانية لا تنتمي لأي حزب سياسي هكذا عرفت عن نفسها لـ”القدس معها” تشارك في تظاهرات ثورة 17 تشرين الأول/اكتوبر في لبنان. طرحنا عليها أسئلة تتعلق بدور المرأة في الحراك وأبرز ما ميز الثورة فقالت: “المرأة التي تعيش في بيروت وضواحيها أو في المناطق الكبيرة، لديها القدرة لتعبر عن رأيها وتطالب بحقوقها وتشارك في المظاهرات وتكون فعالة أكثر بكثير من المناطق البعيدة عن العاصمة والمدن الكبرى.
البداية كانت منذ 2015 عندما كنا نخرج في مظاهرات دورية دائمة تطالب بحقوق المرأة ان كان بقوانين تحميها من العنف وحق الجنسية وقوانين تجرم الاغتصاب وتمنع جريمة الشرف.
في ثورة تشرين الأول/اكتوبر كسرت المرأة حال الصمت وأصبحت تقف حاجزا بشريا بين القوى الأمنية والمتظاهرين السلميين، كانت تحميهم حتى لا يتعرضوا للقمع، والمفارقة الكبيرة أن المرأة على صعيد لبنان كله أثبتت جدارتها عبر مشاركتها بالرغم من الضغوط الأبوية والذكورية والدينية التي تتعرض لها باستمرار.
المرأة مواطنة أولا وتعاني ما تعانيه من الفساد والاستغلال والقمع ودفع الضرائب مثلها مثل الرجل، كلنا نعاني من الضيق الاقتصادي والأعباء نفسها في بناء الأسرة وتوفير الحياة الكريمة للعائلة”.
وتابعت: “خرجنا نطالب بحقوقنا المعيشية وبإسقاط النظام الطائفي ومن خلال ذلك سوف تنال المرأة حقوقها. فقد عانينا أكثر من 30 سنة من حرب طائفية نتج عنها اتفاق الطائف الذي قسم البلاد وأعطى كل قسم لزعيم على الرغم من ان دستورنا علماني.
لكن بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف وسياسة الزعماء الذين استخدموا التجويع والتبعية أدت إلى نشوء شعور طائفي بين اللبنانيين، ولعل انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر كشف ان وجع اللبنانيين واحد والمعاناة واحدة، وكلنا لا نستطيع ان ندفع فواتيرنا وكلنا ندفع الضرائب ونعاني من ضعف العملة المحلية ومن القمع والترهيب ومن استغلال المناصب وكلنا ندفع الثمن من دون أي استثناء لأي طائفة”.
حراك تصاعدي
وترى نمور أن ما ميز الانتفاضة الحالية أنها ليست مركزية بل شملت كل مناطق لبنان وانه كان هناك دعم وتضامن غير مسبوق بين مناطق السنة مثل طرابلس والمناطق التي تقطنها أغلبية شيعية مثل صيدا والمناطق ذات الأغلبية المسيحية.
وتوضح قائلة: “منذ أزمة النفايات في 2015 سمينا بالحراك المدني، فنحن لا ننتمي لأي حزب سياسي مستقلين طائفيا وسياسيا لا نخلط الدين بالسياسة.
ننتفض منذ 2015 وأصبحت نشاطاتنا تصاعدية حتى 17 تشرين الأول/اكتوبر بدأت المجموعات تدعوا للتحركات بعد سلسلة اضرابات لنقابات البنزين والأفران وتداعيات الضرائب على البنزين والضريبة على الخبز وآخرها الضريبة على “واتساب”.
الضريبة على واتساب لم تكن السبب، بل كانت الشرارة. وزير الاتصالات كانت له سقطة خطيرة في أحداث ضريبة واتساب التي هي أبسط ما يملك اللبناني للتواصل مع الآخرين خاصة أن فاتورتنا هي الأغلى في العالم وندفع بالدولار حتى نشترك في خدمات الاتصالات ويريدون أن ندفع 6 دولارات شهريا ضريبة على واتساب! المواطن لا يحتمل كل هذه الضرائب التي تفوق قدرته المادية.
هذه المظاهرات لم يكن مخططا لها ولحد الآن لا يوجد لدينا قائد للحراك ولا أحد يتحدث باسمنا فقد خرجنا بشكل عفوي. فاللجان كانت تتشكل على صعيد المناطق فقط لتوزيع الطعام والماء والهتافات والتنسيق مع باقي المناطق ليكون هناك توحيد للهتافات والمطالب.
وحتى الآن نرفض التفاوض مع الحكومة ولم يتم الاتفاق على قائد ولو حصل فسيعطى الشرعية من المتظاهرين بعد الاجماع عليه”.
وبشأن الضغوط التي يتعرض إليها الحراك أكدت: “حراكنا عفوي لكن دخلت بعض الأحزاب اللبنانية مع تحفظاتنا عليها راكبة الموجة ليقال انهم يشاركون في المظاهرات وهم مع مطالب الشعب.
الدولة تعول على تعب وارهاق ثورتنا، كما أنهم يستخدمون القوة معنا في الشارع ان كان عن طريق نشر القوى الأمنية لمواجهة المتظاهرين أو عن عدم التدخل في حال قامت الأحزاب المسلحة بالتعرض للمتظاهرين واعتدت عليهم ولم تقم القوى الأمنية بفض الاشتباك التي حصلت أو حتى اعتقال المسلحين التابعين لأحزاب سياسية الذين تهجموا علينا بل اكتفت بالصمت”.
وعن غلق الطرقات تقول: “غلق الطرقات من قبل المتظاهرين الهدف منه شل الحركة الاقتصادية ولنجمع أكبر عدد للمشاركة في الاعتصامات والمظاهرات. هدفنا الضغط على المسؤولين حتى يستقيلوا ويتنحوا عن عروشهم. أغلقنا الطرقات الرئيسية ولكن ليس للحالات الحرجة والطارئة والقوى الأمنية والجيش والصليب الأحمر، استخدمنا أساليب احتجاجية سلمية لكن القوى الأمنية في الآونة الأخيرة استخدمت العنف والضرب والرصاص المطاطي لتفرقة المتظاهرين السلميين ليقبلوا بفتح الطرقات”.
العراقية تتبرع لجرحى الثورة
تمارة علي الجنابي موظفة في شركة طيران وخريجة تصميم داخلي تشارك في تظاهرات العراق وتقول لـ”القدس العربي”: مشاركة المرأة في مظاهرات التغيير فعاله جدا، فهي أثبتت وجودها وأسمعت صوتها ضد الطائفية التي قسمت البلاد. فقد عانينا الأمرين بسبب الطائفية وذلك أثر على المرأة بشكل مباشر. خرجنا للتظاهر بكل سلمية، لم نخرب كما قيل، تعرضنا للضرب فدافعنا عن أنفسنا. قمنا بتزيين العاصمة، دهنا شوارعها وساهمنا في تنظيفها ورسمنا لوحات تعبر عن ثورتنا السلمية وعن ضحايا المظاهرات من الشباب حيث سقط الكثير منهم شهداء”.
وأضافت: “العراقية ساهمت بكل ما تستطيع، هناك من تبرعت بالمال والذهب وأخريات طهين الطعام للمتظاهرين وطبيبات يسعفن الجرحى. ساندنا المظاهرات بقوة فنحن أيضا كعراقيات لنا مطالب هي المطالب الوطنية التي يجمع عليها الكل كمحاربة الفساد وتأمين فرص عمل للعاطلين وغيرها من المطالب المشروعة التي تتعلق بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، فما زلنا نعيش التمييز ضدها، وبما أن الانتفاضة هي ثورة تغيير شاملة فسنستمر في التظاهر بكل سلمية. نريد أن يكون العراق لكل العراقيين، نريد عراق مهد الحضارات ومنارة العلم والمعرفة والتاريخ، لا عراق الجهل والطائفية والاضطهاد”.
وتابعت معلقة على اختطاف صديقتها الناشطة صبا المهداوي: “تم اختطافها لأكثر من يومين ثم عادت إلينا محطمة من شدة الضرب الذي تعرضت له على يد أجهزة تابعة للدولة. يريدون إسكات صوت المرأة وتخويفها حتى لا تشارك في المظاهرات”.
مبادرات
وعن مبادرة صندوق التبرعات في ساحة التحرير قالت الجنابي: تم تخصيص صندوق في ساحة التحرير لمن يحتاج النقود من المتظاهرين والشيء الملفت أن المفتاح موجود في أعلى الصندوق والمحتاج يفتحه ويأخذ حاجته بدون أن يطلب، بالنسبة لي عندما حرق “توك توك” الذي كان صاحبه يعتاش عليه، قمت بالتبرع بسلسلتي الذهب له وساعده غيري أيضا حتى يتمكن من شراء “توك توك” جديد. التضامن الاجتماعي والتعاضد يتجلى في أجمل صوره في العراق. أنا أفتخر بهذا الشعب الذي كنت أعتقد أنه انكسر من كثرة ما حل به من ويلات، لكنه اليوم ينهض من جديد ليستعيد كرامته ويحقق أحلام شبابه بعراق مستقر ومستقل يجمع الكل”.
ولابد من الإشارة إلى أنه تم انشاء مكتبة عامة لتثقيف المتظاهرين. أما عن “المريول” أو السترة البيضاء الذي ارتدته المشاركات في المظاهرات، فتشير الجنابي بأنه تم الاتفاق على ارتدائه ليجعل الحركة أسهل وقت المساعدة بين المتظاهرين ولأن لونه أبيض يعبر عن السلام بالإضافة إلى أن المتطوعات من الممرضات والطبيبات كن يرتدينه أيضا وهن شاركن بقوة في تضميد جراح المتظاهرين وإنقاذ حياة الكثير منهم.