«المرأة في طور العمل» 62 فنانة من الوطن العربي يبْنين جسر تلاق بين الفن التشكيلي والحرفي مؤسسة دلول للفن ومعرض يجمع الماضي بالحاضر في فرجة ثقافية وبأساليب فنية مبتكرة ومعاصرة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: يحرك عنوان معرض مؤسسة دلول للفن «المرأة في طور العمل» حشرية الاكتشاف، والوقوف على دلالات المشاهدة، وتماسها مع الموضوع. في أرجاء المعرض تتالى المواضيع التي عالجتها الفنانات وهنّ 62. وتتوالى فصولاً الطرائق الفنية المبتكرة التي تشكّلت منها تلك الأعمال، إلى سعي من بعضهنّ للعودة إلى الجذور، وتطوير الأساليب عبر أعمال معاصرة. وهكذا تنقّل المعرض مقيماً جسر تلاق بين الفن التشكيلي المعاصر والحرفي. وجاء في نص لـ Glenn Adamson «أن التهميش الطويل للفن الحرفي، واعتبار الفن التشكيلي ليس منه، لم يكن سوى وسيلة اعتمدها عالم الفن لممارسة التمييز الجنسي والعنصري، متخفياً خلف ستار من فرض الانضباط الأكاديمي بدلاً من محاسبة الأفراد».
وكسراً لهذا التمييز الجنسي المتمادي والتلاقي مع الفن الحرفي اجتمعت في معرض «المرأة في طور العمل» وسائط فنية متعددة كما النسيج، التطريز، والسيراميك، والمعدن، والرسم من زيت وأكريليك، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم التخطيطي، والخشب، والقماش باستعمالات متعددة، والطين، والزجاج، والنحت. وإذ به معرض يشبه واحة من المعرفة المغرية للاستزادة من جمالياته. ومن مقاصد موضوعاته، الإنسانية المتنوعة كالاستعمار والاستشراق، الذي أصرّ مصوباً علينا كنساء، فإذا بنا عاملات في مواخير من تصميمه وإنتاجه، ولخدمته. إنها صورة فوتوغرافية على الألمنيوم للفنانة المغربية لالا السيدي أعدتها للعرض بشكل نقدي لما رآه فينا وعنّا المستشرقون، وأسمتها «حريم رقم4 ـ2009». إلى ذاك الاستعمار الذي يتجدد فصولاً، ويرتقي في شروره، وفي تشريد شعوب المنطقة، وإلى المواجع، والرسائل في شتى الاتجاهات، ثمّة جماليات كثيرة آسرة في هذا المعرض تتوقف العين حيالها بإعجاب، كما العودة إلى الطبيعة والأرض والحنين والذاكرة.
إذاً هو معرض له أطره الاجتماعية والإنسانية المنغرسة بداخلنا، حيث التقاليد المتوارثة في الأعمال اليدوية والحرفية. أعمال تحاكي الواقع بعين المرأة الفنانة، وقّعتها فنانات ينتمين لكامل الوطن العربي من شرقه إلى غربة وخليجه، وجميعهنّ معاصرات.
هنا تحقيق عن معرض «المرأة في طور العمل»:
قيمة المعرض وفا الرز أخبرتنا رداً على سؤال «بأن ما وضعه المعرض بمتناول الجمهور هو من مقتنيات مؤسسة دلول للفن. ويساوي بين الفن التشكيلي والفن الحرفي، إلى أخرى من فنون متعددة، بعضها من التطريز والحياكة، والمبتكرات الخشبية والزجاج الملون. ولم يسبق لتاريخ الفن تصنيفها في إطار الفن الراقي، لكنها باتت كذلك مؤخراً.».
وتحدثت وفا الرز عن تفاصيل عمل الفنانة السعودية منال الدويان وعنوانه « Just Paper-group xv2022». عمل من ضمن من الطباعة الحريرية محول إلى البورسولان عبّرت من خلاله الدويان عن سيرة الطغيان والتسلط، ودور المرأة في تكوين الهوية الاجتماعية السياسية. عمل يقدم دليلاً على امكانات الفنانة بالمزج بين مواد موروثة وأخرى معاصرة للتعبير عن تساؤلات ومخاوف. أعمال تحمل بذاتها تحمل قدرة الدفاع عن حضورها، حين تُعرض في إطار الفنون التشكيلية. الفنانات معاصرات، وسنوات ميلادهن تترواح بين سنة 1960 وسنة 2000.

أدوات متعددة
لمعالجة قضايا شائكة

تعددت الأعمال التي بحثت في تراث البلاد والأجداد. الفنانة المغربية سارة أوحادو التي تابعت دراستها في باريس، عادت إلى المغرب وإلى جبال الأطلس تحديداً حيث أصولها الأمازيغيية بحثاً عن حرفة أجدادها الخشبية والزجاج الملون، والسيراميك والسجاد والطين. صناعات أتقنها السلف، وطوّرها الخلف وفق رؤية معاصرة. أفتتحت أوحادو سوقاً للعمل وباتت تشتغل مع آخرين. عملها في معرض «المرأة في طور العمل» عبارة عن شباك مستدير يتداخل فيه الخشب البني مع الزجاج الملون ذي الأشكال الجميلة، ومنحته اسم «عطشانة» وهي مغنية مغربية. كذلك فعلت الفنانة اللبنانية ليلى جبر جريديني قدّمت أعمالاً تُشبه البُسط. عادت إلى سنوات مضت حيث كانت عائلتها تقتني معملاً للحياكة والنسيج. وبشراكتها مع أيوان مكتبي (تاجر سجّاد مشهور في بيروت) قدّمت الرسومات وتولى مكتبي حياكة البُسط. رسمت شجرة البوبوا الأفريقية وباتت لوحة على سجّادة. وإذ بليلى جبر جريديني تستلهم من تجارب طفولتها في مصنع النسيج العائلي المغلق حالياً، وتُنتج بالشراكة مع مكتبي قطعاً حديثة وملموسة تحاكي التاريخين الشخصي والجماعي، وتميزها اشكال هندسية.
وكان الطين مشتركاً بين أعمال فاتحة زموري المغربية وسمر مغربل اللبنانية، وأمامها كانت امكانات الاستفادة من موارد الأرض كما الطين وسواه. الأولى أنتجت من الطين أشكالاً مرتبطة بتراث جبال الأطلس حيث ولدت في قرية طحنوش، وتركتها تجف بتأثير الهواء. بينما استعانت مغربل بالفرن لتجفيف أعمالها ومن بينها قوس النصر. هناء ملالة من العراق، كانت ذات نفس طويل خلال تثبيتها لقطع القماس الصغيرة المربعة والمحروقة، بحيث تتماثل مع تقنية الدمار. عمل أسمته «الهدهد» وبرز من خلاله الهدهد الذي ترغبه رمزاً خاصاً بها. إلى الألوان الزيتية ذات الوقار انحازت الفنانة المصرية سعاد عبد الرسول لترسم تفاحة حوّا الجميلة ملتفة بثوب شفاف، فيما بات للذئب التائه في الحقول رأسان يشرئبان نحوها. موضوع اختارت له عبد الرسول ألواناً مستوحاة من طبيعة نهر النيل كما الأخضر الغامق والأحمر. واستعملت ناديا عيّاري من تونس المواد الزيتية على الكانفاس بعدة طبقات، بحيث يعتقد الناظر إليها من قريب أنها نسيج. ناديا عبّرت بطريقة تجريدية عن طبيعة وطنها وخاصة زهرة الياسمين وأسمت لوحتها «الأجرام السماوية».
وابتكرت صفاء القاضي من المغرب أسلوباً مميزاً في التعبير. استعانت بالشبك المعدني ومررت من خلاله مادة المعجون الملونة التي يعشقها الأطفال، وإذ بنا أمام لوحة فسيفسائية من نساء وأطفال، وبأشكال ومهام مختلفة. صفاء القاضي تعاملت مع الذاكرة والمساحة. طرّزت أماني التويني من الكويت طقوس العرس في أربعة منجزات طولية، غلب عليها اللون الذهبي الذي ألبسته للخدم، فيما اختارت اللون الرمادي للضيوف، إنها طقوس العرس، وبروتوكول الطبقية.
ووفق سردية مونودرامية وثّقت الفنانة اللبنانية رانيا مطر طفلة تبحث عن أشيائها بعد أن دمّر عدوان تموز/يوليو 2006 منزلها. وإذ بها صارت صبية جميلة ممشوقة القوام تبحث في الدمار الذي خلّفته الحرب العدوانية الأخيرة سنة 2024 في منزل عمتها في الضاحية الجنوبية. بين ذلك الدمار كانت صورتها الثانية، وصورة لفيروز استخرجتها من بين الحُطام. وعبر تقنية الفحم والرصاص ـ حيث نادراً ما نرى أعمالاً بهذا الحجم الكبيرـ تصدت الفنانة الفلسطينية سماح شحادة لرسم جانب من مميزات الطبيعة في وطنها السليب. شجرة الصبّار والأرض البور تحيط بها، خطوط بالملايين متدرجة عبر الفحم والرصاص تحمل سردية الطبيعة المشتاقة لأهلها.
إذاً «المرأة في طور العمل» معرض واسع وكبير بمحتوياته ومساحته وموضوعاته. تطرّقت فيه الفنانات المشاركات وعبر أعمالهنّ إلى موضوعات جدية ومهمة مثل الحرب، والفقد، والعنف، والحنين، وإحياء تراث العائلة الحرفي وسوى ذلك. فماذا تقول الفنانات؟

إيمان طفيلي… تشكيل من قماش غطاء للأبنية

التوقف حتمي عند لوحات ثلاث أنجزتها إيمان طفيلي من لبنان وأسمتها «system» ومنحتها أرقاماُ. من بعيد يبدو وكأنها كست مجسمات بقماش. تحديق متمعن أكثر يقول بأن تلك الكسوة ليست عشوائية. نسألها عن خيار الجمع بين القماش والحجر والحديد؟ تقول: يتألف العمل من قطع قماش الشال الذي يوضع على الرأس كوني امرأة محجبة. وصور الأبنية ملتقطة من شبابيك وزوايا منزلي ولمحيطه. شبكت القماش ببعضه عبر ماكينة الخياطة، فالقماش تعبير عن ذاتي الانثوية، والأبنية تعبر عن المجتمع الذكوري، وما يمثله من صلابة في وجه القماش الذي اخترقه بحرية بحثا عن منفذ للانطلاق من خلاله. والخياطة بقطبة منهجية نكررها من جيل إلى جيل. والزاوية السوداء في الأعمال جميعها يقابلها تأليف منفتح وحر ودعوة للانطلاق.
وتفسّر طفيلي قراءتها للمواد التي اختارتها بالقول: المواد المستخدمة أتت في خدمة العمل التشكيلي. المادة التي تختارها الفنانة خاصة بها، وتبدأ مما تراه يومياً بعينها من منزلها، إلى ما يخصها من قماش الشالات التي ترتديها واستعمالها لماكينة الخياطة لجمع المواد بعضها مع الآخر.
وخلُصت للقول: أما التأليف التشكيلي فجاء لخدمة فكرة العمل ككل. وإنجازة بما يناسب الفكرة العامة للعمل الذي تألف من 53 قطعة تمثل سنوات عمري حتى تاريخ انجاز العمل بالكامل. عرضت مؤسسة دلول للفن ثلاث قطع إقتنتها من المعرض الفردي الذي ضمّ كافة القطع، والذي أقمته في كاليري كليم بشارة قبل سنة.

عزّة أبو ربيعة… «جنازة فراشة» تعبير عن التحولات

من المؤكد أني لم اقرأ لوحة الفنانة السورية عزّة أبو ربيعة كما معايشتها لها بهدوء وشفافية. شفافية معايشتها لتلك اللوحة تشبه قماش التول الذي اختارت التعبير من خلاله. التباين في قراءة المقاصد لم يفسد للود قضية. فعملها شديد الرهافة كما قماش التول الذي شكّل خير وسيلة لتظهر فكرتها في لوحة «جنازة الفراشة». لوحة مستطيلة بقياس كبير شغل الشَعر خطاً من أعلاها وآخر من أسفلها. وكان سؤالي المباشر هل هي تعبير عن حال السوريين في السنوات الماضية ورحيل النساء نحو المجهول؟ تقول أبو ربيعة: ما قرأته في عملي ليس بنساء. انطلقت فكرة العمل من تخلينا عن الرموز في الحياة الجمالية، وإقامة الجنازات لها. الفراشات المتواجدة في هذا العمل تشكّل رمزاً للرهافة. إنها الفراشة الشبقة بإتجاه الضوء والحرية. إنها الفراشة الجميلة التي نقتلها، ومعها نقتل كافة تلك الرموز الإيجابية. في أعلى العمل شخصيتان تحملان الفراشة وتسيران بجنازتها. والأشخاص في أسفل العمل هم نحن المهستِرون التائهون في وضعيتنا. هل نحن في طور التشييع أم في حالة الهستيريا؟ أم نقصد الهجرة؟ نحن سائرون من دون وجهة. وسكة القطار والبحر وجهتان للهروب، ونعرف أن البحر ابتلع كثيرين. في خلاصة العمل أننا في جنازة فراشة، وفراشة أخرى تطير باتجاه الحرية التي نسعى لبلوغها، ولم ننجح بعد. بالتأكيد لسوريا أثرها الكبير في عملي، وكذلك معايشتي لتفجير مرفأ بيروت، والأسئلة التي لا تتوقف عن مسار حياتنا في هذه المنطقة.
وتصف أبو ربيعة طريقة عملها «بالطبقات حيث نرى الأشياء عبارة عن ظلال ملونة بعضها فوق الآخر. هي ظلال هشة تخدم الموضوع. إخترت هذه التقنية للوصول إلى هذا العمق، وتلك الشفافية والرهافة، بحيث يُظهر العمل بعداً عميقاً حين ننظر إليه. أحب تسمية ما رسمته بالظلال الملونة. فالتول يحمل ألوانه بذاته. وكي أبلغ النتيجة التي أريدها لا بد من طبقات متعددة توضع بعضها فوق الآخر».

داليا بعاصيري… شجر صامد يتوجع بعد تفجير المرفأ

رسمت داليا بعاصيري جذع شجرة توزع إلى اثنين خلال سنوات نموه النشطة والسابقة لتفجير المرفأ، وأعطت للوحتها عنوان «حين عودة الفصل». نسألها عن ولادة لوحتها ودلالاتها المتنوعة؟ تقول: ولدت فكرة العمل التي بدأت بعد عام من التفجير. كنّا مجموعة فنانين طُلب منّا التعبير عن نتائج التفجير. توزّع الفنانون في غرف مستقلة داخل مبنى فيّاض غير المرمم. وفي هذا المبنى رسم كل منا لوحة طولية عُلّقت على مختلف جنباته. لفتني في الغرفة التي عملت فيها كمية كبيرة من القطع التي تشبه الدهان الكثيف أو السميك ومصدره خارجي نتيجة قوة التفجير. أخذت بعضه إلى محترفي. وخلال إقامة فنية لي في مقر أشكال ألوان في مار مخايل حملت معي هذه القطع وبدأت العمل. وفي أحيان كنت أتفقد آثار التفجير خاصة في منطقة مار مخايل، لفتني وجود الكثير من الشجر المتضرر والصمغ يتدلّى من بعض جنباته، صورت بعضها وسعيت لمعرفة سبب تكاثر هذا الصمغ. بعد البحث علمت بأن للشجر قوة كبيرة تمنعه من أن يُقتلع ويموت. وهكذا كانت لوحة الشجرة، حيث خيط عليها ذاك الدهان الذي تطاير بفعل التفجير. صحيح أن الشجر بقي حياً لكنّ خدوشاً كثيرة لحقت به، وتمت إعادة بنائه من خلال بقايا الدهان. والشجر يُعبّر عن ألمه من خلال الصمغ الذي يخرج من مختلف انحائه.
هل أردت القول بأن الشجر أبقى من البشر والحجر؟ تقول بكل تأكيد وللشجر نظام خاص به يدعونا لأن نحترمه. ركزت على مسألة شفاء الشجرة ولهذا مالت الألوان نحو بعض الشحوب. فالشجرة حملت معها كافة آثار التفجير. بقايا الدهان الذي اُلصق على هذه الشجرة بات جزءاً منها فهي عاشت حدث التفجير، وتسعى للتعافي منه.
يستمر المعرض إلى نهاية شهر أب/اغسطس الجاري. الزيارة تتم بموعد مسبق على الرقم 791229/01.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية